إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الطموح يؤدى إلى النمو الروحى والطموح يشمل أيضاً الحياة كلها فى كل عمل تمتد إليه يد الإنسان فى دراسته وفى وظيفته وفى كل مسئولياته " فى كل شئ أروم أن تكون ناجحاً وصحيحاً كما أن نفسك ناجحة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل لوقا اصحاح 17 جـ2 PDF Print Email



3. زد إيماننا

لعل الرسل أدركوا أن ما يوصي به السيد المسيح هو فوق حدود الطبيعة، لذا طلبوا عونًا إلهيًا، فيحملوا بالإيمان الطبيعة الغافرة لأخطاء الغير، إذ يقول الإنجيلي:

"فقال الرسل للرب: زد إيماننا. فقال الرب: "لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذه الجميزة انقلعي وانغرسي في البحر، فتطيعكم" [5-6].

ويلاحظ في هذا الحديث الآتي:

أولاً: أن كان "الإيمان" هو سرّ قوة الكنيسة، بدونه لن ننعم بطبيعة المسيح المُقامة عاملة فينا، وبدونه لا نقدر أن نقدم الحب الحقيقي الغافر لأخطاء الغير، فإن هذا الإيمان هو عطية الله، ننعم به إن سألناه مع الرسل: "زد إيماننا"... هو عطية الله لكن ليس في سلبية من جانبنا.

ما يعطي بالضرورة فرحًا لنفوس القديسين ليس نوال الخيرات الزمنية الأرضية، لأن هذه الخيرات قابلة للفساد، وبسهولة نفقدها، إنما التمتع بالخيرات المكرمة الطوباوية التي للنعم الروحية وهي عطية الله. أحد هذه النعم هو "الإيمان" الذي له تقديره الخاص، أقصد به الدخول إلى الإيمان بالمسيح مخلصنا جميعًا، هذا الذي يعرفه بولس كأعظم بركاتنا جميعها، إذ يقول "بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه" (عب 11: 6). هذا الذي به نال القدامى شهادتهم لله.

لاحظ كيف تمّثل الرسل القديسون بسلوك قديسي العهد القديم. ماذا سألوا المسيح؟ زد إيماننا. لم يطلبوا إيمانًا مجردًا، لئلا تظن أنهم كانوا بلا إيمان، بل بالحري طلبوا من المسيح أن يزيد إيمانهم، ويقويه فيهم.

يعتمد الإيمان علينا جزئيًا، ومن الجانب الآخر هو عطية النعمة الإلهية. ففي البدء يعتمد علينا (لنا أن نقبله أو نرفضه)، ففي سلطاننا أن نثق في الله ونؤمن به، وأما تثبيته وتقويته، فيتطلب النعمة الإلهية. لهذا السبب، إذ كل شيء ممكن لدى الله، قال الرب: "كل شيء مستطاع للمؤمن" (مر 9: 23). القوة التي تحل بنا خلال الإيمان هي من الله. إذ يعرف الطوباوي بولس ذلك يقول في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس: "فإنه لواحد يعطي بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح الواحد" (1 كو 12: 8-9). ها أنت تراه يضع الإيمان في قائمة النعم الروحية. هذا هو ما طلبه التلاميذ لينالوه من المخلص... وقد وهبهم إيّاه بعد إتمام التدبير بحلول الروح القدس عليهم. فإنه قبل القيامة كان إيمانهم هزيلاً، كان لهم قلة إيمان - قدم القديس موقف التلاميذ عند هياج الأمواج كمثل لقلة إيمانهم - (مت 8: 26؛ 14: 31، لو8: 25، يو 6: 19)... لا تعجب إن كانوا يطلبون زيادة إيمانهم من المسيح مخلصنا جميعًا. وقد أوصاهم ألا يبرحوا أورشليم بل ينتظروا موعد الآب حتى يلبسوا قوة من الأعالي (أع 1: 4). عندما حلت بهم القوة التي من الأعالي صاروا بالحق شجعان وأقوياء، حارين في الروح، يحتقرون الموت، ولا يبالون بالمخاطر التي كان غير المؤمنين يهددونهم بها، بل وصاروا قادرين على صنع المعجزات.

القديس كيرلس الكبير


ثانيًا: في كلمات الرسل "زد إيماننا" كشف عن حقيقة الإيمان، أنه ليس أمرًا جامدًا قبلناه وتوقف، لكنه هو "خبرة حياة معاشة". إيماننا قبول لعمل الله فينا بلا توقف حتى نبلغ شهوة معلمنا بولس الرسول "قياس قامة ملء المسيح" (أف 4: 3). وكما يقول القديس أغسطينوس أن إيماننا يزداد [عندما يعلن "حكمة الله" ذاته علانية وجهًا لوجه مع قديسيه.]

إيماننا ليست كلمات نرددها، ولا فلسفة نعتنقها، لكنه حياة وخبرة عمل بالله الذي يعمل فينا بلا انقطاع، ويعمل بنا لنشهد له بلا توقف فنقتني نفوسًا لحساب ملكوته.

ثالثًا: جاءت إجابة السيد المسيح: "لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذه الجميزة انقلعي وانغرسي في البحر، فتطيعكم" [6]، تكشف عن حاجتنا لا إلى زيادة مادية من جهة الكم، وإنما إلى زيادة من جهة النوع. فإنه لا يوجد وجه مقارنة بين حبة الخردل التي كان اليهود يعتبرونها أصغر الحبوب وبين شجرة الجميزة الضخمة، فإن إيمانًا حيًا كحبة الخردل الصغير قادر على المستحيلات أن يقلع شجرة جميزة بجذورها من الأرض ليغرسها في البحر وسط الأمواج؟ الإيمان الحيّ هو صانع المستحيلات!

رابعًا: يرى القديسان أمبروسيوس ويوحنا الذهبي الفم أن "شجرة الجميز" هنا تشير إلى الشيطان، فإن كانت حياتنا قد صارت أرضًا غُرس فيها العدو كشجرة جميز، بالإيمان نطرد الشيطان بكل أعماله من حياتنا فلا يكون له موضع فينا، وإنما يُلقى في البحر كما في الأعماق، وذلك كما سمح السيد للشياطين أن تخرج من الرجل الذي في كورة الجدريين وتدخل في الخنازير فاندفع القطيع من على الجرف إلى البحيرة واختنق (لو 8: 33).

ويرى البابا كيرلس الكبير أن "شجرة الجميز" هنا تعني قدرة الإيمان على تحقيق ما يبدو لنا مستحيلاً. بالإيمان تُقتلع من الأرض رغم تأصلها بالجذور العميقة، وبالإيمان تثبت في مياه البحر المتحركة، وكأن الإيمان يصنع المستحيلات، إذ يقول: [من يثق في المسيح لا يتكل على قوته الذاتية، بل ينسب للمسيح كل ما يحققه، معترفًا أن به تتحقق كل الخيرات في نفوس البشر، وإن كان يليق بالبشر أن يهيئوا أنفسهم لقبول هذه النعمة العظيمة. للإيمان سلطان أن يحرك ما هو ثابت ومؤسس في الأرض وليس شيء على الإطلاق لا يمكن للإيمان أن يحركه متى صارت الحاجة ملزمة لتحريكه. لقد اهتزت الأرض فعلاً عندما صلى الرسل كما جاء في أعمال الرسل (4: 31). ومن جانب آخر فإن الإيمان يستطيع أن يوقف ما هو متحرك، كما أوقف جريان مجرى نهر سريع (الأردن يش 3: 16) وأوقف حركة نور الشمس التي لا تتوقف في السماء (يش 10: 13). لكن ما يجب ملاحظته تمامًا أن الله لا يود تقديم ما هو مُبهر وعجيب بطريقة باطلة أو بلا هدف، فإن مثل هذا بعيد عن جوهر الله الذي لا يعرف الكبرياء ولا العجرفة، إنما يعمل ما هو لخير البشرية وسلامها. أقول هذا لكي لا يتوقع أحد من الإيمان المقدس والقوة الإلهية أن تتم تغيرات بلا نفع مثل تغيير عناصر معينة وتحويلها أو تحريك جبال أو مزروعات... أنه يتحقق ذلك أن كان فيه نفع حقيقي، عندئذ لا ينقص الإيمان قوة للتنفيذ.]

إن كان الإيمان هو سرّ قوة الكنيسة، لا لممارسة أعمال خارقة بلا هدف، وإنما أولاً به ننال الحياة المقامة في المسيح يسوع. فنعيش بروح المحبة الغافرة لأخطاء الآخرين، وبه نطرد الروح الشرير وكل أعماله، فنقتلعه من حياتنا كالجميزة، لنلقى به كما في هاوية البحر وأعماق المحيطات، فإن ما يفسد إيماننا هو "اتكالنا على برنا الذاتي". فننسى أن ما وُهب لنا من بنوة، ومن أعمال مقدسة، وقدرة على تنفيذ الوصية. أنه عطية الله المجانية، وأننا في حقيقتنا عبيد بطالون، مهما كان سلوكنا. هذا ما أكده السيد المسيح، إذ قال بعد حديثه عن الإيمان مباشرة:

"ومن منكم له عبد يحرث أو يرعى يقول له إذا دخل من الحقل تقدم سريعًا واتكئ. بل ألا يقول له: اعدد ما أتعشى به وتمنطق واخدمني حتى أكل وأشرب، وبعد ذلك تأكل وتشرب أنت. فهل لذلك العبد فضل لأنه فعل ما أُمر به؟ لا أظن. كذلك أنتم أيضًا متى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا: أننا عبيد بطّالون، لأننا إنما نعمل ما كان يجب علينا" [7-10].

ماذا عنى السيد المسيح بهذا المثل؟ أراد أن يؤكد لنا مركزنا الحقيقي خارج نعمته أننا عبيد بطّالون، أي عبيد لله لم نوفِ حقه كما ينبغي. فإن جعلناه الأول في حياتنا، وقدمنا كل شيء لحسابه، نبقى عبيدًا مدينون له بحياتنا، نشعر في أعماقنا أننا بطّالون، أما خلال نعمته فقد صرنا أبناء له، ما نمارسه هو من قبيل عطيته المجانية، وليس ثمنًا لجهادنا الذاتي أو فضلاً منا.

إذ أراد الرب أن يظهر أنه بالرغم من إلزامنا بكل وصية، لكنه يهب البنوة للبشر في استحقاق دمه، لذلك قال: "متى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا أننا عبيد بطّالون، لأننا إنما نعمل ما كان يجب علينا". هكذا فإن ملكوت السماوات هو هبة يعطيها الرب للعبيد المؤمنين وليس جزاءً لأعمالنا.

فالعبد لا يطلب التحرر (من العبودية) جزاء عمله، وإنما يحاول أن يقدم كل ما في وسعه كمدينٍ، وينتظر التحرر كهبة.

"المسيح مات من أجل خطايانا" (1 كو 15: 3)، وهو يهب الحرية لمن يخدمونه حسنًا، إذ يقول: "نعمًا أيها العبد الصالح والأمين، كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير، أدخل إلى فرح سيدك" (مت 25: 23).

يظن البعض أنهم يؤمنون بالحق وهم لا ينفذون الوصايا، والبعض بينما ينفذون الوصايا يتوقعون الملكوت كجزاء عادل (لاستحقاقاتهم الذاتية)؛ كلاهما يخطئان ضد الحق.

إن كان المسيح قد مات لأجلنا "كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام" (2 كو 5: 15)، فمن الواضح أننا ملزمون أن نخدمه حتى الموت؛ فكيف إذن ننظر إلى البنوة كجزاءٍ عادلٍ (لأعمالنا الذاتية)؟

نحن الذين وهب لنا الحياة الأبدية، نصنع الأعمال الصالحة لا لأجل الجزاء، بل لحفظ النقاوة التي وُهبت لنا.

القديس مرقس الناسك

في العبارات السابقة وجه الرب إلينا حديثًا طويلاً وهامًا ليظهر لنا الطرق التي تقودنا إلى الكرامة، معلنًا أمجاد الحياة غير الملومة لكي نتقدم فيها، وننمو بغيرة إلى ما هو مدهش، فننال مكافأة دعوتنا العليا (في 3: 14). ولما كانت طبيعة فكر الإنسان تتجه نحو المجد الباطل وتميل إليه... وهذه خطية خطيرة يبغضها الله؛ هذا وتقود الحية ـ أصل الشر ـ البشر إلى مثل هذا الفكر، فيظنون أن الله يهبهم الكرامات العليا من أجل حياتهم المجيدة المميزة (أي من أجل استحقاقاتهم الذاتية)؛ لذلك أراد الرب أن يسحبنا من هذه الأهواء (أفكار المجد الباطل). فوضع أمامنا فحوى هذه الدروس التي قُرأت حالاً علينا، معلمًا إيانا بهذا المثل أن قدرة السلطان الملوكي (الإلهي) تتطلب من العبيد أن يخضعوا لها كدين يلتزمون به. أنه يقول بان الرب لا يقدم شكرًا للعبد حتى وإن فعل ما وجب عليه عمله لأنه عبد.

أسألكم أن تلاحظوا هنا أن التلاميذ، نعم وكل الذين يخضعون لقضيب المسيح مخلص جميعنا يُحثون على المثابرة لكنهم لا يمارسون الخدمة كفضلٍ من جانبهم، وإنما كمن يفي دين الطاعة الذي يلتزم به العبيد. بهذا يُنزع مرض المجد الباطل اللعين.

إن كنت تفعل ما هو واجب عليك فلماذا تفتخر؟ ألا ترى أنك إن لم تفِ دينك تكون في خطر، وإن وافيته فلا تستحق شكرًا على ذلك؟ هذه الحقيقة تعلمها حسنًا العبد العجيب بولس وأدركها تمامًا، إذ يقول: "لأنه إن كنت أبشر فليس لي فخر إذ الضرورة موضوعة عليّ، فويل لي إن كنت لا أبشر" (1 كو 9: 16). مرة أخرى يقول: "إني مديون" (رو 1: 14) أن أكرز لليونانيين والبرابرة، للحكماء والجهلاء.

فإن صنعت حسنًا، وحفظت الوصايا الإلهية، وأطعت ربك، فلا تسأل كرامة الله كاستحقاق لك، بل بالحري اقترب منه واسأله عطايا جوده...

نعم! وإن كنا عبيدًا، لكنه يدعونا أبناء، ويكللنا بمجد الأبناء!

القديس كيرلس الكبير


مادمنا على قيد الحياة يلزمنا أن نعمل على الدوام.

اعترف أنك عبد ملتزم بتقديم خدمات كثيرة، ولا تتكاسل لأنك دُعيت ابنًا لله!

استسلم لعمل النعمة دون أن تتجاهل الطبيعة (أنك عبد).

لا تفتخر أن كنت عبدًا صالحًا، فهذا واجب ملتزم أنت به. فالشمس تقوم بعملها، والقمر أيضا يطيع، والملائكة تخدم، والإناء المختار الذي استخدمه الرب للأمم يقول: "ليس مستحقًا أن أُدعى رسولاً لأني اضطهدت كنيسة الله" (1 كو 15: 9). وفي موضع آخر إذ أشار أنه فعل ذلك بجهالة، أضاف: "ولكني لست بذلك مبررًا" (1 كو 4: 4).

إذًا ليتنا لا نسعى لننال مجدًا لأنفسنا؛ فلا نسبق دينونة الله، ولا نتكهن بحكم الديان إنما نترك ذلك لحينه، بكونه الديان الحقيقي.

القديس أمبروسيوس

السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 17 من إنجيل  لوقا +
+ عودة لتفسير إنجيل  لوقا +
 


16 توت 1737 ش
26 سبتمبر 2020 م

تكريس كنيسة القيامة بأورشليم على يد القديس أثناسيوس الرسولي سنة 42ش
نقل جسد القديس يوحنا فم الذهب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك