إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان القوى ليس هو الذى ينتصر على غيره بل القوى هو الذى ينتصر على نفسه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 17 جـ5 PDF Print Email
3. طلبة من أجل حفظهم

"ولست أنا بعد في العالم، وأما هؤلاء فهم في العالم، وأنا آتي إليك. أيها الآب القدوس احفظهم في اسمك. الذين أعطيتني ليكونوا واحدًا كما نحن". (11)

"ولست أنا بعد في العالم" كأنه يقول: إنني علي وشك أن أترك العالم حسب الجسد، فهم محتاجون إلى عونٍ خاص ومساندة. محتاجون أن أقدمهم لك لكي تحفظهم في الحق.

إذ يطلب من أجل حفظهم يدعو الله: "أيها الآب القدوس". عطيته الثمينة لأبنائه هي القداسة، ليصيروا قديسين كما هو قدوس. إنه يبغض الخطية، لذا يحوط بأبنائه كي لا تتسرب إليهم، وهم بدورهم كأبناء له لا يطيقوا الخطية، ويرتعبون منها كأخطر عدو يواجههم.

"احفظهم في اسمك": إذ ينتسب المؤمنون إلى الله القدوس، فمن أجل كرامة اسمه يحفظ أبناءه، وليس لأجل استحقاقهم الذاتي. إذ هو صاعد إلى السماء عند الآب يحمل أسماء مؤمنيه كما على الصدرة، كرئيس الكهنة الأعظم السماوي، يدخل بهم إلى العرش، يحمل لهم كل حبٍ وحنوٍ. لن ينساهم فإن أسماءهم منقوشة على كفه، مختومة على صدره، قائمة داخل قلبه. لقد سبق فأخبر بطرس الرسول أنه سأل من أجله حتى لا يسقط في الخطر المحدق به وهو لا يعلم (لو ٢٢: ٢٣)، قائلاً: "طلبت من أجلك". وهو المخلص يطلب عن تلاميذه لكي يحفظهم الآب بلا عثرة كل أيام حياتهم، ويكونوا دومًا تحت رعايته ووصايته الأبوية، حتى نشاركه ذات الحب، فلا نكف عن الصلاة الدائمة لأجل خلاص الكثيرين وبنيان النفوس وحفظها ونموها في الرب.

إذ يعلن الابن أن الآب أعطاه المختارين ليكونوا له، حيث يقدم الابن دمه كفارة عن العالم كله، يعود يقدم الابن بالحب هؤلاء المؤمنين إلى الآب القدوس، سائلاً إياه: "احفظهم في اسمك". لم يطلب لهم الغنى، ولا المجد الزمني، ولا النصرة الأرضية، لكنه يطلب منه أن يحفظهم في اسمه من الخطية والعالم الشرير، حتى يجتازوا أيام غربتهم، ويبلغوا إلى حضن الآب. يطلب حفظهم في الوصية الإلهية في اسم الآب، مع التمتع بروح الوحدة.

"الذين أعطيتني ليكونوا واحدًا كما نحن". يربط السيد المسيح بين القداسة والوحدة الحقيقية، فحيث توجد القداسة يُوجد الحب الفائق الذي يوّحد، وحيث توجد الخطية يُوجد الحسد والخصام والبغض والانقسام. من ينعم بالقداسة التي من فوق يتمتع بالوحدة على مستوى علوي، فيصير القديسون واحدًا متشبهين بالوحدة بين الثالوث القدوس.

إذ يطلب من الآب أن يحفظهم في اسمه، إنما يعني فيه وفي الإيمان به. أما غاية هذا الإيمان أو هذا التعليم فهو أن يتمتعوا مع كل المؤمنين بالوحدة. يصيروا جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا متشبهين بوحدة الآب مع الابن. هكذا يتمجد الآب فيهم.

- "ولست أنا بعد في العالم" (11)، بمعنى "مع أنني لا أعود أظهر في الجسد لكنني أتمجد بواسطتهم". ولكن لماذا يقول على الدوام: "لست في العالم" وأنني "إذ أتركهم أعهد بهم إليك" وأنه "إذ كنت في العالم كنت أحفظهم؟ لأنه إذ فهم إنسان هذه الكلمات بمعانيها البسيطة فسيلحقه سخافات كثيرة. إذ كيف يُعقل القول أنه لا يعود بعد في العالم، وأنه إذ يرحل يعهد بهم إلي آخر؟ إذ أن هذه كلمات إنسان مجرد يفارقهم أبديًا... لقد أظهر بهذه الكلمات أنه نطق بها هكذا ليهبهم راحةً وفرحًا.

- قال: "احفظهم في اسمك" أي احفظهم في معونتك.

- هذا ما تشككوا فيه... قدم نفسه لأفكارهم، ليأخذوا نفسًا صغيرًا عندما يسمعونه يقول هكذا، ويسلمهم إلى رعاية الآب. فإذ بعد سماعهم نصائح كثيرة لم يستجيبوا دخل في حوارٍ مع الآب معلنًا حنوه عليهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

بعد تحول القديس غريغوريوس النزينزي إلى الإيمان المسيحي وجحده للعالم انبهر فجأة ببهاء الثالوث القدوس الذي حفظه فيه وهو بعد في هذا العالم، إذ يقول: [منذ اليوم الذي فيه جحدت أمور العالم لكي أكرس نفسي للتأمل المنير السماوي، عندما حملني التفكير السامي ليضعني بعيدًا عن كل ما يخص الجسد، ويخفيني في أماكن خفية في الخيمة السماوية؛ منذ هذا اليوم وعيناي قد أصيبتا بعمى بنور الثالوث، الذي يتعدّى بهاؤه قدرة الذهن على إدراكه، إذ يشرق على الكل من العرش الممجد جدًا بأشعة مشتركة للثالوث لا يمكن وصفها. هذا هو مصدر كل ما هو هنا تحت، وقد انفصل بالزمن عن الأمور العلوية... من هذا اليوم مُت عن العالم ومات العالم عني].

- لقد أعلن أنه ليس بعد في العالم، أي بحضوره الجسدي... لقد أوصي الآب الاهتمام بأولئك الذين أوشك أن يتركهم بغيابه الجسدي، قائلاً: "أيها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذي أعطيتني". إنه كإنسان يطلب من الله لحساب تلاميذه الذين استلمهم منه.

القديس أغسطينوس

"حين كنت معهم في العالم كنت احفظهم في اسمك. الذين أعطيتني حفظتهم، ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك ليتم الكتاب". (12)

"كنت أحفظهم في اسمك"، رأينا أنه كثيرًا ما يستخدم الكتاب المقدس تعبير "اسم الله" بمعنى "الله نفسه". فغاية الكلمة المتجسد أن يحفظ مؤمنيه في الآب، بتقديم نفسه لهم بكونه الحق الإلهي. يطلب السيد المسيح حفظ مؤمنيه، كما حفظ هو تلاميذه وهو على الأرض لكي لا يهلك منهم أحد إلاَّ ذاك الذي أصر أن يكون ابنا للهلاك. هكذا يطلب من أجل المؤمنين أيضًا لكي يحفظهم الآب القدوس ليتمموا رسالة الإنجيل المقدسة ويشهدوا للحق الإلهي.

لم يهلك منهم أحد سوى الذي أصر على أن يصير ابنا لإبليس المخادع، فصار ابنا للهلاك بإرادته. لقد نال نعمة التلمذة لكنه أفسد العطية بإرادته الشريرة، ومحبته للمال. يدعو يهوذا "ابن الهلاك" لأنه سحب نفسه من التمتع بالعضوية في الأسرة الإلهية، أن يكون ابنًا لله، وأصر على البنوة لإبليس المدمر والمهلك. إنه "ابن الهلاك"، لأنه لم يرد خلاص نفسه، بل أفسد بإرادته الشريرة العطايا الإلهية المقدمة له، وفتح قلبه لسلسلة من الخطايا كالطمع والخيانة واليأس.

"ليتم الكتاب"، إذ تنبأ عنه الكتاب المقدس كما في (مز ٤١: ٩؛ ١٠٩: ٨). وفيه تحققت الرموز كخيانة أخيتوفل لداود الملك، وأبشالوم لأبيه، تحققت في صورة أبشع في يهوذا الخائن.

- قال السيد المسيح للآب: "حين كنت معهم في العالم كنت احفظهم في اسمك". يتكلم بمنزلة إنسان ومثل نبي، ولا يظهر أنه يفعل شيئا باسم الله.

وقال: "الذين أعطيتني حفظتهم، ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك، ليتم الكتاب". وفي موضع آخر يقول: "من كل الذين أعطيتني بالتأكيد لا أتلف منهم أحدا" (راجع 6: 39). مع هذا لم يهلك (الخائن) وحده، وإنما هلك بعد ذلك كثيرون، فكيف يقول: لا أتلف قط أحدا"؟ فمن جانبي أنا لا أتلف. وفي موضع آخر يعلن عن الأمر بأكثر وضوح:" لا أطرد أحدًا" (راجع 6: 37). وكأنه يقول: ليست علة الهلاك مني، ولا أنا أهملتهم، فإن ابتعدوا بإرادتهم لا أجتذبهم عن إلزام.

- "ليتم الكتاب"... لا لكي يتحقق الكتاب... ولكن هذا هو أسلوب الكتاب المقدس الذي يضع الأمور في تطابق مع بعضها البعض كما لو كانت قد حدثت بسبب كتابتها.

القديس يوحنا الذهبي الفم
- يقول إذ أنا آتٍ إليك احفظهم في اسمك، الذي فيه أنا حفظتهم حين كنت معهم. في اسم الآب حفظهم الابن كإنسان يحفظ تلاميذه حين كان بجانبهم في حضوره الجسدي، لكن الآب أيضًا حفظ الذين سمع لهم في اسم الابن واستجاب لصلواتهم المقدمة باسم الابن. إذ قال الابن نفسه لهم: "الحق الحق أقول لكم إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم" (يو ١٦: ٢٣). لكننا لا نأخذ هذا بمفهومٍ جسدانيٍ، أنهما يتناوبان معًا على حفظنا، كما لو أن الواحد يخلف الآخر عندما يرحل. فإننا نُحفظ في نفس الوقت بواسطة الآب والابن والروح القدس، الذين هم الله الواحد الحقيقي المبارك.

القديس أغسطينوس

"أما الآن فإني آتي إليك، وأتكلم بهذا في العالم، ليكون لهم فرحي كاملاً فيهم". (13)

إذ يكمل السيد المسيح رسالته على الصليب ويقوم من بين الأموات، يذهب إلى الآب حيث يجد الآب مسرته في هذا، ويفرح الابن بعمله الخلاصي. إنه يسأل أن يتمتع مؤمنوه بفرحه. بصعوده حمل شعبه بروح الحب، وسجل أسماءهم كرئيس الكهنة السماوي على الصدرة، ليدخل بها إلى قدس الأقداس السماوي؛ بل حملهم في قلبه ثابتين فيه كما هو ثابت فيهم، ونقشهم بمسامير الصليب على كفيه. فإن كان لم يعد بعد منظورًا لهم لأنه في السماء، لكنه ليس بعيدًا عنهم ولا هم عنه، إنه في قلوبهم كما هم في قلبه وفكره، مشغول بهم حتى يدخل بهم إلى حضن أبيه.

من يقبل إرادة الله الصالحة وكلمته الصالحة يتوقع مقاومة العالم بإرادته الشريرة وكلمته الشريرة. لذلك يطلب السيد المسيح لتلاميذه بل ولكل أعضاء كنيسته أن يتمتعوا وهم في هذا العالم بفرحه كاملاً. هذه هي مشيئة السيد المسيح وشهوة قلبه أن يتمتع كل مؤمنٍ بالفرح السماوي الكامل غير المتقطع. إنه يتركهم وسط الدموع والآلام والتجارب، لكنه يحقق في داخلهم فرحه الفائق للطبيعة.

ليتنا في وسط دموعنا نرفع أعيننا لنرى مسيحنا يطلب لنا من أبيه أن ننعم بفرحه الكامل. إنه وعد إلهي نلتزم أن نسمعه بروح الإيمان والصمت والهدوء ونتمسك به ونناله. من يحفظ كلمة المسيح بصبرٍ يتمتع بحماية إلهية خاصة في ساعة التجربة (رؤ ٣: ١٠). هذا ما تحقق عمليًا حيث كان الشهداء يتهللون بفرح عظيم وسط آلامهم.

فرح المسيح هو عطية إلهية، نعمة مجانية، وفي نفس الوقت وصية نلتزم بها. تُقدم للمجاهدين فيها، لذا يوصينا الرسول: "أخيرًا يا اخوتي افرحوا في الرب" (في ٣: ١). "افرحوا في الرب في كل حين، وأقول أيضًا افرحوا" (في ٤: ٤).

من يسلك في العالم بفكر السيد المسيح يتشكل بروحه القدوس ليكون أيقونة له يسلك على اثر خطواته، لا ينشغل بأمور العالم، ولا يكرس حياته لخدمته، مثل هذا يقدم له الآب حماية من أجل ابنه القدوس.

"ليكون فرحي كاملاً فيهم": غاية حديثه مع المؤمنين أن يسكب فرحه الإلهي فيهم. مسيحنا هو فرحنا الأبدي الكامل، وهو مصدر الفرح وسيد البهجة الحقيقية. بدونه يذبل كل فرح، لأنه مرتبط بالعالم الزائل. أما فرح المسيح فأبدي على مثاله. وهو موضوع سرور الآب لذلك يطلب المسيح ذلك منه.

دون شك أن الشركة مع الأحياء تعطي نوعًا من السعادة، والحرمان منها يسبب حزنًا وألمًا. الآن جاء الوقت ليعلن لهم السيد أنه سيفارقهم حسب الجسد، ولن يعودوا يتمتعوا بالاجتماع معه بذات الكيفية التي مارسوها أثناء سنوات خدمته العلنية على الأرض. هذه العزلة ليست مصدرًا للحزن بل للفرح. إنهم يتمتعون بحضوره في وسطهم وفي داخلهم، حيث يسكن في قلوبهم ويبعث فرحه الكامل فيهم، يصير فرحه هو فرحهم، فيختبروا الفرح الكامل.

- يقول إن الفرح الذي له الممنوح لهم بواسطته يجب أن يكمل فيهم. ولهذا الهدف أعلن أنه تكلم في العالم. هذا هو سلام العالم العتيد وتطويبه بنوال ما يجب أن نحياه في الحاضر باعتدالٍ وبرٍّ وتقوى.

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 17 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


18 توت 1737 ش
28 سبتمبر 2020 م

اليوم الثانى لعيد الصليب المجيد
استشهاد القديس بروفوديوس الخيالي قرن الأول للشهداء
استشهاد القديس اسطفانوس القس والقديسة نيكيتي

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك