إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

صدقوني إن جواز السفر الوحيد الذي تدخلون به لملكوت الله هو هذه الشهادة الإلهية : أنت ابني

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 8 جـ14 PDF Print Email
6. اتهامه بالتجديف

"فأجاب اليهود وقالوا له: ألسنا نقول حسنًا، أنك سامري وبك شيطان؟" (48)

إذ كشف لهم السيد المسيح عن شرهم، وأفحمهم في ادعائهم أنهم أبناء إبراهيم هاجموه بالاتهام أنه مجدّف ضد الشعب كما ضد الله. اتهموه أنه سامري أي عدو لليهود، وأن به شيطان كعدو لله.

لم يكن يوجد لقب يعبر عن عداوة شخص لأمة اليهود كلها مثل "سامري". سبق أن دعوه جليليًا، ليعنوا بذلك إنه إنسان خسيس، أما دعوته سامريًا فيعني أنه مستحق للمحاكمة، لأنه عدو الأمة اليهودية. حسبوه خائنًا للوطن وللشعب، لأنه هكذا كان السامريون يدعون أن اليهود ليسوا أبناء إبراهيم ليشوهوا صورتهم ويفقدوهم حق دعوتهم "شعب الله"، وإلى قرون طويلة كان اليهود يدعون المسيحيين سامريين إشارة إلى العداوة من نحوهم. أما الاتهام الثاني فهو "بك شيطان": يرون تحالفًا بينه وبين الشيطان. فمن جهة تعليمه حسبوه سامريًا كمن هو منشق عنهم ومبتدع ومقاوم للناموس، وبه شيطان يصنع معجزات.

في إصرارٍ عجيب يؤكدون أنهم أصحاب علم ومعرفة، وأنهم خلال هذه المعرفة تأكدوا أن به شيطان. كيف؟ لقد تحدث الله مع إبراهيم والأنبياء، وسمع هؤلاء كلام الله وتحاوروا معه وسلكوا فيه ومع هذا ماتوا، فهل يكون كلام يسوع المسيح أعظم من كلام الله؟ هكذا كان منطقهم، وهكذا كانت ثمرة معرفتهم.

هنا يكشف رؤساء اليهود عن جهلهم، إذ لم يميزوا بين قول السيد "يرى الموت" وبين تعبير "يذوق الموت". فالسيد المسيح نفسه ذاق نعمة الله لأجل كل واحدٍ (عب ٢: ٩)، أما تعبير "يرى الموت" فيحمل معنى السقوط الدائم تحت سلطان الموت، والخوف منه، يتأمله الإنسان فيرتعب منه.

- يبدو أن البعض كانوا يرددون تعليقاتهم على المخلص فيما بينهم سريًا، ويدعونه "سامريًا"، وذلك مثل السامريين الذين يخطِّئون التقاليد اليهودية. لأن اليهود لا يعاملون السامريين (يو ٤: ٩)، إذ لا يتفقون معهم في تعاليم كثيرة.

- لكن يليق أن تسأل إذ ينكر السامريون الحياة العتيدة ولا يقبلون الوجود الدائم للنفس، كيف يتجاسرون ويدعون المخلص سامريًا، وقد علَّم بأمور كثيرة خاصة بالقيامة والدينونة؟ ربما قالوا هذا ليوبخوه، وليس لأنه يعلم بذات تعاليم السامريين... أو أنه قد تظاهر فأبدى ملاحظاته عن القيامة والحياة الأبدية لمجرد أنها تتفق مع التعاليم العامة المقبولة لكي يقبل رضي اليهود.

- وقالوا أن به شيطان بسبب تعاليمه التي تتعدى الحدود البشرية، كقوله أن الله أبوه (يو ٥: ١٨)، وأنه نزل من السماء (يو ٦: ٣٨)، وأنه هو نفسه خبز الحياة الأعظم من المن، من يأكله يحيا إلى الأبد (يو ٦: ٣٢-٣٥)، وعشرات الألوف من هذه الأمور التي امتلأت بها الأناجيل.

- يمكن أن يكونوا قد قالوًا: "بك شيطان" (٤٨)... حيث ظن بعضهم أنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين (لو ١١: ١٥).

العلامة أوريجينوس

"أجاب يسوع: أنا ليس بي شيطان، لكني أكرم أبي، وأنتم تهينونني". (49)

يقول العلامة أوريجينوس أن السيد المسيح لم يرد على اتهامه بأنه سامري، وإنما ردَّ على الاتهام بأنه شيطان، لأن السيد نفسه قدم مثلاً عن السامري الصالح (لو ١٠: ٣٠-٢٤) الذي أظهر حنوًا على الساقط جريحًا على الطريق.

إن كان بولس صار كل شيء لكل بشرٍ كي يربح الكثيرين (١ كو ٩: ٢٢) فبالأولى المخلص الذي يطلب خلاص الكل، فهو لا يستنكف من أن يكون سامريًا ليربح السامريين. هذا وأن كلمة سامري معناها "حارس"، وهو حارس كل النفوس. [فهو بحق حارس أولئك الذين قيل عنهم: "إن لم يحرس الرب المدينة، فباطلاً يتعب الحراس" (مز 127 :2). [لقد عرف أنه كان حارسًا لكل النفوس البشرية، فقد قيل عنه: الذي يحرس إسرائيل لا ينعس ولا ينام، (مز ١٢٠: ٤)، والرب هو حافظ الصغار (مز ١١٤: ٦)].كما يقول: [على أي الأحوال يدعى العبرانيون الحراس Somer، وهكذا أيضًا جاء في تقليدهم أن السامريين تسلموا أولاً هذا الاسم، لأن ملك الآشوريين أرسلهم كحراس لأرض إسرائيل بعد السبي].

- لقد رفض اتهامًا دون الآخر، إذ أجاب وقال: "ليس بي شيطان". ولم يقل "أنا لست سامريًا"، ولم يرُد اللعنة باللعنة، ولا القذف بقذفٍ، لكنه كان يليق به أن يجحد اتهامًا ويترك الآخر. لم يفعل هذا بلا هدف يا اخوة. لأن "سامريًا" تعني "حافظًا". إنه يعلم أنه حافظنا. "لأن حافظ إسرائيل لا ينعس ولا ينام" (مز ١٢١: ٤). و"إن لم يحرس الرب المدينة باطلاً يتعب الحراس" (مز ١٢٧: ١). إنه إذن حافظنا، ذاك الذي هو خالقنا... لهذا أجاب أنه ليس به شيطان، ولم يقل أنه ليس سامريًا.

القديس أغسطينوس

- أنصتوا إلى ما أجابه الرب بعدما شُتم. " ليس بي شيطان، لكني أكرم أبي "... لم يرد الرب أن يجيب: "أنا الست سامريًا"، بل قال: "ليس بي شيطان". وُجه ضده اتهامان: جحد اتهام واظهر قبوله للثاني بصمته. إنه قد صار حارسًا على الجنس البشرى. فلو أنه قال انه ليس بسامري يجحد أنه الحارس. كان صامتًا بخصوص ما يعلم أنه حقيقي، وبطول أناة رفض ما قيل عنه باطلاً. انظروا كيف أنه عندما شُتم الرب لم يكن غاضبًا، ولا كانت ردود فعله كلمات أثيمة. لو لم يكن بهم شيطان لما استطاعوا أن ينطقوا بمثل هذه الأشياء الشائنة ضد الله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يحدثنا القديس أغسطينوس عن دور الشيطان في حياة الناس، قائلاً:

- إنها وجهة نظر سائدة في الكتاب المقدس أن الخطاة يمارسون أشياء كثيرة مضادة للعقل لا لسبب إلاَّ لأنهم صاروا يتقبلون أنشطة روح شرير أو يتقبلون إرادة شيطانٍ دنسٍ.

- كما أنه ليس بار على الأرض يصنع خيرًا ولا يخطئ (جا ٧: ٢٠)، هكذا لا يوجد أحد في حرية دائمة من الشياطين ولا يسقط قط ضحية لتأثيرهم.

- أليس ذلك برهانًا أننا خاضعون للشيطان عندما نصرخ ملتهبين غضبًا وسخطًا في حالة من الجنون، أو نكون مسعورين وكمن يصهل، فنمارس العلاقة حتى مع زوجاتنا بشهوات كالفرس الجامحة (إر ٥: ٨)، ونلقي خلفنا كلمات الله عن التحرر من الهوى؟

علاوة على هذا إن كنا في كآبة وعبوسة وإحباط بسبب الغضب وفقدان السمو اللائق بالكائنات العاقلة، وننسى أنه لا يسقط عصفور في فخٍ بدون إذن الله، وأن الأحكام في كل ما يحدث للبشر هي عادلة، بماذا نفسر هذه ما لم نقل أننا نعاني من هذه الأمور لأن شيطانًا قد غلبنا وأفسد العنصر التي يتحكم فينا؟

أيضًا بماذا نفسر الخوف من أمور غير مخيفة، ونمارس فرحًا مبالغًا فيه من أجل أمورٍ لا تستحق إلاَّ أن ننسب هذه لأنشطة الشياطين التي ملأت أولئك الذين لا يستطيعون أن يقولوا بحق: "ليس بي شيطان"؟

- واضح أن كل الكتب المقدسة صحيحة، وأنه حتى الذين تغيروا إلى الحياة الفاضلة غير قادرين أن يقولوا على الدوام في البداية: "ليس بي شيطان". هذه العبارة خاصة بالمخلص وحده منذ البداية. هذا هو السبب أنه وحده كرَّم الآب بطريقة لائقة جدًا وسليمة.

العلامة أوريجينوس

- "لكني أكرم أبي، وأنتم تهينونني" (٤٩). هذا معناه إنني لست أكرم نفسي حتى لا تظنوا إني متعجرف. إنني أكرم واحدًا، ولو عرفتموني لكنتم تكرمونني كما أكرم أنا الآب. إني أفعل ما يليق، وأما أنتم فلستم تفعلون.

القديس أغسطينوس

- أب كامل ولد ابنًا كاملاً، وسلم كل شيء للمولود، إذ قال: "كل شيء قد دفع لي من أبي" (مت 27:11)، وتمجد بواسطة الابن الوحيد إذ يقول الابن: "أكرم أبي"، وأيضًا: "كما إني أنا قد حفظت وصايا أبي وأثبت في محبته (يو 10:15)".

القديس كيرلس الأورشليمي

- "إني أمجد أبي"، إذ ليس له أب آخر غير الله في السماء.

- نحن أيضًا نحقق هذه العبارة عندما ندرك غسل الميلاد الجديد (تي ٣: ٥)، وإذ بغسله نصير أبناء الله لا ندعو أحدًا على الأرض أبًا (مت ٢٣: ٩)، إذ صرنا أبناء الآب الذي في السماوات واخوة لذاك القائل: "أصعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي إلهكم" (يو ٢٠: ١٧).

من الواضح إذن انه إذ قال يسوع بشرعية كاملة ودقة: "ليس بي شيطان، لكني أكرم أبي" [٤٩] فإن كل من يقتدي به يكون قادرًا، ويستطيع كل شيء في المسيح يسوع الذي يقويه (في ٤: ١٣)، سيقول هو نفسه: "ليس بي شيطان، لكني أكرم أبي". لكن من يقدر أن يقول "ليس بي شيطان" متى كان بين الموتى ساكنًا في القبور؟

أو من يقدر أن يقول: "لكني أكرم أبي" (٤٩) كتلميذ ليسوع بينما هو يكرم شيئًا آخر غير الله وكلمته والوصايا التي يأمر بها الكلمة، مكرمًا آخر مع أنه كان يلزم أن يقدم الكرامة لمن يستحقها (رو ١٣: ١٧).

عبارة: "أنتم تهينونني" لا تخص الذين كانوا في ذلك الوقت وحدهم، لكنها تنطبق أيضًا دومًا على الذين يهينونه بأعمالهم المضادة لكلمة الله المستقيمة. يهينون المسيح الذي هو العدل بممارستهم للظلم، ويهينون قوة الله التي هي المخلص (١ كو ١: ٢٤)... بتصرفاتهم الضعيفة والهزيلة.

- يُقال "أنتم تهينونني" لمن يحتقر الحكمة، لأن المسيح هو أيضًا الحكمة (١ كو ١: ٢٤).

- من يفعل الشر يهين المسيح بإهانته للنور.

- الله الذي أعطانا ابنه يطلب مجد المسيح في كل من يتقبله. إنه يجد المجد في الذين يسهرون على أنفسهم وينتهزون الفرص لممارسة الفضيلة المزروعة فيهم. لكنه لا يجد المجد فيمن لا يفعلون هكذا. فإذ لا يجد المجد سيدين من ليس فيهم مجد ابنه، ويقول لهم: "بسببكم يجدف على اسمي دومًا بين الأمم".

العلامة أوريجينوس

"أنا لست أطلب مجدي،يوجد من يطلب ويدين". (50)

- "أنا لست أطلب مجدي"، لهذا أغفل عن عقابكم، إنما أضع على عاتقي أن أحثكم على العمل وأشير عليكم بذلك، حتى ليس فقط تهربوا من العقوبة، وإنما تنالون أيضًا الحياة الأبدية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- كيف يقول في موضع آخر: "لأن الآب لا يدين أحدًا بل قد أعطى كل الدينونة للابن" (يو ٥: ٢٢)، بينما يقول هنا "أنا لست أطلب مجدي، يوجد من يطلب ويدين" (٥٠)؟... هذه المشكلة يمكن حلها من خلال الكلمة ذاتها. توجد دينونة للعقوبة وجدت في الإنجيل: "من لا يؤمن يدن" (يو ٣: ١٨). وفي موضع آخر: "تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين فعلوا السيئات إلى قيامة الدينونة" (يو ٥: ٢٨-٢٩). ها أنتم ترونه كيف يضع حكمًا للدينونة والعقوبة. مع هذا إن كان الحكم دائمًا يفهم للدينونة فإننا نسمع: "احكم لي يا الله". في الموضع الأول يستخدم الحكم بمعنى إنزال عقوبة مؤلمة، هنا يستخدمه بمعنى التمييز... لذلك يقول: "احكم لي يا الله" ثم يضيف: "وخاصم مخاصمتي من أمة غير مقدسة" (مز ٤٢: ١). بنفس الطريقة يقول الرب يسوع: "لست أطلب مجدي، يوجد من يطلب ويدين". كيف "يوجد من يطلب ويدين"؟ يوجد الآب الذي يميز بين مجدي ومجدكم. لأنكم تتمجدون بروح هذا العالم. أما أنا فلست كذلك... ماذا يميز الآب؟ مجد ابنه من مجد الناس المجردين. هنا قيل: "مسحك الله إلهك بزيت البهجة أكثر من رفقائك" (مز ٤٥: ٧). ليس لأنه صار إنسانًا يقارن بنا. نحن كبشرٍ خطاة، وأما هو فبلا خطية. نحن كبشرٍ نرث من آدم الموت والإثم، أما هو فقبل من البتول الجسد المائت لكن بدون إثم.

القديس أغسطينوس

ربما يتساءل البعض: كيف يقول السيد المسيح: "يوجد من يطلب ويدين"، بينما يقول في موضع آخر: "لأن الآب لا يدين أحدًا بل قد أعطى كل الدينونة للابن" (يو ٥: ٢٢)؟ يجيب العلامة أوريجينوس: [تأملوا العبارة التالية التي تحمل إجابة على هذه الاعتراض: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا، كما أسمع أدين ودينونتي عادلة، لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يو ٥: ٣). فإن كان مخلصنا يدين كما يسمع من الآب ولا يطلب مشيئته هو بل مشيئة الآب الذي أرسله... فإن الدينونة ليست من قبل من يسمع بل الذي يتكلم لمن يسمع].


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 التالى
+ إقرأ إصحاح 8 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


13 توت 1737 ش
23 سبتمبر 2020 م

تذكار الأعجوبة التي صنعها القديس باسيليوس الكبير أسقف قيصرية
نياحة البابا متاؤس الثاني "90"

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك