إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الصوم والتداريب الروحية يسلك فيها الإنسان فتقوى شخصيته وتقوى إرادته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 13 جـ3 PDF Print Email
"أجاب يسوع وقال له: لست تعلم أنت الآن ما أنا أصنع، ولكنك ستفهم فيما بعد". (7)

كأنه يقول له: "اسمح لي الآن أن أفعل ذلك، وسأوضح لك قريبًا طبيعة هذا العمل وغايته".

- ماذا يعني: "ستفهم فيما بعد"؟ متى؟ عندما تخرج شياطين باسمي، عندما تراني مرتفعًا إلى السماوات، عندما تعرف بالروح إني أجلس عن اليمين، عندئذٍ تفهم ما يحدث.

- معنى هذا انك ستعرف أي ربح عظيم تجنيه من هذا، ربح الدرس الذي تتعلمه كيف أن هذا يقودنا إلى كل تواضعٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بالنسبة لي غسل أقدامكم هو رمز لأساسات نفوسكم التي تتطهر، لكي تتجمل بالتبشير بالصالحات (رو ١٠: ١٥؛ إش ٥٢: ٧)، وتقتربون إلى نفوس البشر بأرجلكم الطاهرة. لكنكم الآن لا تعرفون هذا السرّ، إذ ليس لكم بعد المعرفة الخاصة به... عندئذٍ تفهمون هذا السرّ، وتستنيرون بمعرفة أمور ليست وضيعة ولا تافهة.

العلامة أوريجينوس

"قال له بطرس: لن تغسل رجلي أبدًا, أجابه يسوع: إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب". (8)

لم يكن ممكنًا لبطرس الرسول أن يرى سيده الذي له كل المهابة أن يحتل مركز عبدٍ ليمارس غسل الأقدام، لهذا اعترض على تصرف سيده. لم يكن يدرك الرسول ما يفعله سيده، أنه احتل مركز العبد خلال محبته الفائقة، حتى يسمح ليهوذا أن يبيعه كعبدٍ، ويسمح لعدو الخير أن يتمم خطته نحو الخلاص بالصليب.

كأنه يقول له: "لا يمكنك أن تكون لي تلميذًا ما لم أغسلك". فإنه ما لم تمتد يد السيد المسيح لتغسل النفس الداخلية لن يستطيع الإنسان أن يتمتع بالخلاص، ولا يتأهل أن يكون تلميذًا للمخلص. المؤمن في حاجة أن يغتسل في المعمودية خلال عمل روح الله القدوس (١ كو ٦: ١١؛ تي ٣: ٥-٦)، وأن يغتسل بالدم الثمين (١ يو ١: ٧). إننا نحتاج إلى غسل أقدام نفوسنا التي تتسخ خلال سيرها في هذا العالم، هذا العمل خاص بالسيد المسيح نفسه غافر الخطايا ومخلص النفس من الفساد. نتمتع به خلال سرّ التوبة والاعتراف، بدونه لن نقدر أن نشترك في التمتع بذبيحة المسيح (سرّ الافخارستيا).

ماذا يعني: "إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب"؟ هنا يشير السيد إلى أن عملية الغسل من اختصاصه، فلن يظهر إنسان طاهرًا في يوم الرب العظيم، وينال نصيبه، أي الشركة مع المسيح في المجد، بمجهوده الشخصي، وإنما بعمل المسيح نفسه غاسل نفوسنا من أدناس الخطية.

كثيرًا ما نعترض على تصرفات الرب بسبب عمانا الداخلي، وعدم استيعابنا لحكمته الإلهية وخطته نحونا.

- لم يدرك السرّ، لذلك رفض الخدمة، إذ ظن أن تواضع الخادم سيُصاب بضررٍ، وذلك إن سمح للرب أن يخدمه.

القديس أمبروسيوس

- واضح أنه وإن كان قد قال هذا للمعلم بنية صادقة وقورة، لكنه تكلم بما يضر نفسه. الآن الحياة مملوءة بأخطاء من هذا النوع، من أناسٍ يعتقدون بما يظنونه أنه الأفضل ولكن في جهالة يتكلمون أو يعملون أمورًا تقودهم إلى اتجاه مضاد.

- كما أن بطرس القائل: "لن تغسل رجلي أبدًا" مُنع من أن يستمر فيما زعمه حتى يكون له نصيب مع يسوع، هكذا أنتم يا من تخطئون بحكمٍ متسرع وتعدون بهذا وذاك في تهورٍ يكون الأفضل لكم أن تكفوا عن الاستمرار في قراركم الخاطئ وتفعلون هكذا أو ذاك بأكثر تعقل.

- إن لم نفعل هذا (تقديم أقدامنا للسيد المسيح لغسلها) لا يكون لنا نصيب معه، ولا تكون أقدامنا جميلة. هذا على وجه الخصوص أمر مهم، متطلعين إلى أننا غيورون لنوال المواهب الأعظم (١ كو ١٢: ٣١)، ونرغب أن ننضم إلى الذين يبشرون بالصالحات.

- أتجاسر فأقول، بما يتناغم مع العبارة: "إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب"، أنه لم يغسل قدمي يهوذا، لأنه قد وضع بالفعل في قلبه أن يخون معلمه وربه. لقد وجده الشيطان غير مرتدٍ سلاح الله الكامل، وليس له درع الإيمان الذي به يطفئ سهام الشريرة الملتهبة نارًا (أف ٦: ١٣-١٦).

العلامة أوريجينوس

"قال له سمعان بطرس: يا سيد ليس رجلي فقط، بل أيضًا يدي ورأسي". (9)

ربما شعر بطرس بالحاجة إلى غسل روحي كامل، لذلك اشتهى لا أن يغسل الرب قدميه بل أن يغسل كل كيانه. يرى البعض في طلب بطرس الرسول هنا نوع من التواضع، لكنه أيضًا حمل نوعًا من الكبرياء، إذ لم يقبل فكر المسيح، بل أراد أن يتمم فكره هو. أحيانًا نريد أن نقدم لله مشورتنا ليعمل حسب هوانا، حتى وإن كنا نطلب أمورًا روحية بإخلاص.

يقول العلامة أوريجينوس أن بطرس الرسول لم يكن في حاجة إلى غسل يديه، لأن رب المجد يسوع لا يطلب الحرف القاتل كغسل الأيدي عندما يأكلون خبزًا (مت ١٥: ٢). كما لم يكن في حاجة إلى غسل رأسه التي لم يرد يسوع أن تُغطى بعد إذ استقرت عليها صورة الله ومجده (١ كو ١١: -).

- كان بطرس الرسول شديد التسرع في استعفائه من غسل رجليه، وأشد تسرعًا من ذلك في طلبه غسل يديه ورأسه، وكلا الأمران كانا من حبه الخالص للسيد المسيح... لماذا لم يقل له أن يتمثل به بدلاً من تهديده؟ لأنه ما كان لبطرس أن يقتدي به. فلو قال له: "اسمح الآن، فإنني بهذا أحثك على التواضع"، لوعده بطرس ربوات المرات بذلك حتى لا يقوم سيده بهذا العمل. لقد نطق السيد بما يرعب بطرس ويخيفه، أن يصير منفصلاً عنه. فإنه هو الذي كان على الدوام يسأله: "أين تذهب؟" (٣٦). كما قال: "إني أضع حياتي من أجلك" (٣٧).

القديس يوحنا الذهبي الفم

"قال له يسوع: الذي قد اغتسل ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه، بل هو طاهر كله، أنتم طاهرون، لكن ليس كلكم". (10)

كان من عادة اليهود أن يستحموا مرتين، لذلك أوضح السيد أن الغسل بمياه المعمودية لا يتم سوى مرة واحدة. أما غسل القدمين فيشير إلى دموع التوبة بكونها معمودية ثانية.

كان إحدى عشر منهم طاهرًا مع أنهم في تلك اللحظات الحاسمة تركوا السيد وهربوا (مر ١٤: ٥٠). دعاهم أطهارًا ولم يعاتبهم على ضعفهم، حتى حين قال: "تتركونني وحدي" لم يكن يهدف إلى عتابهم، إنما أراد أن يؤكد أنه يعالج ما يعاني منه الإنسان من الشعور بالعزلة في لحظات ضيقه، كما صرخ المرتل: "أبي وأمي قد تركاني". ولكن واحدًا منهم غير طاهر، لأنه جاء يحمل الخيانة في قلبه. لقد غسل السيد المسيح قدميه وهو يعلم بخيانته، ليؤكد ترفقه بالخطاة واشتياقه نحو تمتعهم بعطاياه.

ليس من أحد - في العهد القديم أو العهد الجديد - بلا خطية أو بلا عيب إلا السيد المسيح، حمل اللَّه الذي بلا عيب (1 بط 19:1)... لهذا يمكننا القول بأن من أراد أن يتمتع بالتطويب لزمه أن يحمل سمات سيده القدوس، أي أن يصير مقدسًا بالتصاقه بالرب، الذي وحده يقول: "أنتم طاهرون" (يو 10:13)، لأن دمـه يطهر من كل دنس (1 يو 7:1)، هو كفارة عن خطايانا (1 يو 2:2).

- الإحدى عشر الذين اغتسلوا وصاروا طاهرين، صاروا أكثر طهارة عندما غسل يسوع أقدامهم، أما يهوذا الذي صار بالفعل نجسًا - إذ قيل: من هو نجس فليتنجس بعد (رؤ ٢٢: ١١) - صار أكثر نجاسة وعدم طهارة عندما دخله الشيطان بعد اللقمة (يو ١٣: ٢٧).

العلامة أوريجينوس

- إن كانوا أطهارًا، فلماذا غسل أقدامهم؟ لكي نتعلم أن نكون متواضعين. فإنه لهذا جاء، ليس لأي عضو في الجسد، بل ما يُحسب أكثر احتقارًا عن بقية الأعضاء.

- إنه يأتي إلى أعضاء الجسد التي يظن أنها الأكثر كرامة. هل كان التلاميذ أطهارًا الذين لم يكونوا بعد قد خلصوا من خطاياهم، ولا نالوا الروح، حيث لازالت الخطية تسود... ولا قدمت الذبيحة؟ كيف إذن يدعوهم أطهارًا؟ لكي لا تظن أنهم أطهار وقد خلصوا من خطاياهم أضاف: "أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به" (راجع يو 15: 3) بمعنى "بهذه الكيفية أنتم أنقياء؛ لقد قبلتم النور، لقد تخلصتم من خطأ يهوذا"... هؤلاء قد طردوا كل شر من نفوسهم واصطحبوه بذهنٍ خالصٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- "الذي عنده يُعطى ويزداد" (مت ٢٥: ٢٩). وحيث كان التلاميذ طاهرين أضاف يسوع إلى طهارتهم غسل أقدامهم. إنه لا يود أن يغسل الذين لم يغتسلوا، ولا الذين لم يكونوا طاهرين كلهم. وإنما يتحدث عن الذين هم طاهرين بهذه الطريقة، فإنه إن وُجد بين بني البشر من هو كامل إن لم يتمتع بالغسل الذي من يسوع فلا يحسب طاهرًا...

- لقد غسل أرجلهم لأنهم طاهرون حسبما هم بشر، ولكن ليس حسب الله، فإنه بدون يسوع لا يكون أحد طاهرًا عند الله حتى وإن سبق فظن أنه قد اغتسل باجتهادٍ معين.

- الروح القدس وقوة العلي يمكن أن يقطنا في أولئك الذين قد صاروا بالفعل طاهرين كما عند الناس، وكأنهم ثوب وقد اغتسلوا خلال عماد يسوع، واغتسلت أرجلهم بواسطته.

- إن كان قد جعل أرجل تلاميذه جميلة بغسلها، فماذا نقول عن الجمال الحقيقي الذي يظهر في كل الذين يعتمدون بالروح القدس ونار بواسطة يسوع (مت ٣ : ١١)؟

- الآن صارت أقدام الذين يكرزون بالأخبار الصالحة جميلة، حتى انهم إذ اغتسلوا وتطهروا ومسحوا بيدي يسوع صاروا قادرين على السير في الطريق المقدس، والعبور إلى ذاك القائل: "أنا هو الطريق" (يو ١٤: ٦). فإنه هو وحده، وكل من غُسلت قدماه بيسوع يرحل في هذا الطريق الذي هو حي، ويُحضر إلى الآب. هذا الطريق لن يضم قدمًا دنسًا وغير طاهر. لهذا خلع موسى نعليه من قدميه حيث كان المكان القادم إليه والذي يقف عليه أرضًا مقدسة (خر ٣: ٥). نفس الأمر بالنسبة ليشوع بن نون (يش ٥: ١٥).

- أما بالنسبة لتلاميذ يسوع فلكي يسيروا في الطريق الحي المفعم بالنشاط، لا يكفيهم أن يكونوا بلا أحذية في رحلتهم كما أمر يسوع تلاميذه (مت ١٠: ١٠)، بل بالحقيقة يلزم أن تغتسل أقدامهم بواسطة يسوع عندما يضع ثيابه جانبًا. ربما من جانبٍ يجعل أقدامهم الطاهرة أكثر طهرًا. ومن الجانب الآخر ربما لكي يحمل الدنس الذي في أقدام تلاميذه في جسده بواسطة المئزرة التي اتزر بها وحده (يو ١٣: ٤)، إذ هو وحده يحمل ضعفاتنا (مت ٨: ١٧؛ إش ٥٣: ٤).

- لاحظوا أنه إذ أراد أن يغسل أقدام التلاميذ لم يختر وقتا آخر سوى عندما دخل الشيطان في قلب يهوذا الاسخريوطي بن سمعان ليسلمه (يو ١٣: ٢) عند تحقيق التدبير (الآلام) من أجل البشر. فإنه قبل هذا لم يكن الوقت مناسبًا ليسوع أن يغسل أقدام التلاميذ، فإن من يود أن يغسل أقدامهم في الفترة الفاصلة حتى وقت الآلام؟ لم يكن الوقت مناسبًا... صار الوقت مناسبًا بعد تحقيق التدبير (الآلام)، فإنها ساعة الروح القدس الذي افتقد التلاميذ الذين صاروا طاهرين وقد غُسلت أقدامهم، ففي ذلك الوقت أُعدت أقدامهم وصارت جميلة لكي تبشر بالصالحات بالروح (رو ١٠: ١٥؛ إش ٥٢: ٧).

العلامة أوريجينوس

- ماذا تظنون في هذا يا اخوتي؟ إلاَّ أنه في المعمودية المقدسة يغتسل الإنسان بكليته، كل ذرة فيه. ومع هذا فإنه إذ يعيش في هذه الحياة البشرية لن يتوقف عن السير على الأرض بقدميه. هكذا فإن مشاعرنا البشرية ذاتها، التي لن تنفصل عن حياتنا المائتة على الأرض، تشبه القدمين اللتين بهما نصير في تلاقٍ ملموس بالأعمال البشرية، وهكذا يمكننا القول أننا إن قلنا أننا بلا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا (١ يو 1: ٨).

ففي كل يوم ذاك الذي يشفع فينا (رو ٨: ٣٤) يغسل أقدامنا، فإننا في حاجة إلى غسلٍ يوميٍ لأقدامنا، أي تدبير طريق خطواتنا باستقامة. نعرف ذلك في الصلاة الربانية حيث نقول: "اغفر لنا ما علينا، كما نغفر من عليهم"، وكما هو مكتوب: "إن اعترفنا بخطايانا"، فإنه بالحقيقة ذاك الذي غسل أقدام تلاميذه "هو أمين وعادل أن يغفر لنا خطايانا، ويطهرنا من كل إثم" (١ يو ١ : ٩)، بمعنى يغسل أقدامنا التي نسير بها على الأرض.

- الكنيسة وهي في طريقها إلى المسيح قد تكون خائفة من تدنيس قدميها التي غسلتهما في مياه المعمودية.

القديس أغسطينوس



السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 13 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


16 توت 1737 ش
26 سبتمبر 2020 م

تكريس كنيسة القيامة بأورشليم على يد القديس أثناسيوس الرسولي سنة 42ش
نقل جسد القديس يوحنا فم الذهب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك