إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصلاة هى تسليم الحياة لله ليدبرها بنفسه " لتكن مشيئتك "

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 6 جـ9 PDF Print Email
- الآن أنا حاضر أحقق وعدي في حينه. "أنا هو خبز الحياة"، ليس خبزًا جسدانيًا، فهو لا يسد الإحساس بالجوع فقط، ويحرر الجسم من الهلاك الناشئ عنه، بل يعيد تشكيل كل الكائن الحي بأكمله إلى حياة أبدية. ويصير الإنسان الذي خلقه ليحيا إلى الأبد سائدًا على الموت. يشير بهذه الكلمات إلى الحياة والنعمة التي ننالهما بواسطة جسده المقدس، الذي به تنتقل خاصية الابن الوحيد هذه، أي الحياة.

- حينما دُعينا إلى ملكوت السماوات بالمسيح - لأن ذلك حسب ظني هو ما يشير إليه الدخول إلى أرض الموعد، فإن المن الرمزي لم يعد بعد يخصنا، لأننا لسنا نقتات بعد بحرف موسى، بل لنا الخبز الذي من السماء، أي المسيح، هو يقوتنا إلى حياةٍ أبديةٍ، بواسطة زاد الروح القدس، كما بشركة جسده الخاص، الذي يسكب فينا شركة الله، ويمحو الموت الذي حلّ بنا من اللعنة القديمة.

- إني اتفق معكم أن المن قد أُعطي بواسطة موسى، لكن الذين أكلوا آنذاك جاعوا. وأقر معكم أنه من جوف الصخرة خرج لكم ماء، لكن الذين شربوه قد عطشوا، وتلك العطية التي سبق الحديث عنها لم تعطهم سوى تمتعًا مؤقتًا، لكن "من يقبل إليَّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا". ما الذي يعد به المسيح إذن؟ إنه لا يعد بشيءٍ قابلٍ للفساد، بل بالأحرى بذلك السرّ - الألوجية - في شركة جسده ودمه الأقدسين، فيستعيد الإنسان بكليته عدم الفساد، ولا يحتاج أبدًا إلى أي شيء من تلك التي تدفع الموت عن الجسد، أعني الطعام والشراب. إن جسد المسيح المقدس يعطي حياة لمن يكون الجسد فيهم، فيحفظهم كلية في عدم فساد، إذ يختلط بأجسادهم، لأننا ندرك أنه ما من جسدٍ آخر سوى جسده له الحياة بالطبيعة، هذا الذي لا يعادله جسد آخر.

- إذ نقترب إلى تلك النعمة الإلهية والسماوية، ونصعد إلى شركة المسيح المقدسة، بذلك وحده نقهر خداع الشيطان. وإذ نصبح شركاء الطبيعة الإلهية (٢ بط ١: ٤) نرتفع إلى الحياة وعدم الفساد.

القديس كيرلس الكبير

- أنتم تطلبون خبزًا نازلاً من السماء، إنه أمامكم لكنكم لا تريدون أن تأكلوا. "ولكنني قلت لكم إنكم قد رأيتموني ولستم تؤمنون" (36).

القديس أغسطينوس

"ولكني قلت لكم أنكم قد رأيتموني ولستم تؤمنون". (36)

- رأوا الرب، الله بالطبيعة، حينما أطعم جمعًا غفيرًا لا يُحصى، كان قد جاء إليه، بخمسة أرغفة شعير وسمكتين صغيرتين، كان قد قسمها لهم. لكنهم رأوا ولم يؤمنوا بسبب العمى الذي أغشى فهمهم كضباب بسبب الغضب الإلهي... لأنهم متمسكون بعثرات لا حصر لها، ومقيدون بحبال تعدياتهم التي لا فكاك منها (أم ٥: ٢٢). لم يقبلوه حين جاء إليهم، وهو القادر على حل قيودهم وتحريرهم. لهذا السبب كان قلب هذا الشعب غليظًا.

القديس كيرلس الكبير

"كل ما يعطيني الآب فاليّ يقبل، ومن يقبل إليّ، لا أخرجه خارجًا". (37)

يوجه القديس يوحنا الذهبي الفم أنظارنا هنا إلى دور الله ودور الإنسان، فالإنسان لن يقدر أن يؤمن بذاته، بل بجاذبية الله له، ونعمته المجانية العاملة فيه. لكن لا يتمتع الإنسان بهذا الإيمان قسرًا، بل بكامل حريته يقبل إلى السيد الذي يحفظه ويقدسه ولا يطرده خارجًا عنه.

- إنه يشير هنا إلى شعوب الأمم الموشكين أن يؤمنوا به إيمانًا كاملاً. إني لن أُخرج من يقبل إليّ خارجًا، أي إنني لن أطرحه كإناءٍ عديم النفع... كإنسانٍ مُحتقر. ولن يبقى دون نصيب في اهتماماتي، بل سوف أجمعه في مخزني، وينزل ساكنًا في المنازل السماوية، ويرى نفسه مالكًا لكل رجاء يفوق إدراك البشر.

القديس كيرلس الكبير

- إن ما يعلنه هنا ليس إلا هذا: "الإيمان بي ليس بالأمر العادي، لا يأتي خلال براهين بشرية، بل يحتاج إلى إعلان من فوق، وإلي نفس تدبيرها حسن يجتذبها الله لكي تتقبل الإعلان.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأني قد نزلت من السماء، ليس لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني". (38)

جاء من السماء، لا ليعمل حسب الدوافع البشرية، بل حسب حكمته الإلهية غير المحدودة، حسب صلاحه ورحمته. فالأهواء اليهودية تزدري بالعشارين والخطاة، وتغلق باب السماء أمام الأمم، أما مراحم الله فتحتضنهم. جاء الابن الكلمة ليعلن عن هذه المراحم الإلهية.

- "قد نزلت من السماء"، أي صرت إنسانًا حسب مسرة الله الآب الصالحة، ورفضت أن أنخرط في أعمال غير موافقة لمشيئة الله، حتى أحقق لهم - أولئك الذين يؤمنون بي - الحياة الأبدية والقيامة من الأموات، محطمًا قوة الموت. واحتمل التحقير من اليهود والشتائم والسب والإهانات والجلدات والبصق، والأدهى من ذلك شهادة الزور، وآخر الكل الموت.

ستفهمون لماذا لم يكن المسيح مخلصنا يريد الآلام التي على الصليب، ومع ذلك أرادها لأجلنا، ولأجل مسرة الله الآب الصالحة، لأنه حين كان على وشك الخروج للآلام أيضًا، جعل حديثه إلى الله (الآب) قائلاً ما قاله في صيغة صلاة: "يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت" (مت ٢٦: ٣٩). لأنه وهو الله الكلمة، غير المائت، وغير الفاسد، والحياة ذاتها بالطبيعة، لم يقدر أن يرتعب أمام الموت. وإني أعتقد إن ذلك واضح للجميع، إذ وهو له أن يرتعد أمام الموت حين كان على مشارفه، لكن يُظهر أنه بالحقيقة إنسان... باتحاد الطبيعة البشرية بالكلمة أُعيدت إلى ما يليق بالله من إقدامٍ، واستعيدت إلى غرض شريف، أعني أن الطبيعة البشرية لم تصنع ما يبدو صالحًا لإرادتها الذاتية بل بالأحرى تتبع القصد الإلهي، مهيأة على الفور للركض إلى مهما يدعوها إليه ناموس خالقها.

أرأيتم كيف أن المسيح لم يكن يريد الموت بسبب الجسد، ولا هوان التألم، ومع هذا أراده، حتى يتمم مقاصد مسرة الآب الصالحة لأجل العالم أجمع، أي حياة وخلاص الجميع.

القديس كيرلس الكبير
 
"وهذه مشيئة الآب الذي أرسلني: أن كل ما أعطاني لا أتلف منه شيئًا،بل أقيمه في اليوم الأخير". (39)

الله يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، لكنه لا يلزمهم بالخلاص قهرًا كما لو كانوا قطعًا حجرية، بل يتعامل معهم ككائنات عاقلة لها كمال الحرية.

- ماذا تقول؟ هل إرادتك شيء، وإرادته شيء آخر؟ لئلا يشك أحد في هذا صاحب هذا بما جاء بعد ذلك. ما قاله هو هذا: "جئت لا لأفعل شيئًا إلا ما يريده الآب، فليست لي إرادة من ذاتي تختلف عن تلك التي للآب، فإن كل ما للآب هو لي، وما لي هو للآب. فإن كان ما للآب وما للابن مشترك فبحق يقول:"ليس لأعمل مشيئتي"... لأني كما قلت في موضع آخر إنه كان يحجب الأمور العالية إلى حين ويرغب في أن يبرهن أنه لو قال: "هذه هي إرادتي" لكانوا يحتقرونه. لذلك يقول: "لأنني أتعاون مع تلك الإرادة"، راغبًا أن يردعهم بالأكثر. وكأنه يقول: "ماذا تظنون؟ هل تغضبوني بعدم إيمانكم؟ لا، فإنكم تغضبون أبي "وهذه هي مشيئة الذي أرسلني أن كل ما أعطاني لا أتلف منه شيئًا" (39). هنا يظهر أنه ليس في حاجة إلى خدمتهم، فإنه لم يأتِ لنفعه الخاص، وإنما لأجل خلاصهم لا لينال كرامة منهم... فما جاء قبل ذلك وبعده هو أنه يسعي بكل غيرة أن يظهر بأنه جاء لأجل خلاصهم. وهو يقول أنه يجلب مجدًا للآب حتى لا يتشككوا فيه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"لأن هذه مشيئة الذي أرسلني: أن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية،وأنا أقيمه في اليوم الأخير". (40)

- إن خلاصنا ونجاتنا من الموت واستعادتنا إلى الحياة هي عمل الثالوث القدوس كله... من خلال الثالوث القدوس كله تأتي الصالحات لأجلنا، فيكون الله الآب هو كل شيء في الكل بالابن في الروح القدس.

القديس كيرلس الكبير

- من يمن به يأكل الخبز الحيّ.

القديس أغسطينوس

- لماذا يركز دومًا علي القيامة؟ لكي لا يحكم الناس علي عناية الله خلال الأمور الحاضرة وحدها، كمن لا يتمتعون بالثمار هنا، فيحل بهم القنوط، وإنما يلزمهم أن ينتظروا الأمور القادمة. كما لا يستخفون بالله لأنهم لا يعاقبون علي خطاياهم، بل يتطلعوا إلي الحياة الأخرى. الآن هؤلاء الناس لا يقتنون شيئًا (من شرهم)، أما نحن فيلزمنا أن نقتني بالآلام ربحًا وذلك بتذكرنا المستمر للقيامة... إنه توجد قيامة، وهي علي أبوابنا وليست بعيدة عنا ولا علي مسافة منا." لأنه بعد قليل جدًا سيأتي الآتي ولا يبطئ "(عب 10: 37).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فكان اليهود يتذمرون عليه، لأنه قال أنا هو الخبز الذي نزل من السماء". (41)

تذمر اليهود عليه لأنه في حديثه يؤكد لهم أنه أعظم من موسى بلا حدود، وأنه وحده قادر أن يهب الحياة الأبدية، وأن أصله سماوي. لقد سمعوا عن ملائكة نزلوا من السماء، لكنهم لم يسمعوا قط عن إنسانٍ أصله سماوي.

- هو نفسه "الخبز النازل من السماء"، الخبز الذي ينعش الناقصين ولا ينقص. خبز يمكن أن يُؤكل (يُستطعم) ولا يمكن أن يتبدد. هذا الخبز يشير إليه المن. فقد قيل "أعطاهم خبز السماء، أكل الإنسان خبز الملائكة" (مز ٧٧: ٢٤، ٢٥ LXX).

من هو خبز الملائكة إلاَّ المسيح؟

ولكن لكي يأكل الإنسان خبز الملائكة، صار رب الملائكة إنسانًا. فإنه لو لم يصر إنسانًا ما كان له جسده، وإن لم يكن له جسده ما كنا نأكل خبز المذبح.

لنسرع إلى الميراث، متطلعين إلى إننا قد قبلنا عربونا عظيمًا منه.

يا اخوتي ليتنا نشتاق إلى حياة المسيح، متطلعين إلى أننا أمسكنا بعربون موت المسيح.

القديس أغسطينوس

- "الذين آلههتم بطنهم، ومجدهم في خزيهم" (في 3: 19)، هكذا قال بولس عن بعض الأشخاص في رسالته إلى أهل فيلبي. الآن يظهر واضحًا أن هؤلاء اليهود هم من هذا النوع، وذلك مما حدث قبلاً، ومما قالوه عندما جاءوا إلى المسيح. فإنه عندما أعطاهم خبزا وملأ بطونهم قالوا إنه نبي، وطلبوا أن يقيموه ملكًا. ولكن عندما علمهم عن الخبز الروحي والحياة الأبدية، عندما قادهم بعيدًا عن المحسوسات وتحدث عن القيامة ورفع أذهانهم إلي العلويات، وكان يليق بهم أن يعجبوا بذلك إذا بهم يتذمروا ويبتعدوا.

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


8 توت 1737 ش
18 سبتمبر 2020 م

نياحة موسى النبي عام 1485ق م
استشهاد زكريا الكاهن
استشهاد القديس ديميدس القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك