إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إن الذين تعودوا السهر مع الله إذا ناموا تكون قلوبهم أيضاً معه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 6 جـ10 PDF Print Email
"وقالوا: أليس هذا هو يسوع ابن يوسف،الذي نحن عارفون بأبيه وأمه،فكيف يقول هذا إني نزلت من السماء؟" (42)

- كان بالأولى أن يدركوا إن المسيح المتوقع مجيئه إلينا ليس بدون الجسد أو تدبير جسماني، بل يأتي في هيئة بشرية كما سبق التنبؤ عنه، أنه يوجد في الرداء المشترك بين الجميع، لهذا يخبرنا صوت النبي أن العذراء القديسة "تحبل وتلد ابنًا" (إش ٧: ١٤)... وقد "أقسم لداود بالحق" (مز ١٣٢: ١١ LXX). فهو لا يرجع عما وعد به أن "من ثمر بطنك أجعل على كرسيك" كما هو مكتوب. وتنبأ أيضًا أنه "يخرج قضيب من جذع يسى" (إش ١١: ١)... لكن إذ يفهم اليهود تدبير الجسد الذي لمخلصنا المسيح، ومع معرفتهم لأمه وأبيه، مع أن (يوسف) لم يكن أباه فعلاً، لم يخجلوا أن يتذمرا، لأن المسيح قال إنه "نزل من السماء".

القديس كيرلس الكبير

- يقول اليهود عن المسيح "أليس هذا هو يسوع ابن يوسف؟" فقد استبان واضحًا أنهم ما كانوا قد عرفوا بعد ولادته العجيبة البديعة، لهذا دعوه ابن يوسـف. لم يقولوا هذا لأنه كان ابن يوسف، لكنهم قالوه لأنهم لم يستطيعوا أن يسمعوا عن ولادته العجيبة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- كان هؤلاء اليهود بعيدين عن الخبز الذي من السماء، ولم يعرفوا كيف يجوعوا إليه...

كانت لهم أنياب قلوبهم ضعيفة، لهم آذان مفتوحة لكنهم صم، ورأوا لكنهم وقفوا عميانًا. هذا الخبز بالحق يتطلب جوعًا للإنسان الداخلي. لهذا يقول في موضع آخر: "طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ لأنهم يشبعون" (مت 5: 6). يقول الرسول بولس أن المسيح بالنسبة لنا برّ (1 كو 1: 30). لهذا من يجوع إلى هذا الخبز يجوع إلى البرّ، ذاك البرّ النازل من السماء، البرّ الذي يعطيه اللَّه، لا الذي يفعله الإنسان لنفسه...

ما هو برّ اللَّه للإنسان، أن يكون بارًا باللَّه.

لكن مرة أخرى ماذا كان برّ هؤلاء اليهود؟ البرّ الذي صنعوه بقوتهم، وعليه اتكلوا، وبهذا أعلنوا عن أنفسهم أنهم يتممون الناموس بفضيلتهم. مع أنه لا يتمم أحد الناموس إلا الذي تعينه النعمة، أي يعينه الخبز النازل من السماء.

القديس أغسطينوس

"فأجاب يسوع وقال لهم: لا تتذمروا فيما بينكم". (43)

بالرغم من النبوات التي تؤكد أن المسيا يأتي من نسل داود، وأنه مولود من عذراء، هاجمه اليهود متطلعين إليه باستخفاف كابن لمريم ويوسف المعروفين لديهم تمامًا. أما هو ففي حنو وجَّه أنظارهم إلى أبيه السماوي الذي وحده يقدر أن يكشف لهم عن شخص الابن المتجسد الواهب القيامة.

- نظر اليهود إلى يسوع وهم يجهلون أن أباه في السماء، دون أن يعترفوا أنه بالطبيعة ابن إله الجميع، بل ناظرين فقط إلى أمه الأرضية وإلى يوسف. وإذ يجيبهم بحنوٍ بالغ سرعان ما يعمل بالالتفات إلى كرامته الإلهية لأجل نفعهم. إنه كإله يعرف تذمرهم الداخلي وما يدور بأفكارهم. من خلال هذه الأمور عينها يدفعهم إلى إدراك أنهم قد سقطوا عن الحق، وكوَّنوا عنه فكرًا بالغ الحقارة، وكان يليق بهم أن يقدموا الكرامة الإلهية، لذاك الذي يعرف القلوب تمامًا، ويختبر حركات الفكر، وهو لا يجهل ما يدور في نفوسهم من فكرٍ... يكشف لهم أن معرفته هي من عمل النعمة العلوية...

لنفعهم يؤكد لهم الوعد أنه سيقيم من الموت من يؤمن به، ومن ثم يبرهن حتى لأكثر الناس جهلاً أنه هو الله حقًا وبالطبيعة. لأن القدرة على الإقامة من الموت... تخص طبيعة الله وحده، ولا تُنسب إلى أي مخلوق.

القديس كيرلس الكبير

"لا يقدر أحد أن يقبل إليّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني، وأنا أقيمه في اليوم الأخير". (44)

كيف يجتذبه الآب؟ يجيب القديس أغسطينوس بأن الإنسان يُجتذب بما يُبتهج به.

إن قدمت عشبًا يجتذب القطيع إليه، وإن قدمت فاكهة تجتذب الطفل. هكذا يجتذب الآب الإنسان بأن يقدم له المخلص بكونه شهوته، فيجتذبه به. الإنسان الذي يدرك في نفسه أنه خاطئ ضائع وإذ يشتاق أن يهرب من الجحيم ويبلغ إلى السماء يجد في دم المسيح جاذبية له.

كأنه يقول لهم: "لماذا تتذمرون فيما بينكم؟ فإنكم لا تستطيعون أن تؤمنوا ما لم يجتذبكم الآب". إنه يجتذب النفوس ليس بمحاباة، بل من يطلب يتمتع بالإيمان، لكنه لن يجتذب أحدًا بغير إرادته.

يقول القديس أغسطينوس:

[يمكن أن يأتي إنسان إلى الكنيسة بغير إرادته، ويمكنه أن يقترب من المذبح بغير إرادته، ويشترك في الأسرار قهرًا، لكنه لا يقدر أن يؤمن ما لم يرد ذلك... الإيمان ليس شيئًا يتم بالجسد. اسمع الرسول: "بالقلب يؤمن الإنسان للبرّ". ماذا يلي ذلك... "وباللسان يعترف للخلاص" (رو 10: 10). هذا الاعتراف يصدر عن جذر القلب. أحيانًا تسمع إنسانًا يعترف ولا تعرف إن كان يؤمن أم لا...

إذن حيث أن الإنسان بالقلب يؤمن بالمسيح، الأمر الذي لا يفعله أحد بغير إرادته، ولا من يُجتذب ضد إرادته، كيف نجيب على السؤال: "لا يقدر أحد أن يأتي إليّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني" (44)؟

قد يقول قائل: "إن كان يُجتذب، فإنه يذهب بغير إرادته. وإن كان يذهب بغير إرادته فهو يؤمن... لأننا لسنا نذهب إلى المسيح بأقدامنا بل بالإيمان؛ وليس بعاطفة الجسد بل بغير إرادته...

لا تظن أنك تُجتذب بغير إرادتك. فالذهن يُسحب أيضًا بالحب.

يلزمنا أيضًا ألا نخاف لئلا نُلام بحسب هذه الكلمة الإنجيلية التي للكتاب المقدس بواسطة أولئك الذين يثقلون بالكلام وهم بعيدون عن حركة العمل، وبعيدون عن الإلهيات، لئلا يُقال لنا: كيف يمكنني أن أؤمن بإرادتي إن كنت لا أُجتذب؟" أقول: لا يكفي أن تُجتذب بالإرادة، فإنه يمكنك أن تجتذب حتى بالبهجة. "تلذذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك" (مز 37: 4). توجد لذة للقلب الذي يجد عذوبة في ذاك الخبز الذي من السماء. علاوة على هذا، إن كان بحق جاء في القطعة الشعرية: "كل إنسانٍ ينجذب بشهوته"، فإنه ليس خلال الضرورة بل باللذة، لا بالالتزام بل بالبهجة ينجذب؛ كم بالأكثر يلزمنا القول أن الإنسان ينجذب إلى المسيح عندما يتلذذ بالحق، عندما يبتهج بالتطويب، يبتهج بالبرّ وبالحياة الأبدية هذه كلها التي هي المسيح؟].

"إنه مكتوب في الأنبياء: ويكون الجميع متعلمين من الله. فكل من سمع من الآب وتعلم يقبل إلي". (45)

جاء ذلك في إرميا ٥٤: ١٣؛ وإشعياء ٣١: ٣٤. كيف يعلمنا الله؟ بأن يعلن حبه العملي لنا خلال صليب ابنه. كانوا قبلاً في رعبٍ من الله بكونه الديان، أما وقد أعلن حبه لهم بالصليب علمهم واجتذبهم إليه لكي يتمتعوا بالحياة الأبدية.

يعلق القديس كيرلس الكبير على قول السيد المسيح بأن الجميع يكونون متعلمين من الله، قائلاً: [حال كون الله آبًا، وهكذا يُدرك عنه ويُكرز به، فإنه بهذا يغرس معرفة ابنه الذاتي في سامعيه. وهكذا أيضًا يُقال عن الابن، أنه في الحقيقة منه بالطبيعة، فهو يعلن عن الآب. لهذا يقول: "أنا أظهرت اسمك للناس" (يو ١٧: ٦)... يزرع فينا الآب معرفة ابنه الذاتي، ليس بصوتٍ يشق عنان السماء من فوق، أو يلف الأرض لفًا كالرعد، بل بالاستنارة الإلهية، مشرقًا فينا لفهم الكتاب المقدس المُوحى به].

- ألا ترون كرامة الإيمان، وأنه ليس من إنسان ولا بإنسان يتعلمون هذا، بل بالله نفسه؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

- مكتوب في الأنبياء: "ويكون الجميع متعلمين من اللَّه" (45). لماذا أقول هذا يا أيها اليهود؟ الآب لا يعلمكم، فكيف يمكنكم أن تعرفوني؟ فإن كل رجال ذلك الملكوت سيتعلمون من اللَّه، ولا يتعلمون من بشرٍ. وإن كانوا يتعلمون بواسطة الناس إلا أن ما يفهمونه هو عطية داخلية لهم، يشرق في داخلهم، ويُعلن فيهم.

ما هو دور البشر الذين يعلنون عن الأخبار من الخارج؟ ما أفعل حتى الآن هو من الخارج. إنني أسكب أصوات ألفاظ الكلمات في آذانكم. ما قيمة ما أقوله أو ما أتكلم به إن لم يُعلن لكم عنه في الداخل؟

من الخارج يوجد من يزرع الشجرة، في الداخل خالق الشجرة. الذي يغرس والذي يروي يعملان في الخارج؛ هذا ما نفعله نحن، لكن "ليس الغارس شيئًا، ولا الساقي، بل اللَّه الذي ينمي" (1 كو 3: 7). بمعنى هؤلاء كلهم يتعلمون من اللَّه. من هم هؤلاء كلهم؟ "كل من سمع من الآب وتعلم يقبل إليّ" (45). انظروا كيف يجتذب الآب، إنه يبهج بتعليمه لا باستخدام الإلزام. انظروا كيف يجتذب: "يكون الجميع متعلمين من اللَّه" (45). هذا هو جذب الآب.

- إننا نعرف كيف يعلم اللَّه أولئك الذين هم ودعاء اللَّه. فإن الذين يسمعون من الآب ويتعلمون يأتون إلى ذاك الذي يبرر الفجار (يو 45:6؛ رو 5:4). لكي يحفظوا برّ اللَّه ليس فقط في ذاكرتهم، بل في تنفيذهم للبرّ. هكذا من يفتخر، يفتخر لا في نفسه، بل في الرب (1 كو 13:1)، ويفيض حمدًا.

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 التالى
+ إقرأ إصحاح 6 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


15 بابه 1737 ش
26 أكتوبر 2020 م

استشهاد القديس بندلائيمون الطبيب من نيقوميديا سنة 405م

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك