إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الضمير قاضى يحب الخير ولكنه ليس معصوماً من الخطأ

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 13 جـ1 PDF Print Email

خدمة غسل الأرجل


إذ انتهى السيد المسيح من أحاديثه العامة الآن يبدأ في أحاديث خاصة مع تلاميذه قبل القبض عليه، غايتها تعزيتهم أثناء آلامه والكشف عن أسراره، وتقديم نصائح وداعية. يتحدث معهم كأب مع أولاده، يقدم لهم حكمته ميراثًا يغنيهم ويسندهم. لقد جاءت ساعة انتقاله من العالم لهذا أراد أن يدبر أمور بيته.

1. غسل أقدام التلاميذ ١ - ١٧.

2. حديثه عن مسلمه ١٨ - ٣٠.

3. مجد ابن الإنسان ٣١ - ٣٣.

4. المحبة الأخوية ٣٤ - ٣٥.

5. إنذار بطرس منكر المسيح 3٦ - ٣٨.

1. غسل أقدام التلاميذ

"أما يسوع قبل عيد الفصح، وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب، إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى". (1)


يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح قدم أعمالاً عظيمة منذ بداية خدمته، أما وقد جاء وقت رحيله عنهم منطلقًا إلى الآب، فقدم لهم حبًا فائقًا، خلال الصليب، ليكون سندًا لهم بعد صعوده.

ونحن أيضًا إذ لا ندرك وقت رحيلنا من العالم يليق بنا مع كل نسمة من نسمات حياتنا أن نقدم حبًا باذلاً لكل من هم حولنا، فنترك لهم ميراثًا من الحب، وتبقى ذكرياتنا لديهم هي أعمال المحبة الخالدة.

يتساءل كثير من الدارسين عن موعد الفصح اليهودي، هل كان في يوم خميس العهد حيث قام السيد المسيح، حمل الفصح الحقيقي، بتأسيس سرّ الفصح المسيحي؟ أو أنه كان في يوم الجمعة العظيمة حيث تحقق الفصح الحقيقي في ذات يوم الفصح اليهودي ليبطل الرمز؟

كثرت الكتابات جدًا في هذا الأمر، غير أن ما ليس فيه خلاف، أن بعض الجماعات كانت تمارس الفصح بتقويم يختلف عما تمارسه القيادات اليهودية الدينية الرسمية في أورشليم. لهذا يرى الكثيرون أن ما ورد في الأناجيل الثلاثة عن احتفال السيد المسيح وتلاميذه بالفصح في يوم الخميس كان بتقويم استخدمه السيد، بينما قام مجمع السنهدرين وأتباعه بالاحتفال به يوم الجمعة، غير أنه لم يكن ممكنًا ذبح خروف الفصح إلاَّ يوم الجمعة بعد عرضه على الكهنة في يوم الفصح الرسمي.

ما يشغل ذهن الإنجيلي ليس موعد تأسيس الفصح المسيحي، وإن كان قد أورد أنه "قبل عيد الفصح"، وإنما انشغاله بالفصح الحقيقي، بذبح حمل الله الذي يحمل خطية العالم على الصليب. إنه فصح الدهور كلها، لا بل والفصح الذي يشغل السماء والسائيين، فقد أُشير إلى السيد المسيح كحملٍ في سفر الرؤيا ما يقرب من خمس عشرة مرة. رأى الإنجيلي "الخروف قائم في السماء كأنه مذبوح"، ورأى الكنيسة الممجدة في السماء "امرأة الخروف"، والحياة السماوية هي "عُرس الحمل" الذي جاء وامرأته هيأت نفسها (رؤ ١٩: ٧-٨). رأى الحمل هو قدس أقداس السماء أو الهيكل الأبدي وسراجها (رؤ ٢١).

الآن يحدثنا الإنجيلي يوحنا عن "غسل الأرجل" كخدمة حب وبذل. حدث هذا أثناء الإعداد لسرّ الإفخارستيا وليس أثناء تناوله. وقد كان من عادة اليهود غسل الأقدام قبل العشاء.

لم يذكر الإنجيلي يوحنا أحداث أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس من الأسبوع الأخير حيث أوردها الإنجيليون الثلاثة السابقون في شيءٍ من التفصيل، ولم يرد أن يتحدث عن تأسيس سرّ الإفخارستيا (مت ٢٦: ٢٦؛ مر ١٤: ٢٢؛ لو ٢٢: ١٩).

إذ هو العالم بكل شيء جاءت الساعة التي سمح فيها لعدو الخير أن يكون له سلطان أن يتحرك ويحرك أتباعه لمقاومة السيد، وكما قال: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو ٢٢ : ٥٣).

قوله "جاءت ساعته" لا تعني إتمام أمور محتمة لا سلطان له عليها، إنما هي ساعته التي تتحقق خلال سلطانه الإلهي لتحقيق خلاص العالم، دون أن يلزم الأشرار على ممارسة شرهم، إنما يحول شرهم للخير. إن كانت هناك حتمية لمجيء هذه الساعة، فهي حتمية حب الله الفائق الذي يطلب خلاص العالم. وبإعلانه عنها يكشف أنه جاء بإرادته من أجل هذه الساعة.

هنا يربط هذه الساعة بأمرين متكاملين، أو بأمرٍ واحد ذي وجهين، وهو انتقاله أو صعوده إلى الآب، وإعلان حبه اللانهائي لخاصته. وكأن صعوده إلى السماء ليس من أجله هو بل من أجل محبوبيه كي يتمتعوا بصعودهم أو لقائهم مع الآب.

هكذا يقبل السيد أحداث آلامه حتى الصلب بروح الحب الفائق. آلامه هي موضع سروره. "من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب، مستهينًا بالخزي، فجلس عن يمين عرش الله" (عب ١٢: ٢).

- يقول يوحنا البشير: "أما يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت"، فهو لم يعرف ذلك حينئذ فقط، لكنه عرفها قديمًا.

وفي قوله عن السيد المسيح: "لينتقل من هذا العالم إلى الآب"، يسمى البشير هنا بصوتٍ عظيمٍ موت السيد المسيح انتقالاً.

وقوله: "أحبهم إلى المنتهى" أن السيد المسيح لبث محبًا لهم حبًا دائمًا.

- ماذا يعني: أحبهم إلى المنتهى"؟ إنه كمن يقول: "يستمر يحبهم بلا انقطاع".

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لقد عبر (إلى الآب) لكي يطعمنا، فلنتبعه حتى نقتات.

- نتمتع في آلام الرب وقيامته بالعبور من هذه الحياة القابلة للموت إلى الحياة الأخرى الخالدة، أي من الموت إلى الحياة.

- الآن تحقق هذا الرمز النبوي في الحق، عندما اقتيد المسيح كحملٍ للذبح (إش ٥٣: ٧)، لكي بدمه الذي يُرش على قوائم قلوبنا العليا، برشم علامة صليبه على جباهنا، نخلص من الهلاك الذي ينتظر العالم، وذلك كإسرائيل وهو يخلص من عبودية المصريين ودمارهم (خر ١٢: ٢٣). والعبور الكلي التقدير الذي نمارسه بعبورنا من الشيطان إلى المسيح، ومن العالم غير المستقر إلى مملكته المؤسسة حسنًا. لذلك فإننا بالتأكيد نعبر إلى الله الدائم أبديًا...

يمجد الرسول الله من أجل هذه النعمة الممنوحة لنا، فيقول: "الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته" (١ كو ١: ١٣).

هذا الاسم "بصخة" كما قلت أنه في اللاتينية يدعى عبورًا... هكذا أنتم ترون هنا لنا بصخة وعبور. من أين وإلى أين يعبر؟ من هذا العالم إلى الآب.

لقد وُهب الرجاء للأعضاء في رأسهم، حتى أنهم دون شك يتبعونه وهو يعبر قدامهم.

وماذا عن غير المؤمنين الذين يقفون بعيدًا عن هذا الرأس وعن أعضائه؟ ألا يعبر هؤلاء أيضًا حيث أنهم لا يقطنون هنا أبديًا؟ واضح أنهم يعبرون، لكن يوجد فارق بين من يعبر من العالم ومن يعبر مع العالم. وبين من يعبر إلى الآب ومن يعبر إلى العدو. فإن المصريين أيضًا عبروا، لكنهم لم يعبروا من البحر إلى الملكوت، وإنما من البحر إلى الهلاك.

- "أحبهم إلى المنتهى" (١). هو نهايتنا، فيه نعبر... يُفهم ذلك بأن حبه ذاته هو الذي حمله إلى الموت.

القديس أغسطينوس

وقد ألقى الشيطان في قلب يهوذا سمعان الإسخريوطي أن يسلمه". (2)

كان السيد المسيح يعلن أن لحظات قتله قد اقتربت، وأن أحد تلاميذه يخونه، والآخر ينكره، والبقية تتركه... هذا كله في عينيه عطية الآب له ليقيم الخلاص.

في نفس اللحظات كان ما يشغل الشيطان هو أن يسيطر على قلب يهوذا ليحركه نحو خيانة سيده، ظانًا أنه قادر أن يطفئ النور الإلهي، ويفسد الحب السرمدي. لكن الله الكلي الصلاح يحول حتى شر إبليس لخيرنا.

ربما يتساءل البعض: ألم يكن قد ألقى الشيطان بفكر الخيانة على يهوذا حين تحرك قبلاً والتقى مع الفريسيين واتفق معهم على ذلك؟ يرى البعض أن عدو الخير ألقى ببذار الفكرة، وكان يرويها بمياه الطمع والخيانة، لكن الآن يدخل عدو الخير إلى قلب يهوذا كصاحب ومالكٍ مستقر في موضعه، وليس كمن يثير فكره، ويحاول إغواءه. حين نفتح الباب للشر يلقي العدو بذاره كضيفٍ يحاول بوسيلة أو أخرى أن يقتحم ما ليس له. وحين نقبل أفكاره، ونبدأ في التحرك، يدخل في جسارة ليقطن كمالكٍ، وكقائدٍ يحرك عجلة القيادة دون إمكانية للمقاومة من جهتنا. لهذا كل فكر فيه نتراخى عن مقاومته إنما يفتح باب قلوبنا وأفكارنا ليجد العدو نفسه صاحب الحق في الدخول والسيطرة.

- بقي سيده إلى اليوم الأخير مستمرًا في عطائه له.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- في حالة يهوذا كُتب: "وقد ألقى الشيطان في قلب يهوذا الاسخريوطي بن سمعان أن يسلمه" (٢). لذلك يمكنكم القول عن كل الذين جُرحوا في القلب بواسطة الشيطان أن الشيطان قد ألقى في قلب هذا أن يرتكب الزنا، أو ذاك أن يرتكب الغش، وفلان أن يصير مولعًا بالشهرة... وهكذا بالنسبة للخطايا التي يلقيها الشيطان في القلب غير المسلح بدرع الإيمان الذي به يمكنه أن يطفئ ليس سهمًا أو اثنين بل كل سهام الشريرة الملتهبة نارًا (أف ٦: ١٦).

العلامة أوريجينوس

- "ألقى الشيطان في قلب يهوذا"... أي قدم اقتراحًا روحيًا، لم يدخل إليه خلال الأذنين بل خلال الأفكار، وبذلك لم يدخل بطريق جسداني بل روحي. فما ندعوه روحيًا لا يفهم دومًا بطريقة ممدوحة. فقد عرف الرسول أمورًا روحية للشر في السماويات التي يشهد أنه يلزمنا أن نجاهد ضدها (اف ٦: ١٢).

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


15 توت 1737 ش
25 سبتمبر 2020 م

نقل جسد القديس اسطفانوس
استشهاد القديس لونديانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك