إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان القوى ليس هو الذى ينتصر على غيره بل القوى هو الذى ينتصر على نفسه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 13 جـ2 PDF Print Email
"يسوع وهو عالم أن الآب قد دفع كل شيء إلى يديه،وأنه من عند الله خرج، إلى الله يمضي". (3)

- على حسب ظني دفع الآب هنا خلاص المؤمنين إلى السيد المسيح. فعندما يقول: "كل شيء قد دُفع إليَّ من أبي" (مت ١١: ٢٧)، يتحدث عن هذا النوع من الدفع. كما ذكر السيد المسيح نفسه في موضع آخر "كانوا لك، وأعطيتهم لي" (يو ١٧: ٦) وأيضًا: "لا يقدر أحد أن يُُقبل إليّ إن لم يجذبه الآب" (يو 6: 44). وأيضًا: "إن لم يكن قد أُعطي من السماء" (٣: ٢٧). فإن الإنجيلي يقصد هذا أو ذاك أن المسيح ليس بأقل (من الآب) بهذا العمل، حيث أنه جاء من عند الله وذهب إلى الله، ويملك كل شيء. فإذا سمعت دفع وسلم، فلا تظن ظنًا بشريًا، إنما بين إكرامه الآب وائتلافه معه، لأنه كما أن أباه دفع إليه، كذلك دفع هو إلى أبيه، وبين ذلك إذ قيل "ولكن كل واحدٍ في رتبته: المسيح باكورة، ثم الذين للمسيح في مجيئه. وبعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الآب" (1 كو 15: 23).

لكن يوحنا يقول هذا بطريقة بشرية مظهرًا عناية (المسيح) العظيمة بهم، ومعلنًا حبه غير المنطوق به، إذ يهتم بهم كما بنفسه، معلمًا إياهم أم كل صلاح، أي التواضع، إذ قال إنه بداية كل فضيلة ونهايتها.

ليس بلا سبب يقول: "من عند الله خرج، وإلى الله يمضى" (3)، وإنما لكي نتعلم أنه فعل ما يليق بذاك الذي جاء من هناك ويذهب إلى هناك، موطئًا بقدميه على كل كبرياء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إنه لم تدُفع إلى يديه بعض الأمور دون غيرها، بل "كل شيء" (٣). إذ كان داود أيضًا متطلعًا بالروح يقول عن هذا: "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك تحت قدميك" (مز ١١٠: ١). فإن أعداء يسوع أيضًا هم جزء من "كل شيء"، الذي عرفهم يسوع بسابق معرفته أنهم قد دُفعوا إليه من الآب. ولكن لكي ندرك بأكثر وضوح ما تعنيه العبارة: "الآب قد دفع كل شيء لديه" (٣)، لننتبه إلى العبارة: "وكما في آدم يموت الجميع، هكذا في الرب يحيا الجميع" (راجع ١ كو ١٥: ٢٢).

العلامة أوريجينوس

- إذ عرف الرب ما سيفعله من أجل أصدقائه وبصبرٍ استخدم أعداءه، بهذا دفع إليه الآب كل شيء في يديه، كل من الشرير ليستخدمه، والصالحين لأجل الهدف النهائي.

القديس أغسطينوس

"قام عن العشاء، وخلع ثيابه، وأخذ منشفة واتزر بها". (4)

لم يقم عن تناول العشاء، إنما ترك موضعه على المائدة بعد أن جلس الحاضرون ينتظرون العشاء. خلع السيد ثوبه الخارجي أو معطفه، واتزر بمنشفة ليأخذ شخصية خادم، ولكي يتهيأ ليجفف أرجلهم بعد غسلها.

كان غسل الأرجل يتم قبل البدء في تناول الطعام، وإذ كانت الشوارع والأزقة أغلبها ترابية، والأحذية عبارة عن "صنادل مفتوحة"، ولم تُعرف الجوارب في ذلك الحين، يمكننا أن ندرك كيف كانت الأقدام متسخة، وكيف تكون رائحتها، خاصة في الحرّ أو مع السير لمدة طويلة. لهذا كان غسل الأقدام من عمل العبيد أو أقل الحاضرين كرامة.

عندما أرسل داود النبي إلى أبيجايل يطلبها زوجة، في تواضع قامت وقالت له: "هوذا أمتك جارية لغسل أرجل عبيد سيدي" (١ صم ٢٥: ٤١). يرى البعض أن السيد المسيح بدأ بغسل قدمي يهوذا، لعل ضميره يؤنبه ويندم على ما بدأ يخططه.

مسيحنا الذي في تواضعه قال ليوحنا المعمدان: "اسمح الآن لأنه هكذا يليق أن نكمل كل برّ" (مت ٣: ١٥) يكشف عن برّ التواضع الذي له قبل تأسيس سرّ الافخارستيا. فمن منا يجسر ويقترب إلى السرّ ما لم أولاً تنحني نفسه مع سيده لينال كرامة مخلصه، فيقترب إلى التناول من جسد الرب ودمه المبذولين لأجله؟ مسكين من يقترب من هذا السرّ بقلبٍ متعجرفٍ أو نفسٍ متعالية دون انحناء لغسل أقدام حتى مقاوميه ومضطهديه.

- يفهم "حين كان العشاء" أن العشاء صار مُعدًا، موضوعًا على المائدة لكي يستخدمه الضيوف.

القديس أغسطينوس

- تعال أيها الرب يسوع، ولتخلع ثيابك، هذه التي لبستها من أجلي.

لتصر عاريًا لكي تكسوني برحمتك.

لتتزر من أجلنا بمنشفة، لكي تجعلنا نتزر بعطية الخلود.

لتسكب ماءً في مغسل، فلا تغسل أقدامنا فحسب بل ورأسنا، ليس فقط لأجسادنا بل ولخطوات نفوسنا. أود أن تنزع كل دنسٍ لضعفنا...

يا لعظمة سموك! كخادمٍ تغسل أقدام تلاميذك، وكإله ترسل ندى من السماء.

ليس فقط تغسل الأقدام، وإنما تدعونا أيضًا أن نجلس معك، وبمثال كرامتك تحثنا قائلاً: "أنتم تدعونني معلمًا وسيدًا، وحسنًا تقولون لأني أنا كذلك، فإن كنت أنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض" (١٣، ١٤).

إذن أود أنا نفسي أن أغسل أقدام اخوتي؛ أود أن أكمل وصية ربي، فإني لا أخجل من نفسي، ولا أستخف بما فعله ذاك أولاً.

سرّ عظيم وحسن لا يفهمه أحد!

القديس أمبروسيوس

"ثم صب ماء في مغسلٍ، وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ، ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرًا بها". (5)


انتظر السيد حتى اتكأ الجميع حول المائدة، وكانت العادة في تلك الأيام ألا يجلس الآكلون على كراسي حول المائدة، ربما يمكن للعبد أن يجلس على كرسي حين يأكل، أما الشخص الحرّ فيتكئ على ذراعه (الكوع) الأيسر ورأسه متجهة نحو المائدة والقدمين من الجانب الآخر.

كانت العادة أن يقوم أحد العبيد بغسل الأقدام، وإذ لم يوجد بينهم عبد ربما توقع الكل أن أقلهم سنًا أو مركزًا يقوم بهذا العمل، لكن السيد قام بنفسه بهذا الدور. وهو بهذا يرفع من كرامة العبيد، إذ هم يمارسون هذا العمل قسرًا بحكم وضعهم الاجتماعي، أما السيد فقام به بكامل حريته بمسرة، خلال تواضعه وحبه. هكذا لا يعود يأنف العبد من ممارسة أي عمل، يمارسه من أجل الرب، لا خوفًا من الناس. وكما يوصيهم القديس بولس: "أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوفٍ ورعدةٍ في بساطة قلوبكم كما للمسيح، لا بخدمة العين كمن يرضي الناس، بل كعبيد المسيح، عاملين مشيئة الله من القلب، خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس، عالمين أن مهما عمل كل واحدٍ للخير فذلك يناله من الرب، عبدًا كان أم حرًا" (أف ٦: ٥-٨).

يرى العلامة أوريجينوس أن السيد المسيح لم يغسل قدمي يهوذا، إذ ليس له نصيب معه بسبب إصراره على شره. بينما يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد بدأ بغسل قدمي يهوذا أولاً ليقدم له كل عمل محبة حتى اللحظات الأخيرة قبل قيامه بالخيانة، لعله يراجع نفسه ويتراجع عن شره.

- يبدو لي أنه غسل قدمي الخائن أولاً بقوله: "وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ" (٥).

- انظر كيف أظهر السيد المسيح طريق التواضع، ليس بغسل أقدامهم فقط، لكنه أوضحه بطبيعة أخرى إذ نهض بعد اتكائهم كلهم. ثم لم يغسل أرجلهم على بسيط الحال، لكنه غسلها بعد خلع ثيابه. ولم يقف عند هذا الحد، لكنه اتزر بإزار، ولم يكتفِ بهذا لكنه ملأ المغسل بنفسه، ولم يأمر آخر أن يملأه. مارس أعمال الغسل بنفسه كلها ليرينا أن نمارس أعمالنا لا في شكليات بل بكل نشاطنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لم يأخذ إبراهيم بنفسه ماءً، ولا قام بنفسه بغسل أقدامهم كغرباء جاءوا إليه، بل قال: "ليؤخذ ماء ويغسلوا أرجلكم" (راجع تك ١٨: ٤). كما لم يحضر يوسف ماءً ليغسل أقدام اخوته الإحدى عشر، إنما الرجل الذي على بيت يوسف أحضر إليهم شمعون وجاء بماء ليغسل أقدامهم (تك ٤٣: ٢٣-٢٤). أما ذاك الذي قال: "جئت ليس كمن يتكئ على مائدة بل كمن يخدم" (راجع لو ٢٢: ٢٧). وبحق يقول: "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب" (مت ١١: ٢٩)، هو بنفسه صب ماءً في مغسل. فإنه قد عرف أنه لا يستطيع أحد أن يغسل أرجل التلاميذ مثله بطريقة بها يكون لهم نصيب معه (٨).

- الماء في رأيي هو الكلمة الذي يغسل أقدام التلاميذ عندما جاءوا إلى المغسل وجلس يسوع أمامهم.

العلامة أوريجينوس

لم يقل الكتاب "غسل أرجل التلاميذ" بل قال: "ابتدأ يغسل أرجل التلاميذ" وكما يقول العلامة أوريجينوس بأنه قد بدأ ولم يتوقف عن الغسل، إذ كانوا في حاجة إلى غسلٍ مستمرٍ، حيث تدنسوا في ذات الليلة بعد الغسل: "كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة" (مت ٢٦: ٣١)، كما قال لبطرس: "لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات" (يو ١٣: ٣٨).

- ما العجب في أن يصب ماءً في مغسلٍ ليغسل أقدام تلاميذه ذاك الذي سكب دمه على الأرض لكي يغسل دنس خطاياهم؟

ما العجب في أنه مسح بالمنشفة التي اتزر بها الأقدام التي غسلها هذا الذي بجسده نفسه الذي التحف به أقام ممرًا ثابتًا لخطوات الإنجيليين الذين له؟

لكي يتزر بالمنشفة ألقى بثيابه التي كان يرتديها جانبًا، ولكنه حين أخلى ذاته (من مجد لاهوته) لكي يأخذ شكل العبد لم يلقِ بما هو لديه بل قبل ما هو ليس لديه قبلاً.

القديس أغسطينوس

"فجاء إلى سمعان بطرس، قال له ذاك: يا سيد أنت تغسل رجلي". (6)

واضح أن التلاميذ كانوا في حالة شبه ذهول أمام ما فعله السيد، فلم ينطق أحد بكلمة حتى جاء دور بطرس الرسول. كثيرًا ما رأى القديس بطرس سيده يتواضع لكنه لم يكن يتصور أنه يبلغ إلى هذه الدرجة أن يقوم بدور العبد الذي يغسل الأقدام.

- كأنه يقول: هل بهاتين اليدين اللتين بهما فتحت العيون وطهرت البرص وأنهضت أمواتًا، تغسل بهما رجلى؟! ولذلك لم يتضرع إليه بقول أكثر من قوله: "أنت تغسل رجلي" لأن هذا القول كان كافيًا وحده توضيح كافة ما في ذهنه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- واضح من قوله "فجاء إلى سمعان بطرس" أنه لم يبدأ غسل الأقدام به مما يؤكد أنه لم يكن في ذهن السيد المسيح أن يُوجد أحد رئيسًا على التلاميذ.

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


16 توت 1737 ش
26 سبتمبر 2020 م

تكريس كنيسة القيامة بأورشليم على يد القديس أثناسيوس الرسولي سنة 42ش
نقل جسد القديس يوحنا فم الذهب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك