إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 8 جـ5 PDF Print Email
"فقالوا له:أين هو أبوك؟أجاب يسوع:لستم تعرفونني أنا ولا أبي، لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا". (19)

اتهمهم السيد المسيح بجهلهم لمعرفة الله. حقًا لقد عُرف الله في اليهودية (مز ٦٧: ١)، لهم بعض المعرفة لله كخالقٍ للعالم، لكن أعينهم أظلمت، فلم تستطع أن ترى نور مجده المشرق في وجه يسوع المسيح. أما علة جهلهم للآب فهو جهلهم لشخص المسيح الذي يعلن عن معرفة الآب.

- العبارة: "تعرفونني وتعرفون من أين أنا" (يو ٧: ٢٨) خاصة بشخصه كإنسانٍ، أما العبارة "لستم تعرفونني أنا ولا أبي" (١٩) فخاصة بلاهوته... فمن الواضح أن كلمات القوم الذين من أهل أورشليم: "هذا نعلم من أين هو" (يو ٧: ٢٧) تشير إلى حقيقة أنه وُلد في بيت لحم (مت ٢: ١). وقد عرفوا أنه ذاك الذي أمه تُدعى مريم وأن اخوته (أبناء خالته) هم يعقوب ويوحنا وسمعان ويهوذا (مت ١٣: ٥٥). لهذا شهد للقائلين: "هذا نعلم من أين هو" قائلاً: "تعرفونني وتعرفون من أين أنا". لكنه حينما تحدث مع الفريسيين قال: "وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق، لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب" (١٤)، إذ كان يتحدث عن طبيعته الإلهية، كشخص يتحدث عن الأساس الذي به هو بكر الخليقة (كو ١: ١٥).

العلامة أوريجينوس

ظن بعض الهراطقة أن في قول السيد المسيح "ولا أبي" للفريسيين إشارة إلى أن أباه غير الله الخالق الذي يعرفه الفريسيون خلال قراءتهم للعهد القديم. لكن عدم معرفة الفريسيين هنا تنبع عن شرهم. لا يعرف الأشرار الله حتى إن آمنوا به كخالقٍ، وتحدثوا عنه بكونه الله دون الالتصاق به والسلوك حسب مسرته.

- إن كان أحد ما قادرًا أن يقدم حسابًا كاملاً عن الأمور الخاصة بالله، وقد تعلَّم من آبائه أنه وحده ينبغي له السجود، فإنه ما لم يسلك باستقامة يقول الكتاب عنه أنه لا يحمل معرفة الله.

إن كان أحد بالحقيقة يعرف الأمور الخاصة بالخالق وخدمته الكهنوتية فمن الواضح أن أبناء عالي الكاهن كان لهم هذا، إذ أنهم كانوا يقيمون في موضع العبادة. مع هذا إذ أخطأوا كُتب عنهم في سفر ملوك الأول: "وكان بنو عالي بني الهلاك، لم يعرفوا الرب" (راجع ١ صم ٢: ١٢)...

يمكننا أن نجد نفس الشيء ليس فقط بخصوص أبناء عالي بل وبخصوص حكام أشرار في إسرائيل ويهوذا. هكذا أيضًا لم يعرف الفريسيون الآب، إذ لم يعيشوا حسب إرادة الخالق.

العلامة أوريجينوس

- إذ تحدث الرب عن اللَّه أبيه أجابوه وقالوا له: "أين هو أبوك؟" لقد فهموا أب المسيح جسديًا، لأنهم يدينون كلمات المسيح حسب الجسد. لكن الذي تحدث كان الظاهر هو الجسد، وأما الخفي فهو الكلمة؛ الإنسان المنظور واللَّه الخفي... لقد احتقروه لأنهم لم يعرفوه، ولم يعرفوه لأنهم لم يروه، ولم يروه لأنهم عميان، وهم عميان لأنهم لم يؤمنوا.

- نحن نراك وحدك، ولا نرى أباك معك، فكيف تقول أنك لست وحدك بل أنت مع أبيك؟ إلا فلترنا أن أباك معك.

القديس أغسطينوس

"هذا الكلام قاله يسوع في الخزانة وهو يعلم في الهيكل، ولم يمسكه أحد، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد". (20)

الخزانة: يخبرنا الإنجيلي يوحنا عن الموضع الذي استخدمه السيد ليقدم فيه تعليمه، وهو "الخزانة". غالبًا لا يقصد به الموضع الذي توضع فيه كنوز الهيكل الثمينة، وإنما تشير إلى جزء من المناطق التي يقدم إليها الشعب ليقدموا عطاياهم للهيكل. وهو يمثل جزءً خاصًا بدار النساء حيث يوجد فيه ١٣ صندوقًا للعطاء على شكل أبواق. يُنقش على كل صندوق مجال استخدامه حتى يقدم الشخص عطاءه حسبما يريد أن يوجهه. أما دعوة الموضع "دار النساء" فلا يعني أنه خاص بالنساء ولا يدخله الرجال، وإنما يعني أنه يسمح للنساء بالدخول فيه، ولا يسمح لهن بالدخول في مواضع أخرى. وذلك كما يسمح للأمم الدخول إلى "دار الأمم" لكن هذا لا يعني عدم دخول اليهود فيه.

كان هذا الموضع محببًا للشعب حيث كانت توقد فيه المنارات الأربع في عيد المظال السابق الإشارة أيها. وكان هذا الموضع يُدعى جازت Gazith، في مواجهة المكان المخصص لانعقاد مجمع السنهدرين. لهذا قال السيد المسيح أثناء محاكمته: "أنا علَّمت في كل حين في المجمع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود دائمًا، وفي الخفاء لم أتكلم بشيء" (يو ١٨: ٢٠).

وكان السيد المسيح يعلن مجاهرة أمام الشعب وفي حضرة السنهدرين أنهم لا يعرفون الآب لأنهم لم يعرفوه هو (١٩). ومع هذا لم يستطيعوا القبض عليه.

كانت ألسنتهم بلا ضابط تنطق بالتجديف ضده، أما أياديهم فكانت مربوطة، لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد. لقد قيدهم بقوته الإلهية حتى تحين ساعة صلبه.

- يقول عن السيد المسيح: "لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد"، ومعنى ذلك أنه لم يكن قد حان بعد وقت ملائم يشاء أن يُصلب فيه، فمن هذه الجهة كان صلبه ليس بقوة أولئك، وإنما كان بتدبيره هو، لأنهم أرادوا ذلك من قبل ولم يقدروا، ولا اقتدروا بعد ذلك لو لم يرد هو ذلك.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- هذه تُظهر أنه إن كانت كل المساهمة في مساندة المحتاجين في خزانة الهيكل لأجل الصالح العام، فإن يسوع فوق الكل قدم ما هو نافع. قدم هذه الكلمات الخاصة بالحياة الأبدية (يو ٦: ٦٨)، وتعليمه عن الله (الآب)، وعن نفسه. قوله: "أنا نور العالم" (١٢).

كان في الخزانة أكثر قيمة من أية عملة. وهكذا قوله: "لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا" (١٩)، وكل بقية التعاليم في ذلك الموضع.

كل الذهب الذي قدمه الآخرون إلى الخزانة يشبه حبة رمل إن قورن بكلمات يسوع؛ وتُحسب الفضة طينًا في حضرتها (راجع حك ٧: ٩) فإن كل كلمة نطق بها هي حكمة...

- لم ينطق يسوع بكل الكلمات التي لديه حين كان يعلم في الخزانة، وإنما قدر ما يمكن للخزانة أن تتقبل. فإنني لست أظن أن العالم نفسه يمكن أن يحوي كل كلمة الله (يو ٢١: ٢٥).

- مع أنه نطق هكذا بكلمات كثيرة في الخزانة، وعلَّم في الهيكل لم يمسكه أحد، لأن كلماته كانت أقوى من الذين يرغبون في القبض عليه. مادام يتكلم لا يقبض عليه أحد ممن يخططون ضده، لكنه إذ يصمت يمسكون به. هذا هو السبب الذي لأجله كان صامتًا عندما فحصه بيلاطس وحين ضُرب (يو ١٩: ٩)، إذ أراد أن يتألم لحساب العالم. فإنه لو تكلم لما صُلب عن ضعف (٢ كو ١٣: ٤) لأنه لا يوجد ضعف في الكلمة المتكلم.

العلامة أوريجينوس

3. هلاك غير المؤمنين

"قال لهم يسوع أيضًا:أنا امضي وستطلبونني، وتموتون في خطيتكم، حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا". (21)

يقدم السيد المسيح تحذيرًا لغير المؤمنين، بأن جحودهم يدفعهم إلى الهلاك الأبدي. وكما يقدم السيد كلمات النعمة المشجعة لصغار النفوس، يقدم تحذيرات مرعبة للجاحدين قبل فوات الأوان. وكما قال: "يشبهون أولادًا جالسين في السوق ينادون بعضهم بعضًا ويقولون: زمرنا لكم فلم ترقصوا، نحنا لكم فلم تبكوا" (لو ٧: ٣٢). هكذا كثيرًا ما يفتح الرب باب الرجاء بالكلمات الطيبة اللطيفة، كما يستخدم التحذيرات الشديدة ليحفظهم من السقوط أو يقوموا مما سقطوا فيه.

"أنا أمضي": لقد طلبوا منه أن يمضي عنهم، فإنهم لا يطلبونه، ولا يريدون أن يسمعوا كلماته. وها هو يخبرهم أنه سيمضي، وبمضيه عنهم لا يجدون الحياة بل يموتون في خطيتهم. حين يحل بهم الضيق يطلبون عون المسيا المرفوض منهم والذي صلبوه فلا يجدونه حسب هواهم. يرفضونه ليطلبوا مسحاء كذبة لا يقدمون الحياة بل الغضب الإلهي.

يطلبونه لكن فكرهم المادي الحرفي يحصرهم في حدود الأرض، فيبحثون عنه ولا يجدونه إذ هو صاعد إلى السماء. يطلبونه وهم محبوسون في قبر مجدهم الزمني ومصالحهم المادية فلا يجدونه هناك، لأنه هو نور الحياة. يموتون في خطاياهم إذ لا يروا غافر الخطية ومخلص النفوس من الفساد. هكذا يفضح الطبيب السماوي المرض أمام المرضى لعلهم يقبلون الالتقاء معه ويتمتعون بالشفاء.

"خطيتكم" جاء في اليونانية بالمفرد لا الجمع، إذ يركز على خطية الجحود ورفض السيد المسيح. هذا ويلاحظ أن الإنجيلي يوحنا وقد ركز أنظارنا على السيد المسيح كمخلص العالم كرر أكثر من غيره من الإنجيليين فعل "يموت" واسم "خطية". فذكر فعل "يموت" ٢٨ مرة بينما ورد في متى ٥ مرات، ومرقس ٩ مرات، ولوقا ١٠ مرات، ولم ترد بهذه الكثرة في أي سفر في العهد الجديد، إنما جاء في الرسالة إلى رومية ٢٣ مرة. أما كلمة "خطية" فوردت ١٧ مرة في هذا الإنجيل بينما وردت ٧ مرات في متى، ٦ مرات في مرقس، و١١ مرة في لوقا. ومع هذا فإن الإنجيلي يوحنا لم يهدف إلى تركيز أنظارنا على الخطية وما تثمره من موت، وإنما مع خطورة الخطية القاتلة يركز على ساحق الخطية بصليبه لكي نعيش بروح النصرة والغلبة، ونمارس الحياة الجديدة عوض الموت الروحي.

لقد سبق فقال هذا أيضًا في اليوم السابق (يو ٧: ٣٤).

- إنني أسأل إن كان يقول: "أنا أمضي وستطلبونني، وتموتون في خطيتكم" ليس لكل الحاضرين، وإنما للذين قد عرف أنهم لا يؤمنون به، ولذلك يموتون في خطيتهم، ويصيروا عاجزين عن أن يتبعوه. إنهم عاجزون لأنهم لا يريدون، فإنهم عاجزون، ولكنهم يريدون ما كان يليق بالقول: "تموتون في خطيتكم".

- يجيب أحد: إن كان قد نطق بهذه الكلمات إلى أناسٍ مصممين على عدم الإيمان فلماذا يقول لهم "ستطلبونني"؟ حسنًا، توجد طرق كثيرة لطلب يسوع، بكونه الكلمة والحق والحكمة. لكن... "الطلب" أيضًا يستخدم أحيانًا عن الذين يخططون ضده كما جاء في العبارة: "طلبوا أن يمسكوه، ولم يلقِ أحد يدًا عليه لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد (يو ٧: ٣٠). وأيضًا في العبارة: "أنا عالم أنكم ذرية إبراهيم لكنكم تطلبون أن تقتلوني، لأن كلمتي لا موضع لها فيكم" ( راجع يو ٨: ٣٧). وفي العبارة: "ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم الحق الذي سمعه من الآب" (راجع ٨: ٤٠) لهذا فإن العبارة "ستطلبونني..." (٢١) مقدمة للذين يطلبون بطريقة خاطئة وليس نقضًا للقول: "من يطلب يجد" (مت ٧: ٨). يوجد دائمًا اختلافات فيما بين الذين يطلبون يسوع. ليس الكل يطلب بطريقة سليمة لأجل خلاصهم وللانتفاع به.

- "تموتون في خطاياكم" (٢١). إن أخذت بالمعنى العادي الواضح أن الخطاة سيموتون في خطاياهم، وأما الأبرار ففي برهم. لكن إن أُخذ تعبير "ستموتون" بخصوص الموت لعدو المسيح (١كو ١٥: ٢٦) حيث أن من يموت يرتكب "خطية تقود إلى الموت" (١ يو ٥: ١٦)، فمن الواضح أن الذين وُجهت إليهم هذه الكلمات لم يكونوا قد ماتوا بعد. ربما تسأل كيف أن الذين لم يؤمنوا وهم أحياء سيموتون في وقتٍ ما. يجيب أحدهم ويقول إنهم إلى ذلك الحين لم يؤمنوا، ولم يخطئوا للموت، والذين لم تأتِ بعد إليهم الكلمة لم يرتكبوا خطية الموت. إنهم أحياء يعانون من المرض في نفوسهم، وهذا المرض ليس للموت (يو ١١: ٤)...

- لنهتم ألا يصيبنا "مرض للموت"، فمرضنا يمكن أن يُشفى (بالتوبة)، وهو متميز عن المرض الذي لا يُمكن شفائه (بالإصرار على عدم التوبة).

- لنقارن عبارة حزقيال: "النفس التي تخطئ تموت" (حز ١٨: ٢٠) بالقول: "ستموتون في خطاياكم"، لأن الخطية هي موت النفس. لست أظن أن هذا صحيح لكل خطية بل للخطية التي يقول عنها يوحنا أنها للموت (١ يو ٥: ١٦).

- لنميز أيضًا بين خطية هي موت للنفس، وأخرى هي مرض لها. وربما يوجد نوع ثالث للخطية هي فقدان للنفس، هذه التي تشير إليها الكلمات: "ماذا ينتفع الإنسان إن ربح العالم كله وخسر نفسه؟" (مت ١٦: ٢٦؛ لو ٩: ٢٥). وأيضًا الكلمات: "إن احترق عمل أحد فإنه يعاني من الفقدان" (راجع ١ كو ٣: ١٥).

العلامة أوريجينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 التالى
+ إقرأ إصحاح 8 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


19 توت 1737 ش
29 سبتمبر 2020 م

اليوم الثالث من أيام عيد الصليب المجيد
تذكار إصعاد القديس غريغوريوس البطريرك الأرمني من الجب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك