إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

بدلاً من أن تجرح الناس حاول أن تكسبهم

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 9 جـ2 PDF Print Email
"فسأله تلاميذه قائلين: يا معلم، من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى؟" [2]

خرج السيد المسيح من الهيكل (يو ٨: ٥٩)، وكان في رفقته تلاميذه الذين لم يتركوه في تجاربه، فتمتعوا بالتعرف عليه، ونالوا خبرات جديدة فائقة. لاحظوا أن عينيه تتطلعان إلى الأعمى المسكين، ولم تكن نظرات عادية، بل نظرات عمل مملوءة حبًا. فتحولت نظراتهم هم أيضًا إلى المولود الأعمى، وعوض السؤال من أجله لشفائه قدموا استفسارًا عن علة ميلاده أعمى.

- إن قلت: من أين جاءوا بهذا السؤال؟ أجبتك: لما شفي السيد المسيح المفلوج قبلاً قال له: "ها أنت قد برئتk فلا تخطئ أيضًا لئلا يكون لك أشر" (يو 5: 14). فهؤلاء إذ خطر ببالهم أن ذاك قد أصاب الفالج جسده لأجل خطاياه، إلا أن هذا القول لا ينبغي أن يُقال عن هذا الأعمى، لأن من مولده هو أعمى. فهل أخطأ والداه؟ ولا هذا القول يجوز أن يُقال، لأن الطفل لا يتكبد العقوبة من أجل أبويه... لقد تحدث التلاميذ هنا لا ليسألوا عن معلومات قدر ما كانوا في حيرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

كان القول الرباني (المنسوب للربيين) المشهور: "ليس موت بدون خطية، ولا ألم بدون شر". وقد حاول الربيون تبرير ذلك بما ورد في حز ١٨: ٢٠؛ مز ٨٩: ٣٢. وقد ثبت هذا القول في أذهان اليهود، من بينهم تلاميذ السيد المسيح الذين لم يسألوا إن كان هذا العمي بسبب الخطية أم لا، ففي نظرهم هذا أمر لا يحتاج إلى سؤال أو مناقشة، إنما جاء السؤال عمن أخطأ حتى حلت الكارثة المرعبة بهذا الشخص. ما أربك التلاميذ أنه كيف يكون قد أخطأ قبل ولادته حتى يُولد هكذا، ألعل هذا بسبب خطية والديه؟ وما ذنبه هو مادامت الخطية ارتكبها أحد الوالدين؟

لقد اعتقد البعض أن نفس الإنسان قد تكون أخطأت قبل أن تلتحف بالجسد، كما اعتقد العلامة أوريجينوس أن البعض يعانون آلامًا قبل أن يمارسوا خطأ بعد ولادتهم. ولعل البعض اعتمد على المنطق البشري لتبرير العدالة الإلهية، كيف يُولد أناس فقراء وآخرين أغنياء، أو يولد شخص حاد الذكاء وآخر ينقصه الذكاء، أو شخص قوي البنية وآخر مصاب بأمراض كثيرة. هذا وقد اعتمد البعض على تأكيد إمكانية ارتكاب الخطأ قبل الولادة مما قيل عن يعقوب وعيسو وهما في الرحم: "وتزاحم الولدان في بطنها" (تك ٢٥: ٢٢).

وجاء في كتابات الربيين عما يحل بالأبناء بسبب أخطاء الوالدين. قال أحدهم في التزام الرجل ألا يحملق في امرأة: "من يتطلع إلى عقب امرأة سيولد له أطفال معوقين". وقال آخر أن هذا يحدث لمن يعاشر زوجته أثناء الطمث. وقال آخر أن من يمارس العلاقات الزوجية أثناء وجود دم (فترة الطمث) سيكون له أطفال يعانون من مرض الصرع. وقد وردت أقوال مشابهة كثيرة تبرز في اقتناع الربيين بأن أخطاء الوالدين يُعاقبون عليها بتشوهات خلقية في أبنائهم، يعاني منها الأبناء مدى الحياة.

هذا يوضح أن ما قاله التلاميذ لم يكن من وحي خيالهم، بل كان تعليمًا راسخًا في أذهان الكثير من اليهود خلال تعاليم الربيين وكتاباتهم.

يظن البعض أن التلاميذ سمعوا عن بعض الأفكار الفيثاغورية Pythagrean التي كانت تنادي بالوجود السابق للنفس. ولعل الفريسيون حملوا ذات الفكر عندما قالوا للمولود: "في الخطايا وُلدت أنت بجملتك" [٣٤].

تعتقد كثير من الشعوب الآسيوية في تناسخ الأرواح، ولا تزال الهندوسية تهتم أن تحدد خطية الشخص التي ارتكبها حين كان في جسم آخر قبل ميلاده. اقتبس العلامة أوريجينوس عن كتاب العبرانيين غير القانوني حديثا ليعقوب يقول فيه: "أنا ملاك الله، أحد الرتب الأولى للأرواح. يدعوني الناس يعقوب، وأما اسمي الحقيقي الذي يعطيني الله إياه فهو إسرائيل. يعتقد أفلاطون أن الهواء مملوء بالأرواح، والبعض بسبب نزعاتهم الطبيعية الحيوية يربطون أنفسهم بأجسام، والآخرون يبغضون مثل هذا الاتحاد".

"أجاب يسوع: لا هذا أخطأ ولا أبواه، لكن لتظهر أعمال الله فيه". [3]

عوض إدانة المولود أعمى أو والديه وجَّه السيد المسيح أنظار تلاميذه إلى عناية الله الفائقة وخطته الخفية، فقد سمح بالعمى لكن يهب هذا المولود أعمى البصيرة الروحية، ولكي يشهد للحق الإلهي أمام القيادات اليهودية العنيفة ويمجد الله.

لم يقل السيد المسيح أن هذا الأعمى لم يخطئ، ولا أيضًا أبواه لم يخطئا، فكل البشرية تسقط في الخطية. لكن ما يعاني منه هذا الأعمى ليس بسبب خطية معينة ارتكبها هو أو والداه. ما يليق بالتلاميذ كما بالمؤمنين أن ينشغلوا بأعمال الله وخطته نحو كل إنسان ليتمتع بالبصيرة الداخلية، ويتعرف على أسرار الله، وينال شركة المجد الأبدي.

يد الله عاملة على الدوام وسط الضيقات كما في الأفراح، تحت كل الظروف الله يريد خلاصنا. فالمؤمنون لم ينالوا وعدًا بألا تحل بهم ضيقات أو آلام كغيرهم من سائر البشر، إنما بالعكس يتعرضون لضيقات أكثر. لكن ما يعزيهم هو إدراكهم لخطة الله في كل شيء، وتمتعهم بالنعمة الإلهية التي لهم فيها كل الكفاية. هذا ما وعدنا به الله كما قيل لبولس الرسول: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (٢ كو ١٢: ٩).

لا يعرف المؤمن الشكوى وسط التجارب لأن عيناه مسمرتان على أبوة الله الحانية، وقلبه منفتح على إدراك خطة الله نحوه.

- المسيح هو المخلص، بعمل الرحمة صنع ما لم يعطه في الرحم. الآن عندما لم يعطِ ذاك الأعمى عينين لم يكن ذلك عن خطأ فيه (الخالق) بالتأكيد، وإنما للتأجيل من أجل صنع المعجزة... "لا هذه أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه"... إنه لم يعطه ما كان يمكنه أن يعطيه؛ إنه لم يعطه ما عرف أنه سيعطيه حين تكون هناك حاجة إلى ذلك.

لم يكن العمى بسبب خطية والديه ولا بسبب خطاياه هو "لكن لتظهر أعمال الله فيه"، فإننا نحن جميعًا حين وُلدنا كنا مرتبطين بالخطية الأصلية، ومع ذلك لم نُولد عميانًا. على أي الأحوال ابحث بحرص فإننا وُلدنا عميان. فمن لم يولد أعمى؟ أقصد عمى القلب. ولكن الرب يسوع الذي خلق الاثنين يشفي الاثنين.

القديس أغسطينوس

- قول السيد المسيح عن الأعمى: "لا هذا أخطأ ولا أبواه"، ليس مبرئًا لأبويه من الخطايا، لأنه لم يقل على بسيط ذات القول: "لا هذا أخطأ ولا أبواه"، لكنه أكمل: "لكن لتظهر أعمال الله فيه". لأن هذا الأعمى قد أخطأ هو ووالداه، إلا أن عماه هذا ليس بسبب هذا. لأنه لا يجوز أن يُعاقب أحد إذا أخطأ آخر، فقد أزال هذا الوهم بلسان حزقيال النبي إذ قال: "وكان إليّ كلام الرب قائلاً: ما لكم أنتم تضربون هذا المثل على أرض إسرائيل قائلين: الآباء أكلوا الحصرم، وأسنان الأبناء ضرست. حي أنا يقول السيد الرب لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في إسرائيل. ها كل النفوس هي لي، نفس الآب كنفس الابن، كلاهما لي النفس التي تخطئ هي تموت" (حز 18: 1-4). هذا وقد قال موسى النبي: "لا يُقتل الآباء عن الأبناء، ولا يُقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيته يُقتل" (تث 24: 16).

فإن قال قائل: فكيف قال الرب لموسى النبي: "لأني أنا الرب إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي" (خر 20: 5)؟ فنقول له: إن هذه القضية ليست كلية، لكنها إنما قيلت عن أناسٍ من الذين خرجوا من مصر، فالذي يقول هذا معناه: لما خرج اليهود من مصر وصاروا بعد رؤيتهم لآيات وعجائب أشر من والديهم وأجدادهم الذين لم يشاهدوا مثل هذه العجائب، سيقاسون المصائب نفسها التي قاساها أولئك إذ قد تجاسروا على هذه الأعمال نفسها.

- يقول هذا ليس كمن يشير إلى أنهم لم يخطئوا، فإن كل من هذا الإنسان ووالديه قد أخطأوا، لكن عماه ليس بسبب هذا... وإنما لكي يُعلن مجد الله فيه. يقول قائل: لماذا يعاني من أجل مجد الله؟ أي ظلم، أخبرني؟ فإنه ماذا لو أن لم يخلقه نهائيًا؟ لكنني أقول: لقد نال نفعًا بعماه، إذ نال شفاءً لبصيرته الداخلية. أي نفع لليهود بأعينهم إذ صارت دينونتهم أعظم، فإنهم رأوا وكانوا عاجزين؟ أي ضرر أصاب هذا الرجل من عجزه، فإنه بهذا انفتحت عيناه؟ لذا فشرور الحياة الحاضرة ليست شرورًا، ولا الخيرات هي صلاح. الخطيئة وحدها هي شر، أما العجز فليس شرًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

كتب القديس جيروم إلى كاستريتوس Castrutius of Pannonia يعزّيه على عماه الجسدي:

- إذ أكتب إليك الآن أسألك ألا تتطلع إلى البلوى الجسدية التي حلّت بك ظانًا أنها بسبب الخطية... أما نرى أعدادًا كبيرة من الوثنيين واليهود والهراطقة وأصحاب أفكار مختلفة يتمرغون في وحل الشهوة، ويسبحون في الدم في عنفٍ أكثر من الذئاب المفترسة وكالحدأة الخاطفة، ومع هذا لم يحل هذا الوباء إلى مساكنهم؟ إنهم لا يصابون مثل غيرهم، ويزدادون وقاحة ضد اللَّه، ويرفعون وجوههم حتى إلى السماء. ومن الجانب الآخر نحن نعرف أن القديسين يصابون بأمراضٍ وآلامٍ وأعواز... إن ظننت أن عماك سببه الخطية، وأن المرض الذي غالبًا ما يستطيع الأطباء أن يشفوه شهادة على غضب اللَّه، إذن فأنت تحسب اسحق خاطئًا، إذ أصيب بعمى كامل حتى خُدع، وهو يعطي البركة لمن لم يكن يود أن يعطيه. نتهم يعقوب بالخطية الذي اظلمّ نظره، فلم يعد يرى إفرايم ومنسّى (تك 1:48)، مع أنه بعينه الداخلية وروحه النبوية استطاع أن يرى المستقبل البعيد وأن المسيح قادم من السبط الملوكي (تك 1:49).

القديس جيروم

لا يليق بالمؤمن وقد أدرك أسرار الله الفائقة أن يدين أحدًا أو يحسب ما يحل بالآخرين عقوبة إلهية لخطايا خفية، إذ يستخف بهم حتى وإن كانت خطاياهم ظاهرة. لقد سقط اليهود في ذلك فحسبوا البار، الذي بلا خطية، أنه يتألم ويُصلب عن شر أو تجديف ارتكبه. يقول المرتل: "لأن الذي ضربته أنت هم طردوه، وبوجع الذين جرحتهم يتحدثون" (مز ٦٩: ٥٦). ويقول إشعياء النبي: "نحن حسبناه مُصابًا مضروبًا من الله ومذلولاً، وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحُبره شُفينا" (إش ٥٣: ٤ - ٥).


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 التالى
+ إقرأ إصحاح 9 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


19 توت 1737 ش
29 سبتمبر 2020 م

اليوم الثالث من أيام عيد الصليب المجيد
تذكار إصعاد القديس غريغوريوس البطريرك الأرمني من الجب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك