إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

التوبة الحقيقية هى التوبة الصادرة من القلب وهى التى تستمر

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 9 جـ5 PDF Print Email
2 - حوارات بعد الشفاء

أ. حوار بين الجيران والأعمى

الجيران وهم شهود عيان لما حدث يعرفون الأعمى تمام المعرفة. بسبب عظمة المعجزة وعدم توقعهم لحدوثها، مروا بثلاث مراحل من الشك، أوجدت ثلاث تساؤلات:

المرحلة الأولى: تشككهم في الشخص نفسه [٨] فأكد لهم الأعمى أنه هو [٩].

المرحلة الثانية: من الذي قام بها؟ وكانت الإجابة: إنسان يقال له يسوع [١١].

المرحلة الثالثة: أين هو؟ وجاءت الإجابة: "لا أعلم" [١٢].

كان الأعمى دقيقًا ومخلصًا للغاية في إجاباته على الأسئلة الثلاثة قدر معرفته في ذلك الحين.

"فالجيران والذين كانوا يرونه قبلاً أنه كان أعمى قالوا: أليس هذا هو الذي كان يجلس ويستعطي؟" [8]

دُهش جيرانه فقد وُلد ونشأ في وسطهم، واعتادوا أن يروه أعمى، وغالبًا ما كان يجلس مستعطيًا في بؤس، الآن فجأة صار بصيرًا، وصار بصره كاملاً، يسير هنا وهناك متهللاً. ذاك الذي لم يكن قادرًا على العمل بسبب عماه ونفسيته المحطمة، ولم يكن والداه قادرين على إعالته لذا كان يستعطي وهو جالس في الطريق أغلب يومه. لقد تغيرت حتى لهجته، وكلماته، فعوض كلمات الاستعطاف لكي ينال صدقة، صارت كلمات تحمل تسبيحًا وشكرًا. هذا وقد تمت معجزة شفائه علانية، ولم تكن خفية! مع هذا فقد تشكك البعض في شخصه، وتضاربت الأقوال، لأن شفاء مولود أعمى أمر يصعب قبوله، بل ومستحيل حسب الفكر البشري.

- يا لحنو الله! أينما نزل بحنوه العظيم شفى حتى الشحاذين، وهكذا أبكم اليهود، فإنه لم يأخذه في اعتباره الأشخاص المشهورين أو البارزين أو الحكام، بل الذين يبدو كمن لا يتأهلون لنوال نفس الرعاية. فقد جاء لخلاص الكل.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"آخرون قالوا: هذا هو، وآخرون إنه يشبهه، وأما هو فقال: إني أنا هو". [9]

ربما الذين قالوا: "هذا هو" هم الذين عاينوا ما حدث معه، إذ تم كل شيء علانية، أما الآخرون فلم يصدقوا قائلين: "إنه يشبهه"، لأن تفتيح عينيه أعطاه شكلاً مغايرًا تمامًا عما كان عليه. وبقوله "إني أنا هو"، يشهد أنه هو ذاك الذي كان قبلاً يستعطف حنو الناس الآن يتمتع بغنى نعمة الله الفائقة.

- لم يخزَ من عماه الأول، ولا خشي غضب الجمع، ولا استعفى من إظهار ذاته لينادي بمن أحسن إليه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فقالوا له: كيف انفتحت عيناك؟" [10]

إذ شهد الأعمى أنه هو الذي نال نعمة الشفاء تساءل الجيران عن كيفية شفائه، لكي يتعرفوا على صانع المعجزة، ويبحثوا عنه. وكما يقول المرتل: "عظيمة هي أعمال الرب، مطلوبة لكل المسرورين بها" (مز ١١١: ٢).

"أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له يسوع صنع طينًا وطلى عيني، وقال لي: اذهب إلى بركة سلوام واغتسل، فمضيت واغتسلت، فأبصرت". [11]

لقد قدم الحقيقة في بساطة حسب خبرته فقال: "إنسان يُقال له يسوع صنع طينًا..." لم يكن قد سبق فرأى يسوع لكنه سمع عنه، وسمع صوته حين أمره أن يغتسل في بركة سلوام، لقد شعر بأنه وضع شيئًا على عينيه اكتشف بعد شفائه أنه طين، وأن يسوع قد صنعه بنفسه وطلى به عينيه.

- انظروا لقد صار مبشرًا بالنعمة. انظروا إنه يكرز بالإنجيل؛ إذ نال البصيرة صار معترفًا. صار ذاك الأعمى معترفًا، فاضطربت قلوب الأشرار، إذ لم ينالوا في قلوبهم ما ناله هذا في محياه.

القديس أغسطينوس

"فقالوا له: أين ذاك؟ قال لا أعلم." [12]

جاء سؤالهم الثاني: "أين ذاك؟" هل عن تشكك في شخص صانع المعجزة لأنه كسر الناموس وحرض على الكسر. فمن جانبه صنع طينًا وطلى به العينين، ومن جانب آخر أمر الأعمى أن يسير حتى البركة ويغتسل. وربما تساءل البعض كنوعٍ من حب الاستطلاع ليروا أين ذلك القادر أن يفعل هذا، وربما وُجد من تساءل عن إخلاص ليلتقي به.

أجاب الأعمى: "لا أعلم"، إذ يبدو أن السيد انسحب للحال بعد أن أمره بالذهاب إلى بركة سلوام، ولم ينتظر حتى يرجع ليقدم الشكر. فإن مسرة السيد المسيح هي في العطاء المجاني دون انتظار لكلمة مديح أو شكر. وإن عاتب على عدم الشكر فهو من أجل الآخرين، إذ يريدهم شاكرين فرحين مسبحين كالملائكة.

- لاحظوا تواضع المسيح، فإنه لم يستمر مع من يشفيهم، لأنه لم يطلب أن يحصد مجدًا، ولا أن يجتذب الجماهير، ولا أن يظهر نفسه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ب. حوار بين الفريسيين والأعمى

"فأتوا إلى الفريسيين بالذي كان قبلاً أعمى". [13]

كنا نتوقع أن ينشغل الجيران بالبحث عن صانع المعجزة ليتعرفوا عليه ويتمتعوا به، لكنهم أمسكوا بالأعمى وأتوا به إلى الفريسيين، وكأنه مشترك في جريمة. قادوه كمتهمٍ أنه قبل كسر السبت حتى ولو كان فيه خلق لعينيه.

كان الموضوع أكبر من أن يعرض على كاهن أو أكثر، فإذ هو يمس الشعب ككل قادوه إلى مجلس السنهدرين صاحب القرار الأخير والقاطع في ذهن الشعب. كان أغلب أعضائه من الفريسيين، وكان أكثرهم يبذلون كل الجهد لمقاومة يسوع. ولعل البعض أتوا به إلى المجلس ليظهروا الحق، ويكشفوا للفريسيين أن ذاك الذي يقاومونه قد خلق عيني للمولود أعمى، فيلتصقوا به عوض مقاومتهم له.

يرى البعض أن كلمة "الفريسيين" هنا تعني هيئة فرعية منبعثة عن مجمع السنهدرين الذي يضم رؤساء الكهنة مع الفريسيين. يضم المجمع هيئتين كل منهما تضم ٢٣ عضوًا، وكان لكل منهما حق المحاكمة في بعض القضايا. كان يوجد في المدن الكبرى هيئة مماثلة.

"وكان سبت حين صنع يسوع الطين وفتح عينيه". [14]

"فسأله الفريسيون أيضًا كيف أبصر. فقال لهم: وضع طينًا على عيني واغتسلت، فأنا أبصر". [15]

قدم الفريسيون ذات السؤال الذي وجهه إليه جيرانه، ولم يكن هذا بقصد التعرف على الحقيقة من مصدرها الأصلي، وإنما لعلهم يجدون علة يشتكون بها على شخص يسوع، ويشوهون بها صورته أمام الجمهور الذي التف حوله.

- تأمل كيف لم يضطرب الأعمى، فلم ينكر، ولم يقل أقوالاً مخالفة لأقواله الأولى، إذ أن الفريسيين والناس الآخرين ساقوا الأعمى على أن يكون جاحدًا من شفاه، فأصابهم ما لم يريدوه بخلاف أملهم، وعرفوا أعجوبة السيد المسيح أبلغ معرفة، وقد أصابهم هذا المصاب في كل موضع من آياته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

جاءت إجابته على الفريسيين مشابهة لإجابته على جيرانه غير أنه لم يذكر عن السيد المسيح "صنع طينًا"، ربما لأنه لم يره وهو يصنع طينًا، حتى ولو كان بالترياق، فلم يرد أن يذكر في مجمع رسمي شهادة يمكن أن يعترضوا عليها: كيف رأى يسوع يصنع طينًا وهو أعمى؟ ولعله لم يذكر لأن صنع الطين هو عمل، فلم يرد أن يمسك اليهود على يسوع أنه كاسر السبت. ولنفس السبب لم يذكر عبارة: "وقال لي..." حتى لا يُتهم السيد المسيح كمحرضٍ على كسر الناموس بالذهاب إلى بركة سلوام والاغتسال فيها. وفي نفس الوقت في جرأة قال: "اغتسلت" ولم يخشاهم!

"فقال قوم من الفريسيين: هذا الإنسان ليس من الله، لأنه لا يحفظ السبت. آخرون قالوا: كيف يقدر إنسان خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات؟ وكان بينهم انشقاق". [16]

خلق عيني الأعمى كان كفيلاً أن يبكم المقاومين، لكن حدث شقاق في المجمع، فبعض الأعضاء الحرفيين في العبادة والمنشغلين بالمجد الباطل حسبوه كاسرًا للسبت، أو كاسرًا للوصية الإلهية، وعوض التمتع بشخص يسوع اضطهدوه كمجرمٍ: "هذا الإنسان ليس من عند الله". والفريق الآخر رأوا في عمله حب فائق وتنفيذ للوصية، وأن الشفاء علامة صادقة على صدق رسالته. غير أن هذا الفريق كان يمثل قلة قليلة لا تستطيع الوقوف أمام الغالبية الثائرة.

في ختام كل تعليم أو معجزة غالبًا ما كان يحدث انشقاق بين الجموع، وكان المقاومون يحتكمون لدى الفريسيين كقضاة وأصحاب سلطة دينية. أما هنا فالانشقاق بين القضاة أنفسهم، وربما هذا أدى إلى تأجيل الحكم في أمر يسوع المسيح.

- يقول يوحنا البشير "وكان بينهم انشقاق" لأن بعضهم منعهم حبهم للرئاسة عن المجاهرة بالسيد المسيح، وبعضهم أسكتهم جبنهم وخوفهم من الكثيرين.

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 التالى
+ إقرأ إصحاح 9 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


13 توت 1737 ش
23 سبتمبر 2020 م

تذكار الأعجوبة التي صنعها القديس باسيليوس الكبير أسقف قيصرية
نياحة البابا متاؤس الثاني "90"

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك