إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

النفس القوية لا تقلق ولا تضطرب ولا تخاف ولا تتردد أما الضعيف فإنه يتخيل مخاوف وينزعج بسببها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 14 جـ1 PDF Print Email

المعزي الآخر


الآن يقدم ثلاثة أحاديث وداعية سجلها لنا الإنجيلي في الأصحاحات ١٤-١٦.

في هذه الأحاديث يجتمع الراعي السماوي مع القلة القليلة التي تمثل قطيعه الضعيف، وقد أوشكت العاصفة أن تهب بكل قوة، وظن إبليس، الذئب المفترس، أنه حتمًا يحطم الراعي مع رعيته. أما الراعي وهو يتمم خطته الإلهية فيطََّمئن الرعية، طالبًا منها ألا تضطرب، بل يليق بها أن تتعرف على سرّ الحب الإلهي:

فمن جهة الآب، لديه منازل كثيرة تتسع للكل، وفي نفس الوقت مسرته أن يأتي مع الابن ويسكن في أعماق كل مؤمن.

ومن جهة الابن، فالعاصفة التي تهب ضده ما هي إلاَّ الطريق المُعد ليحمل رعيته خلال الصليب إلى العرش، وينعموا بشركة مجده. إنه أب يتحدث مع أولاده الصغار، الذي وإن فارقهم بالجسد إنما ليبعث لهم روحه القدوس معزيًا، فلا يتركهم يتامى، بل يقودهم إلى السماء عينها حيث المسيح صاعد!

ومن جهة الروح القدس، فهو المعزي الآخر، يقود الرعية إلى كل الحق الذي هو السيد المسيح، ويهبهم قوة للشهادة أمام العالم، مبكتًا العالم على عدم إيمانه ليجذبهم خلال كرازة التلاميذ إلى الإيمان، وعلى برّ لكي يدرك العالم أنه لن يتبرر إلاَّ ببرّ المصلوب، وعلى دينونة حيث يتحطم إبليس ويُدان.

تبقى هذه الأحاديث الوداعية سرّ قوة الكنيسة، إذ تجد فيها سرّ الخلاص الذي شغل الثالوث القدوس ويشغله حتى يكمل خلاص البشرية وتتمتع بما أعده الله لها.

هذا الأصحاح هو امتداد لحديث السيد المسيح مع تلاميذه بعد تأسيس سرّ الإفخارستيا وبعدما دان تصرف يهوذا، وأعلن ما سيفعله بطرس الرسول، منكرًا السيد المسيح ثلاث مرات. لقد أراد أن يهب بقية التلاميذ تعزية وراحة بعدما اضطربت نفوسهم وحزنت بحديثه أن أحدهم يسلمه والآخر ينكره. وقد رأينا في الأصحاح السابق أن الجلسة كانت أشبه بمؤتمر يتسم بالحوار المفتوح.

غالبًا ما يحدث الاضطراب بسبب الخوف من المجهول أو توقع خسارة فادحة تمس النفس أو الجسد أو الممتلكات، لهذا فإن علاج الاضطراب هو الإيمان، الذي يهب النفس بصيرة فتعرف موضع استقرارها الأبدي، وتدرك أنها بالله قادرة على هدم حصون، ولا تقدر قوة ما أن تحطمها، وتتمتع بالثبوت في الله ضابط السماء والأرض، وكل خليقة ظاهرة أو خفية.

1. الراحة الأبدية ١ - ٣

2. المسيح طريق الراحة ٤ - ١١

3. الصلاة والراحة ١٢ - ١٤

4. المعزي الآخر ١٥ - ١٧

5. ظهوره لهم ١٨ - ٢٤

6. المعزي المعلم ٢٥ - ٢٦

7. فرح المسيح برحيله ٢٧ - ٣١

1. الراحة الأبدية


يري القديس يوحنا الذهبي الفم أن التلاميذ قد اضطربوا جدًا، خاصة بعدما كشف السيد المسيح عما سيفعله بطرس الرسول. فإن كان هذا التلميذ قد اتسم بالغيرة المتقدة، وكان في رفقة السيد، وقد أعلن رغبته أن يقدم حياته من أجل المسيح سينكره ثلاث مرات فأي رجاء لهم؟ لهذا قدم لهم السيد الحديث التالي لينزع ما في نفوسهم من اضطراب، ويفتح أمامهم أبواب الرجاء للتمتع بالسماء!

"لا تضطرب قلوبكم، أنتم تؤمنون بالله، فأمنوا بي". (1)

يحذرنا السيد المسيح من القلق والاضطراب، مقدمًا لنا الإيمان به كعلاجٍ عمليٍ للمعاناة من القلق. كان القلق واضحًا في نظراتهم. "كان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون في من قال عنه" (يو ١٣: ٢٢). هذا وقد رأى السيد ليس فقط نظراتهم المضطربة، وإنما قلوبهم التي تدمي من القلق في الداخل. لم يتركهم في اضطرابهم إذ يهتم بسلامهم وسلامنا الداخلي. الآن يفتح لهم باب الأمان والسلام ألا وهو الإيمان به، يؤمنوا به كمخلص يتألم ويموت لأجلهم لكي يهبهم قوة القيامة وبهجتها، ويفتح لهم طريق السماء، ويهبهم حق العبور إلى مواضع الراحة الأبدية.

بدأ التلاميذ يفقدون رجاءهم في إقامة مملكة على الأرض، وبدأت أحلامهم من جهة يسوع تضيع، أما هو فرفعهم إلى الميراث الأبدي الروحي، رفع قلوبهم إلى السماء لكي تشتاق إلى ما قد يُعد لهم هناك.

- انظروا كيف عزى السيد المسيح تلاميذه بقوله: "لا تضطرب قلوبكم"، إذ أوضح بهذا القول الأول قدرة لاهوته، لأنه عرف الأفكار التي جازت في أنفسهم، ورد عليها في وسط كلامه.

وبقول السيد المسيح: "أنتم تؤمنون بالله، فآمنوا بي" كأنه يقول: "يجب أن تعبر هذه الشدائد كلها، لأن الإيمان بي وبأبي هو أقوى اقتدارًا من المصائب الواردة عليكم، ولا يسمح لأي شر أن يغلبكم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يؤكد الرب دومًا هذا التعريف لإيمان الكنيسة الذي يتضمن التعليم بأنه يوجد إله واحد الآب، لكنه لا يفصل نفسه عن سرّ الإله الواحد... وهو ليس بإلهٍ ثانٍ، ولا بالإله المنفرد.

وحيث أن طبيعة الإله الواحد فيه لا يمكن أن يكون إلهًا مختلفًا عنه... فهو لا يقدر أن ينفصل عنه، ولا أن يندمج فيه. لهذا يتحدث بكلمات مختارة بتأنٍ، فما يدعيه بالنسب للآب يشير بلغة متواضعةً أنها تناسبه هو أيضًا. خذ كمثال الأمر: "تمسكوا بالإيمان بالله، فآمنوا بي". إنه يتماثل مع الله في الكرامة. أسألكم كيف يمكنه أن ينفصل عن طبيعته؟ يقول: "تمسكوا بالإيمان بي أيضًا" كما قال: "تمسكوا بالإيمان بالله" أليس القول: "بي in me " يعنى طبيعته؟

القديس هيلاري أسقف بواتييه

- أنتم تخشون الموت بخصوص شكل العبد هذا؛ "لا تضطرب قلوبكم" (١) فإن شكل الله سيقيمه ثانية.

القديس أغسطينوس

"في بيت أبي منازل كثيرة، وإلا فإني كنت قد قلت لكم أنا أمضي لأعد لكم مكانًا". (2)

يدعو السماء "بيت أبيه"، فهو يعود إلى بيت أبيه الذي هو بيته، وهناك يعد مواضع وشقق mansions لمؤمنيه، فيشعر كل واحدٍ أنه راجع إلى بيت أبيه السماوي أو بيته الذي ينتظره. وبقوله "مواضع كثيرة" يعطينا طمأنينة أن لله أبناء كثيرين، وأن السماء متسعة للجميع. وقد جاءت الكلمة اليونانية تعني مسكنًا دائمًا وإقامة مستمرة.

عوض المملكة الزمنية وجه أنظارهم إلى مملكة المجد الأبدي. وهي مملكة متسعة جدًا يمكن أن تضم كل البشرية إن أرادت، "في بيت أبي منازل (مواضع) كثيرة" (٢).

إن كان سيتركهم بالجسد، إنما من أجل مجدهم. "لأعد لكم مكانًا" (٢)، فهو لا يذهب من أجل راحته الشخصية ومجده، وإنما ليهيأ لكل واحدٍ موضعًا خاصًا به.

إن كان اليهود يفتخرون بالهيكل كبيت الله، وقد ضم غرف كثيرة (١ مل ٦: ٥؛ عز ٨: ٢٩؛ إر ٣٥: ٢، ٤؛ ٣٦: ١٠) فإن هيكل السماء به منازل كثيرة متنوعة ليجد كل مؤمن مكانًا فيه.

"وإلا فإني قد قلت لكم": لست أقدم لكم رجاءً باطلاً، فقد وعدتكم بالميراث الأبدي، لتكونوا معي حيث أكون أنا. لو لم يوجد لكم مكان لما قلت هذا لكم.

- وكما سند السيد المسيح بطرس الرسول حين كان حزينًا بقوله: "ولكنك ستتبعني أخيرًا" (13: 36) هكذا قدم لهؤلاء هذا القبس من الرجاء، حتى لا يظنوا أنه قد أُعطي الوعد بذلك لبطرس وحده، قال لهم: "في بيت أبي مواضع كثيرة". وفي قول السيد المسيح لتلاميذه: "أنا أمضي لأعد لكم مكانًا" يظهر أن ذاك المكان الذي يقبل بطرس يقبلهم أيضًا، لأن هناك فيض من السعة في المواضع.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى جوفنيانوس Jovinianus أن المواضع الكثيرة في بيت أبينا هي الكنائس المنتشرة في العالم، ويرد عليه القديس جيروم بأن ربنا يناقش هنا لا عدد الكنائس بل المنازل السماوية والمساكن الأبدية.

- مع تنوع المجد في السماء إلا أن الكل يتمتعون ببيتٍ واحدٍ، وقد صعد الرب لا ليُعد مواضع كثيرة، بل يُعدّ بيتًا واحدًا، فالكل يشتركون في ذات البيت ويشعرون بالكفاية والشبع، وإن اختلف مجد كل نجمٍ عن الآخر.

القديس جيروم




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 التالى
+ إقرأ إصحاح 14 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


20 توت 1737 ش
30 سبتمبر 2020 م

نياحة القديسة ثاؤبستى
نياحة البابا أثناسيوس الثاني 28
استشهاد القديسة ميلاتيني العذراء

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك