إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الضمير هو مجرد صوت يوجه الإرادة نحو الخير ويبعدها عنها الشر ولكنه لا يملك أن يرغمها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 14 جـ2 PDF Print Email
- هل كان يمكن لأحدهم ألا يخاف إن كان بطرس أكثرهم ثقة وجراءة قيل له: "لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات" (يو ١٣: ٣٨)؟

فإذ حسبوا أنفسهم ابتداء من بطرس كمن مصيرهم الهلاك، لذلك اضطربوا. والآن إذ يسمعوا: "في بيت أبي مواضع كثيرة، وإلا فإني كنت قد قلت لكم، أنا أمضي لأعد لكم مكانًا" ينتعشون من اضطرابهم ويصيرون في يقين وثقة أنه بعد عبور مصائب التجارب يسكنون مع المسيح في حضرة الله.

فمع أن الواحد أقوى من الآخر، والواحد أحكم من الآخر، والواحد أبرّ من الآخر فإنه: "في بيت الآب يوجد مواضع كثيرة". لن يبقى أحد منهم خارج هذا البيت، حيث يتقبل كل واحدٍ موضعًا حسب استحقاقه.

الكل يتشابه في أخذ الفلس الذي أمر صاحب البيت أن يعطيه لكل من يعمل في الكرم، دون تمييز بين الذين عملوا أقل أو أكثر (مت ٢٠: ٩). هذا الفلس حتمًا يشير إلى الحياة الأبدية، حيث لا يعيش أحد مدة مختلفة عن الآخرين، إذ لا يوجد في الأبدية مقياس متباين. لكن المواضع الكثيرة تشير إلى درجات استحقاق كل واحدٍ في الحياة الأبدية الواحدة. فللشمس مجد، وللقمر مجد آخر، وللنجوم مجد آخر، نجم يمتاز عن نجم في المجد. هكذا يكون في القيامة من الأموات.

القديسون، مثل كواكب في السماء، ينالون في الملكوت مواضع متنوعة بدرجات مختلفة من البهاء. ولكن بناء على ذلك الفلس لا يُحرم أحد من الملكوت. وسيكون الله هو الكل في الكل (١ كو ١٥: ٤١، ٤٢) بطريقة معينة هكذا، التي هي الله محبة (١ يو ٤: ٨). سيحقق الحب هذا بالأمر العام (الملكوت) الذي هو عام بالنسبة للكل. فإنه بهذه الطريقة كل واحدٍ بالحقيقة يقتني هذا (الملكوت)، وإذ يحب أن يرى في الآخرين ما هو ليس لديه. لهذا لن يكون هناك حسد بين هذا البهاء المتنوع، حيث أن وحدة الحب تملك على الكل.

- ليذهب الرب ويعد لنا مكانًا. ليذهب فلا يُرى، وليبقى مختفيًا حتى نمارس الإيمان. بهذا يعد لنا المكان، الذي هو بالإيمان نحيا. لتكن لدينا الرغبة في الإيمان بهذا المكان حتى يُقتنى الموضع المُعد. الاشتياق إلى الحب هو الإعداد للمنزل. لتعد يا رب ما أنت تعده، فإنك تعدنا لك، وتعد ذاتك لنا، وذلك قدر ما تعد لك موضعًا فينا، ولنا فيك. إذ تقول: "اثبتوا فيّ وأنا فيكم" (يو ١٥: ١). وكما أن لكل واحدٍ شركة فيك، البعض أقل والبعض أكثر هكذا يكون التنوع في المكافآت حسب الاستحقاقات المختلفة.

القديس أغسطينوس

يتساءل القديس أغسطينوس كيف يعد السيد المسيح بأنه يذهب ليعد لنا مكانًا وفي نفس الوقت يقول: "في بيت أبي مواضع كثيرة"، أي معَدَّة بالفعل؟ يجيب على ذلك بأنه بالفعل قد أعدها مسبقًا بتدبيره من أجلنا، وأنه يتمم ذلك في شيء من التفصيل العملي الدقيق. وذلك كما نرى في الأناجيل السيد المسيح يختار تلاميذه ويقدم لهم الدعوة، ومع ذلك يقول الرسول: "اختارنا قبل تأسيس العالم" (أف ١: ٤). هكذا تم تعيينهم قبل تأسيس العالم بخطته الإلهية، وحقق ذلك عمليًا عندما تجسد ودعا التلاميذ والرسل.

"وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا آتي أيضًا وأخذكم إلي، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا". (3)

ذهاب السيد المسيح هو فتح للطريق، إذ يُعد الموضع، ويعطي حق العبور به إلى مملكة المجد الأبدي. إنه يعود بذاكرتهم إلى موكب الشعب القديم حيث كان يتقدمهم ليلتمس لهم منزلاً (عد ١٠: ٣٣)، هكذا يتقدمهم السيد ليعبر بهم مسيرة الثلاثة أيام، أي مسيرة القيامة، والنصرة على الموت، ليجد الكل مواضع في السماء!

يرى السيد المسيح القيادات الدينية مع الشعب وهم في اضطراب شديد يريدون الخلاص منه، ويصرخون: "اصلبه، اصلبه!" لذا أوصى تلاميذه ألا يلحق هذا الاضطراب بقلوبهم، فإنه بينما يضطرب العالم حوله للخلاص من يسوع، إذا به ينطلق بإرادته ليفتح باب المجد حتى لمقاوميه. إنه يود خلاص الجميع!

جاء التعبير "آخذكم إليَّ" في اليونانية يحمل فيضًا من الحب والشوق والانجذاب نحو السيد المسيح. هذا هو عمل الروح القدس الذي يسكب الحب في القلب، فيشتاق إلى اللقاء معه وجهًا لوجه، وأن ينضم إلى حضنهم، حيث يستدفئ بقوة حب المسيح الفائق له. ما ننعم به من جاذبية الآن إلى السيد وثبوت فيه هو عربون لما سنناله، ولكن لا يمكن أن يُقارن به.

قبل الله الكلمة أن يصير إنسانًا، وحلّ بيننا، وصار مواطنًا معنا في عالمنا، لكي يحملنا إلى وطنه السماوي ننعم بالشركة في الطبيعة الإلهية، ونُحسب أهل بيت الله (أف ٢: ١٩). صارت شهوة قلبنا أن نقول مع الرسول: "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا" (في ١: ٢٣)، نتبعه حيثما ذهب (رؤ ١٤: ٤). هذه هي طلبة العريس السماوي من أجل عروسه: "يكونون معي حيث أكون أنا" (يو ١٧: ٢٤)، أي تتمتع العروس بالخدر السماوي.

- كأن السيد المسيح يقول لتلاميذه: إنني قد حرصت من أجل هذا الأمر حرصًا جزيلاً، موضحًا أنه ينبغى عليهم أن يثقوا ويؤمنوا بذلك، ويترجوه جدًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم
 
2. المسيح طريق الراحة

"وتعلمون حيث أنا اذهب، وتعلمون الطريق". (4)

إذ تحدث معهم عن الصليب وقدم لهم جسده ودمه المبذولين، حسبهم السيد يعلمون أين هو ذاهب، وما هو الطريق الذي يسلكه، حيث يفتح بصليبه أبواب الدخول إلى حضن الآب السماوي.

إذ قدم لهم السيد المسيح الحياة السماوية المطوّبة كتعزية لهم وسط الآلام، أظهر لهم ما هو الطريق إلى هذه الحياة. يقول: "لقد عرفتم البيت السماوي، بيت أبيكم الذي تستقرون فيه، وعرفتم الطريق المؤدي إليه. لقد سبق فأخبرتكم عنه مرارًا بكل وضوح، وكان يليق بكم أن تعرفوه".

- قال هذا إذ كان يعرف أنفسهم أنها تطلب فيما بعد أن تعرف هذا المطلوب. وبقوله: "وتعلمون الطريق" أوضح الشهوة التي في نيتهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- علمنا أن في بيت أبينا مواضع كثيرة (يو 2:14) يقابل هذا حدد ما هي حالة الصلاح التي بلغها كل شخص يرفض الشر كعلاج.

فمثلاً الشخص الوارث بعض المواهب الصالحة منذ بدء حياته وخروجه من ممارسة الشر حديثًا إلى السلوك السوي والحق، يقابله شخص آخر بلغ إلى السلوك السوي والحق بالمثابرة والتقدم فيها.

بينما شخص ثالث نمى بواسطة رغبته في الخير، وأيضا شخص آخر يبقى مستمرًا بحزم في ارتفاعه إلى مستوى عالٍ في الفضيلة، وقد يتمكن شخص آخر أن يتقدمه في الارتفاع إلى مستوى أعلى.

وقد يسبق البعض هؤلاء، بينما يحاول آخرون بشدة في الارتفاع.

يقبل اللّه كل شخص حسب إرادته الحرة، ويرتب الاختيار حسب استحقاق كل شخص، فيمنح تعويضًا للأشخاص الأكثر نبلاً، ويعطى مكافآت لمن هم أقل مستوى.

القديس غريغوريوس النيسي

"قال له توما: يا سيد لسنا نعلم أين تذهب، فكيف نقدر أن نعرف الطريق؟" (5)

مع كل ما أعلنه السيد عن الصليب والقيامة، لكن لم يكن ممكنًا لهم إدراك ذلك، ربما ظنوا أنه يرتفع مثل إيليا بمركبة نارية، أو تحمله ملائكة إلى السماء، أو ينطلق إلى حضن إبراهيم الذي يشتهيه كل يهودي. تحيَّر توما في الأمر كما تحيَّر التلميذان اللذان كانا في طريقهما إلى عمواس حتى بعد أن أكد لهما النسوة قيامته.

بحديثه اللطيف معهم فتح مجال الحوار معه، فتحدث معه على الأقل تلميذان: توما وفيلبس. سأله توما عن الطريق دون أن يعتذر بأنه يناقض كلمات السيد المسيح القائل: "تعلمون الطريق" (4). لم يخجل توما من الاعتراف بأنه لم يفهم كلمات السيد، ولا عرف إلى أين هو ذاهب حتى يعرف الطريق، على خلاف بطرس الذي ظن أنه يقدر أن يذهب مع المسيح حتى وإن كانت التكلفة هي حياته ذاتها (يو ١٣: ٣٧).

حسن أن يعترف توما بجهله، لكنه ملوم لأنه يفكر في ملكوت أرضي، لذا ظن أن السيد يذهب إلى بلدٍ آخر. لهذا لم يعرف الطريق. لم يعرف إن كان يذهب إلى بيت لحم أو الناصرة أو كفرناحوم أو إحدى مدن الأمم، كما ذهب داود إلى حبرون لكي يُمسح ملكًا ويرد الملك لإسرائيل. هل ظن توما أن السيد المسيح سيذهب إلى عالم الأرواح غير المنظور... لا نعلم!

- قال بطرس ما قاله (أين تذهب؟ يو 18: 36) لا ليتعلم، وإنما ليتبعه. ولكن عندما انتهر بطرس وكشف المسيح أن ما هو ممكن يبدو الآن مستحيلاً (بأن يتبعه التلاميذ)، وظهرت الاستحالة في تحقيق ذلك قاده ذلك إلى الرغبة في معرفة الأمر بدقة لذلك قال السيد للآخرين: "وتعرفون الطريق". فإذ قال: "ستنكرني" (13: 39) قبل أن ينطق أحد بكلمة، إذ هو فاحص قلوبهم، قال:" لا تضطربوا". الآن إذ يقول هنا: "تعرفون" كشف عن الرغبة التي في قلوبهم، معطيًا إياهم عذرًا لسؤالهم. الآن ما قاله بطرس "أين تذهب" عن محبة خالصة، قاله توما عن جبنٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي". (6)

جال فكر توما هنا وهناك لعله يدرك إلى أين يذهب يسوع، كما جال فكر مرثا إلى اليوم الأخير عندما أخبرها السيد أن أخاها يقوم. وفي الحالتين، كما في أغلب المواقف إن لم يكن جميعها يسحب السيد المسيح أنظار السامعين إلى شخصه، قائلاً: "أنا هو". فهو الطريق والحق والحياة والقيامة والراعي والباب والخبز النازل من السماء، فيه كل كفايتنا. فالطريق ليس خارجًا عنه، والحق ليس له وجود بدونه، والحياة ليست إلاَّ فيه.

هو الطريق الذي إذ ندخله ندخل إلى الآب دون أن نخرج من الابن، لأن الابن في الآب، هكذا باتحادنا مع الابن ننعم بالاتحاد مع الآب.

إذ يقدم نفسه الطريق والحق والحياة لا يفصل بينهم، لأنه هو الكل لنا. هو الطريق، نؤمن به فنثبت فيه وهو فينا لينطلق بنا إلى حضن الآب، وهو الحق بروحه ينير أعماقنا فنكتشف الأسرار الإلهية الفائقة المعرفة، وهو الحياة إذ نقبل حياته حياة ممنوحة لنا. بهذا نتمتع بالدخول إلى الآب والتعرف عليه والتمتع به.

صحح السيد المسيح مفهوم توما، فأعلن له أنه هو الطريق الذي يقودهم إلى الآب وإلى معرفته. إنه الطريق بتعاليمه (يو ٦: ٨٦)، وبمثاله (١ بط ٢: ٢١)، وبذبيحته (عب ٩: ٨-٩)، وبروحه (يو ١٦: ١٣). إنه الطريق الذي فيه تتحقق كل الوعود الإلهية (٢ كو ١: ٢٠). لا يستطيع أحد أن يأتي إلى الآب إلاَّ به، ولا إلى معرفته ما لم يخبره الابن عنه.

إنه الطريق الذي تحدث عنه إشعياء النبي قائلاً: "وتكون هناك سكة وطريق يُقال لها الطريق المقدسة، لا يعبر فيها نجس بل هي لهم. من سلك في الطريق حتى الجهال لا يضل. لا يكون هناك أسد، وحش مفترس لا يصعد إليها، لا يوجد هناك، بل يسلك المفديون" (إش ٣٥: ٨-٩).

إنه الطريق الذي قدم فيه دمه ليعبر بنا إلى المقدس (عب ٩: ١٢)، فيه نتمتع بالصليب شجرة الحياة.

إنه الحق، الذي فيه كملت الظلال والرموز الواردة في العهد القديم. فهو المن الحقيقي النازل من السماء (يو ٦: ٣٢)، وخيمة الاجتماع (عب ٨: ٣).

إنه الحق الذي يبدد كل ما هو باطل وما هو خطأ.

إنه الحق الذي يحطم كل خداع؛ ففيه نجد الثقة الحقيقية والحقيقة (٢ كو ١: ٢٠).

هو الحياة والقيامة: "احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا" (رو٦: ١١).

إنه الطريق والحق والحياة، وكأنه هو البداية والنهاية وما بينهما. به نبدأ الحياة، ونسلك الطريق، ونبلغ إلى النهاية.

- إذن الطريق هو قوة اللَّه الفائقة، لأن المسيح هو طريقنا، الطريق الصالح، أيضًا هو الطريق الذي يفتح ملكوت السماوات للمؤمنين... المسيح هو بدء فضيلتنا، هو بدء الطهارة.

القديس أمبروسيوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 التالى
+ إقرأ إصحاح 14 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


20 توت 1737 ش
30 سبتمبر 2020 م

نياحة القديسة ثاؤبستى
نياحة البابا أثناسيوس الثاني 28
استشهاد القديسة ميلاتيني العذراء

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك