إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أقوال الأنبا باخوميوس اب الشركة

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 16 جـ3 PDF Print Email
"ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى برّ، وعلى دينونة". (8)

تحقق إرسالية الروح القدس إلى الكنيسة اهتمام السيد المسيح بها، فإنه متى جاء يهب البشرية حياة التوبة والرجوع إليه خلال الصليب. فهو وحده يقدر أن يدخل القلب ويمرر الخطية ويفضحها أمامه، فيرجع إلى عذوبة الشركة مع الله. إنه قادر أن يقنع القلب والفكر وكل أعماق الإنسان أن سعادته وسلامه وفرحه وخلوده وعدم فساده يكمن في الالتصاق بالمخلص لا بالخطية، وأن لذة العشرة مع الله لا تُقارن بأية لذة للخطية.

دُعي الروح القدس "الباركليت"، وهي كلمة يونانية قديمة "بارا" تعني الملازمة، و"كليت" تعني الدعوة للمعونة، فهو الملازم المعين، أو القائد المعزي، الشفيع المدافع. وتترجم "الباراكليت" في اللاتينية "أفوكاتوس"، وفي الفرنسية "أفوكات"، أي المحامي أو الشفيع المدافع.

هذا هو أساس شركتنا مع الثالوث القدوس، إنه شفيع عنا أمام الآب، يقدم حجته، ليخرج قضيتنا بالبراءة، ويصير لنا حق الشركة والتمتع بالأحضان الإلهية. ودفاع الروح القدس، دفاع قوي قادر ومجيد. لكنه دفاع بحقٍ، لا يتقدم في القضية مدافعًا عنًا زورًا أو بهتانًا، لأنه روح الحق، الذي يشهد للحق، بل هو الحق ذاته. فهو عادل في دفاعه، لا يتستر على خطايانا أو أخطائنا. في مؤازرته للخطاة (في 20:1)، لا يستر خطايانا أو يخفي آثارها بأوراقٍ من التين كما فعل آدم ويفعل بنوه، ولا يحابي الوجوه، ولا يطلب شركة بين النور والظلمة، أو البرّ والنجاسة، إنما هذا هو عمله، وهكذا يكون دفاعه عنا: إنه ينخس قلب الإنسان قبل أن يؤمن أو يسكن فيه مغيرًا طبيعته، ليعطيه الإيمان، ويهيئه لقبول عطية الروح القدس، وذلك كما حدث يوم الخمسين. "فلما سمعوا نُخسوا في قلوبهم، وقالوا لبطرس وسائر الرسل... توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس" (أع 37:2-39).

يرى القديس أغسطينوس أن الخطية العظمى هي عدم الإيمان بالمسيح مخلصًا للعالم، فمن لا يؤمن لا يقدر أن يتمتع بغفران خطاياه. لهذا فإن التبكيت على خطية يحمل معنى حث الإنسان على التخلي عن عدم إيمانه بالمسيح، بهذا ينفتح أمامه باب المغفرة.

وبينما بطرس يكلم كرنيليوس ومن معه "حلّ الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة... حينئذ أجاب بطرس أترى يستطيع أحد أن يمنع الماء حتى لا يعمد هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن. وأمر أن يتعمدوا باسم الرب" (أع 44:10-47).

إن كان الروح ينخس القلوب قبل العماد، أفلا ينخس قلوبهم بعدما يسكن فيها بسرّ الميرون؟! إن عمله هو التبكيت على الخطية ليتوب الإنسان ويعترف، وفي سرّ التوبة والاعتراف يغفر للإنسان عن خطاياه بالروح القدس الذي يغفر باستحقاقات دم المسيح أيضًا: "اقبلوا الروح القدس من غفرتم لهم خطاياهم غُفرت..." فالروح القدس بالنسبة لمن لم يؤمنوا أو للمؤمنين لا يتستر على خطاياهم، بل بالعكس إذ هو نور يكشف ويفضح الخطية أمام عيني الإنسان الداخلية، ويكشف آثامنا ومرارتها قدام قلوبنا، وفي نفس الوقت يكشف عمل الصليب وقوة حب اللَّه الجذابة.

من هنا يتقدم الروح القدس باعترافاتنا المملوءة نتانة، ويرفقها بالدم المسفوك مع دموع التوبة وصلوات الإيمان. وللحال يحكم بالبراءة للإنسان عن خطاياه السابقة، سواء في سرّ المعمودية أو سرّ التوبة والاعتراف.

- انظروا كيف يبدأ أولاً بانتهار الخطية... والتوبيخ، ليس من أجل اليهود وحدهم، بل بالأحرى لكل إنسان يكون عنيدًا ومقاومًا للباركليت. التوبيخ الثالث الذي للروح القدس لإدانة رئيس هذا العالم. سيشهد الباركليت لمجد المسيح، وسيظهر للعالم خطأه إن هجر (المسيح) وتعبد لذاك الذي بالطبيعة ليس الله، أي إبليس... الآن هو ليس رئيس هذا العالم بالحق، كمن يملك كرامة حاكم ورثها فيه، لكن إذ هو يتمسك بمجد هذا العالم بالخداع والعنف، ولأنه لا يزال يحكم هؤلاء خطأ، وبسبب شر إرادتهم يمارس سلطته عليهم.

القديس كيرلس الكبير

- تثور فينا الرغبة أن نفهم لماذا كما لو لم توجد خطية للإنسان سوى عدم إيمانه بالمسيح، إذ تحدث عنها وحدها هنا بأن الروح القدس يدين العالم عليها، مع أنه واضح أنه بجانب خطية عدم الإيمان توجد أنواع متنوعة من خطايا البشر، فلماذا يبكت الروح القدس العالم عن هذه وحدها؟ ذلك لأن بعدم الإيمان يُمسك بكل الخطايا، وبالإيمان تُغفر. لهذا فإن الله ينسب إليهم هذه الخطية فوق كل بقية الخطايا، إذ بها لا تُغفر بقية الخطايا مادام الإنسان المتكبر لا يؤمن بالله المتواضع. فقد كُتب: "الله يقاوم المتكبرين، ويعطي نعمة للمتواضعين" (أم ٣: ٣٤؛ يع ٤: ٦). هذه النعمة التي من الله هي هبة منه؛ لكن العطية العظمى هي الروح القدس نفسه، وقد دُعي "نعمة". فإنه إذ أخطأ الجميع وأعوزهم مجد الله، لأنه بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ودخل الموت بخطيته التي بها أخطأ الكل" (رو ٣: ٢٣؛ ٥: ١٢).

القديس أغسطينوس

يؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم أن الروح القدس كما الآب يشهدان للسيد المسيح لأجل خلاص العالم الذي وُضع في الشرير. حقا لقد قدم السيد المسيح تعاليم وعجائب، لكن الأشرار قاوموها. أما متى صعد إلى السماء، فيرسل روحه القدوس الذي يعمل في تلاميذ المسيح ورسله، ليكشف عن الحق، ويتمم أعمالاً عجيبة فائقة باسم المسيح، ويقوم بتبكيت العالم، لكي يدرك شره، ويقبل الرجوع إلى المخلص.

- "ومتى جاء ذاك يبكت العالم" [8]. بمعنى أنهم لا يفعلون هذه الأمور دون أن يُعاقبوا متى جاء ذاك. فإنه بالحق الأمور التي تمت فعلاً كافية أن تبكم أفواههم. ولكن متى تمت هذه الأمور أيضًا بواسطته (بعد صعوده) حينما تصير التعاليم أكثر كمالاً (بحلول الروح القدس)، والمعجزات أعظم (على أيدي الرسل)، يُدانون بالأكثر إذ يرون مثل هذه الأمور تتم باسمي، مما يجعل القيامة أكثر تأكيدًا.

الآن يمكنهم القول: هذا هو ابن النجار، ونحن عارفون بأبيه وأمه، ولكن حين يرون رباطات الموت قد انحلت، والشر يُنزع، والمعوجات الطبيعية تستقيم، والشياطين يخرجون، وفيض العون من الروح، وهذا كله يتحقق بدعوتي، فماذا سوف يقولون؟ يحمل الآب شهادة لي، وسيحمل الروح أيضًا شهادة مع أنه حمل شهادة في البداية، نعم وسيحملها وسيبكت.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يقول القديس أغسطينوس أن السيد المسيح نفسه يبكت العالم على خطية، كما في قوله: "لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية" (يو ١٥: ٢٢)، وعلى برّ، إذ قال: "أيها الآب البار العالم لم يعرفك" (يو ١٧: ٢٥)، كما يبكت على دينونة، إذ أعلن أنه سيقول للذين على اليسار: "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدة لإبليس وملائكته" (مت ٢٥: ٤١). وردت عبارات كثيرة في الإنجيل تؤكد أن السيد المسيح يبكت على هذه الأمور. لماذا إذن ينسب هذا للروح القدس كما لو كان هذا امتيازًا خاصًا به؟ يجيب القديس أغسطينوس أن الروح القدس ينسكب على قلوب التلاميذ (رو ٥: ٥)، فيهبهم المحبة التي تطرد الخوف خارجًا (١ يو ٤: ١٨)، فيصير لهم حق التوبيخ والتبكيت. ويكمل القديس حديثه: [كثيرًا ما أقول أن عمل الثالوث القدوس لا ينفصل، لكن كل أقنوم يقوم بدوره، ليس فقط بغير انفصالهم، بل وأيضًا دون خلط بينهم. فمن حقنا أن ندرك كلاً من وحدتهم وثالوثهم (تمايزهم) ].

"أما على خطية، فلأنهم لا يؤمنون بي". (9)


يوضح السيد المسيح دور الروح القدس في التبكيت على خطية قائلاً: "لأنهم لا يؤمنون" (9). إن كانت الخطية تملك على القلب، فليس من طريق للخلاص منها إلا بقدوم ملكٍ آخر قادر على إبادتها، وهو الإيمان بالمسيح الذي يملك على القلب. ملكت الخطية فصارت مصدر فساد ورجاسة، لذا صارت الضرورة ملحة للإيمان بالمخلص الذي ينزع الفساد والرجاسة، ويحتل عدم الفساد والقداسة الموضع. بالخطية كسر الإنسان الناموس وحلت اللعنة، وبالإيمان بالمسيح مكمل الناموس وحامل اللعنة عنا نتحرر من الحرف القاتل واللعنة لننعم بالروح المحيي والحياة المطوَّبة.

بلغت خطية اليهود القمة عندما لم يقبلوه بكونه المسيا المخلص مع أنه صنع العجائب التي سبق أن أعلن عنها الأنبياء (إش ٣٥: ٣-٦). عند حلول الروح القدس في يوم العنصرة اعترف جمع من اليهود بهذه الخطية، ورجعوا إلى الله (أع ٢: ٣٧).

- لأن هذه الخطية، كما لو كانت هي الخطية الوحيدة، وضعها قبل الخطايا الأخرى، لأن بالاستمرار فيها تُستبقى بقية الخطايا، وبنزعها تنزع بقية الخطايا.

القديس أغسطينوس

- يبكت "على خطية"؛ هذا يعني انه سيقطع كل أعذارهم، ويظهر أنهم عصوا عصيانًا فاحشًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأما على برّ، فلأني ذاهب إلى أبي، ولا ترونني أيضًا". (10)

أما عن التبكيت على برٍّ، فيقول السيد المسيح: "فلأني ذاهب إلى أبي، ولا تروني بعد" (١٠). أي يبكتهم على عدم إدراكهم لبرّ المسيح وقداسته، فقيامته وصعوده إلى السماء هما الدليل على برّه. لذلك إذ يصعد السيد إلى السماء يرسل روحه ليحمل قلوب البشرية إلى حيث المسيح جالس، فيتلامسوا معه ويختبروا برَّه فيهم، بل يصير المسيح لهم برًا.

تبكيت العالم على خطية يعني عمل الروح القدس في الكشف عن حقيقة العالم أنه خاطئ. وأما على البرٍّ فهو الكشف عن حقيقة ما فعله العالم بالمسيح، أي الصلب، فإن آلام المسيح المخلصة وصلبه هي لأجل تبريرنا. فالروح الذي ينير العينين ليدرك الإنسان خطاياه، ينيرهما أيضًا ليدرك قوة موت المسيح واهب البرّ.

لم يدرك اليهود قيمة موسى النبي كما ينبغي إلا بعد انتقاله من العالم، ولم يعرف الكثيرون برّ المسيح إلا بعد صعوده إلى السماء. حلول الروح القدس في يوم العنصرة حسب الوعد الإلهي هو برهان على مجد المسيح الجالس على يمين العظمة (أع ٢: ٣٣)، وهذا دليل على برِّه الإلهي.

يتساءل القديس أغسطينوس لماذا قال السيد المسيح أن الروح القدس يبكت على برْ لأنه ذاهب إلى أبيه. ويجيب بأن الكلمة عند تجسده ومجيئه من عند الآب أظهر رحمته علينا، وبصعوده إلى السماء وذهابه إلى الآب نقوم معه، ونطلب ما هو فوق حيث المسيح جالس. إنه جالس على يمين الآب، يجلس بكونه الرأس والجسد، وكأن الكنيسة وقد صارت جسدًا تتمتع ببرْ المسيح، حيث صار لها حق الجلوس في السماء عن يمين الله.

لذلك يليق بنا ألا نحسب أنفسنا منفصلين عن ذاك البرْ الذي يشير إليه الرب نفسه، قائلاً: "عن البرْ، لأني ماضٍ إلى الآب". فإننا نحن أيضًا نصعد مع المسيح، ونحن مع المسيح رأسنا، الآن بالإيمان والرجاء إلى حين، لكن رجاءنا يكمل في القيامة الأخيرة من الأموات. لكن حين يكمل رجاؤنا يكمل أيضًا تبريرنا. والرب الذي كمل هذا أظهر لنا في جسده (أي في رأسنا) الذي فيه قام وصعد إلى الآب ما يلزمنا أن نترجاه. فقد كُتب: "أُسلم من أجل خطايانا، وأُقيم لأجل تبريرنا" (رو ٤ : ٢٥). إذن العالم قد دين على خطية في الذين لم يؤمنوا بالمسيح، وعلى بره في الذين قاموا في أعضاء المسيح. فقد قيل: "فنصير برّ الله فيه" (٢ كو ٥: ٢١). فإننا إن لم نكن فيه فلا طريق للبرّ. أما فيه فيذهب بنا بالكامل إلى الآب، ويتحقق فينا البرّ الكامل.

القديس أغسطينوس

- لقد ترك الرسول الأمر واضحًا: يلزمنا أن نؤمن أن عمل الآب وعمل الابن هو عمل واحد.

القديس أمبروسيوس

- عندما يُوبخ بار (معتد ببره)، فإنه يُوبخ على خطية وليس على برّ. لهذا يجب ملاحظة إن هذا النطق الإلهي: "لا تكن بارًا بزيادة" (جا ٧: ١٦، 20)، لا يخص برّ الإنسان الحكيم، وإنما كبرياء الإنسان المتعجرف. فالإنسان الذي يصير "بارًا بزيادة"، بهذا الزيادة عينها يصير غير بارٍ. فإنه يجعل نفسه بارًا بزيادة بقوله أنه بلا خطية، وتصوره أنه صار بارًا ليس بنعمة الله، وإنما بالاكتفاء بإرادته الذاتية. وهو ليس بارًا بالحياة البارة بل بالأحرى باكتفائه بالتصور بما هو ليس عليه.

القديس أغسطينوس

- "على برّ، فلأني ذاهب إلى أبي، ولا ترونني أيضًا" (10). بمعنى: "لقد أظهرت حياة بلا لوم، وهذا برهان إني ذاهب إلى الآب". إذ كانوا على الدوام يحتجون ضده بأنه ليس من الله، ولذا دعوه خاطئًا وعاصيًا، لذلك يقول أن الروح سينزع عنهم أيضًا هذا العذر. فإن كان يبدو عليّ إنني لست من الله اظهروا لي إني عاصٍ؛ عندما يعلن الروح أنني ذاهب عنده، ليس إلى حين بل أسكن هناك، لأن القول "لا ترونني أيضًا" يعبر عن هذا؛ فماذا سوف يقولون إذن؟ لاحظوا كيف أنه بهذين الأمرين أزال شكهم الشرير، لأنه لا تُنسب المعجزات إلى شريرٍ، ولا البقاء مع الله يخص خاطئًا. لذلك لا تقدرون بعد أن تقولوا إن هذا الإنسان شرير، وأنه ليس من الله.

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 التالى
+ إقرأ إصحاح 16 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


19 توت 1737 ش
29 سبتمبر 2020 م

اليوم الثالث من أيام عيد الصليب المجيد
تذكار إصعاد القديس غريغوريوس البطريرك الأرمني من الجب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك