إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

المسيح على الصليب أكثر جمالاً وجلالاً من كل أصحاب التيجان فلنغنى له ونقول " الرب قد ملك لبس الرب الجلال "

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 18 جـ2 PDF Print Email

"فأخذ يهوذا الجند وخدامًا من عند رؤساء الكهنة والفريسيين، وجاء إلى هناك بمشاعلٍ ومصابيحٍ وسلاحٍ". (3)

كيف لم يخجل يهوذا من مواجهة السيد المسيح وهو يقود أعداءه ضده، مرتدًا عن التبعية له، والشركة مع تلاميذه؟ هذا هو فعل الخطية، وهذا هو عمل إبليس. أن يصير للخاطئ ما هو أشبه بجبهة زانية لا تعرف الحياء. قاد يهوذا هذا الموكب الضخم، ولعله طلب هذا العدد لإشباع طموحٍ فيه كقائدٍ له وزنه وكرامته.

خرجت فرقة (teen speiran) cohort وهي تعادل عُشر فيلق (legion). يرى البعض أن تعداد الفيلق 6٠٠٠ شخصًا، غير أن البعض يرى أن عدد الفيلق لم يكن ثابتًا ولا أقسامه كفرقٍ متساوية. فرقة الجند هنا هم العسكر الرومان الذين يقدمهم الحاكم لحماية الهيكل، وأما الخدام فهم الذين ينتسبون إلى السنهدرين. ويقدر البعض الجند والخدام (جند الهيكل) بحوالي ٥٠٠ شخصًا، والبعض يظنهم ألفًا، أما الذين حول السيد في البستان فكانوا غالبًا إحدى عشر. فكثرة الجمهور لا تعني صدق الطريق؛ كثيرًا ما تكون القلة القليلة هي الأمينة المخلصة في علاقتها مع الله. ولعل الجند جاءوا بالسيوف، وأما الخدام فجاءوا بالعصي.

ربما يتساءل البعض: لماذا كل هذا العدد للقبض على السيد المسيح؟ لقد اعتاد الرومان أن يستخدموا أعدادًا كبيرة من الجند لممارسة عملٍ صغيرٍ. ففي أعمال الرسل نجد 200 جنديًا و70 فارسًا و200 حاملي حراب في حراسة الأسير بولس في الطريق (أع 23: 23). هذا وقد كان يُخشى حدوث ثورة شعبية بالقبض عليه.

لم تكن هذه جماهير شعبية جاءت اعتباطًا، وإنما كانت قيادات، وجاء مسئولون من الهيكل ومن البلاط للقبض عليه. اتحدت الكنيسة الشكلية الحرفية مع قوات الظلمة ضد الحق. وجاء الحشد خليطًا من قيادات يهودية متنوعة مع جند من الأمم الرومان، وخدام يهود، كل يحمل عداوة تجاه المجموعة الأخرى، لكنهم اتحدوا في مقاومة السيد المسيح، تصالحوا عندما دخل السيد المسيح طريق الألم، لكي يقدم الكل أعضاء في جسده المتألم الممجد.

في الليل انطلق السيد المسيح قائد المعركة ضد قوات الظلمة، ليذهب إلى أرض المعركة، معلنًا خروجه للصليب. انطلق مع تلاميذه إلى موضع معروف، إلى البستان كما في موكبٍ. ذهب في خطة مرسومة ينتظر موكبًا متواطئًا مع الظلام. كان ينتظر يهوذا مع موكب الظلمة كمن في شبه موعدٍ معه، وفي مكانٍ معروفٍ لديه. لم يتهرب السيد المسيح من موكب الظلمة، كما توارى سابقًا حين رفع اليهود الحجارة ليرجموه وهو يُعَّلم في الهيكل، فاختفى وخرج من الهيكل مجتازًا في وسطهم (يو 8:58).

خرجوا بمصابيح ليلقوا القبض على يسوع، آدم الثاني، مع أن القمر كان كاملاً. لقد ظنوا أنه ربما يختبئ بين الأشجار كما اختفى آدم الأول في جنة عدن وراء الشجر من وجه الله. جاءوا بالمشاعل ليوقدوها لعلهم يرون الشمس المشرقة في وسط البستان! أرادوا بالمصابيح أن يروا "شمس البر". حملوا سيوفًا وأسلحة لئلا يقاوم آدم الثاني أو تلاميذه، ولم يدركوا انهم بهذا يستلون السيوف ضد أنفسهم. جاء الموكب مستعدًا، لعلهم خشوا من خسوف القمر لذلك حملوا المشاعل والمصابيح، وخشوا أن يُوجد مع تلاميذه أسلحة، لذلك جاءوا مسلحين مستعدين للدخول في معركة.

ليس عجيبًا أن نجد ذات الفكر عبر العصور، فيتهم العالم الكنيسة بأنها تريد أن تقيم دولة داخل دولة، مع أن أسلحتها روحية، ومملكتها ليست من هذا العالم.

يذكر الإنجيلي يوحنا وحده دون سائر الإنجيليين "الجند"، أي فرقة من الحرس الرومانيين المرابطين في أورشليم، جاءوا مع خدام من عند رؤساء الكهنة والفريسيين للقبض على السيد المسيح. وكأن روما نفسها، أي عاصمة العالم، قد دخلت طرفًا في الدعوى ضد يسوع الناصري.

- إنها كتيبة، ليست من اليهود بل من العسكر. هنا نفهم أن الأمر تم عن طريق الحاكم كما لو كان من أجل أمان الشخص المجرم، ولحفظ مراسيم السلطة القانونية الشكلية، ولردع أية محاولة للمعتقل أن يقاوم. وفي نفس الوقت وُجدت جماعة ضخمة قد اجتمعت، وجاءت مسلحة لبث الرعب أو للهجوم ضد أي شخص يحاول الدفاع عن المسيح.

القديس أغسطينوس

- هؤلاء كثيرا ما أرسلوا للقبض عليه لكنهم لم يكونوا قادرين. لكن في هذه المرة واضح أنه سلم نفسه لهم بإرادته. كيف أغروا الكتيبة؟ لقد كانوا جنودا يفعلون أي شيء من أجل نوال مال.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- من هو الخروف الذي قلب نفسه ذئبًا، وبدأ يعض الراعي الصالح؟!

- لماذا بالغش نسيت تلك الموهبة التي أعطاك إياها ربنا كما أعطى بطرس ويوحنا؟!

- ارتعبوا أيها الحكماء من القبلات الغاشة، فإنه بواحدة منها عُلق ابن اللّه على خشبة.

القديس يعقوب السروجي

"فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه، وقال لهم: من تطلبون؟" (4)

واجه السيد المسيح الجموع الثائرة المسلحة بلطف ورقة سائلاً إياهم: "من تطلبون؟" بلا شك سبق أن رآه كثيرون من خدام الهيكل حين كان يذهب هناك، لكن خشية حدوث أي خطأ قام يهوذا بتقبيله، لأنه يعرفه أكثر منهم. وإذ رأوه لم يعرفوه ليؤكد لهم أن مصابيحهم لن تنفعهم شيئًا. وحين عرَّفهم ذاته لم يستطيعوا القبض عليه ليدركوا أن سيوفهم بلا قيمة ما لم يسلم نفسه إليهم.

- هكذا لم ينتظر أن يعرف ذلك من مجيئهم بل تحدث وعمل بغير ارتباكٍ إذ هو عالم بكل شيء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أجابوه: يسوع الناصري. قال لهم يسوع: أنا هو. وكان يهوذا مسلمه أيضًا واقفًا معهم". (5)

عندما أرادوا أن يقيموه ملكًا اختفى (يو ٦: ١٥)، وحينما أرادوا صلبه قدم نفسه لهم، فقد جاء إلى العالم لكي يحمل أثقالنا على الصليب. التقى بهم في هدوء وسكينة وكان يجيبهم بكل لطفٍ: "أنا هو". وهو اسم الله الممجد وسط شعبه (خر ٣: ١٤). لقد وطأوا عليه كدودة لا إنسان (مز 22: 6)، ولم يدركوا أنه يهوه ذاته.

عندما سُئلوا عمن يطلبون أجابوا: "يسوع الناصري". كل ما يعرفونه عنه أنه "يسوع الناصري". ولعلهم استخدموا هذا اللقب للاستهانة به، أنه من الناصرة، وللتغطية على أنه المسيح المنتظر. حقًا لم يعرفوه، لأنهم لو عرفوا رب المجد لما صلبوه. لم يستغل السيد المسيح عدم معرفتهم له أو عماهم، كما فعل أليشع ضد قوات آرام (السريان) حيث قال لهم إنه هذا هو الطريق ليدخل بهم إلى المدينة. في نظر القديس يوحنا الإنجيلي تعثر اليهود في يسوع بسبب هويّته أنه "الناصري".

- تعثّر فيه نثنائيل في بداية خدمة السيد المسيح، إذ قال لفيلبس: "أمنَ الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟" (يو 46:1).

- وحينما تحدّث مع الجماهير عن نفسه أنه الخبز السماوي قالوا: "أليس هذا هو يسوع الذي نحن عارفون بأبيه وأمه" (راجع يو 38:6-42)، حيث يشيرون بهذا إلى يوسف الناصري.

- وحين تدخّل نيقوديموس للدفاع عن السيد المسيح قال بعض المتشككين: "ألعلّ المسيح من الجليل يأتي؟... لم يقم نبي من الجليل" (يو 41:7، 52). فتعثّروا فيه، لأنه من مدينة ناصرة الجليل.

- للمرة الرابعة في البستان في سخرية قالت الجماهير إنها تطلب يسوع الناصري.

- وأخيرًا للمرة الخامسة عندما كان يسوع ممددًا على الصليب كمجرمٍ محكومٍ عليه بالموت جاء عنوان علته: "يسوع الناصري ملك اليهود" (يو19:19).

أرأيت قدرة السيد المسيح أن تحارب عنه، إذ كيف كان في وسطهم فأعمى عيونهم. والدليل على أن ظلام الليل لم يكن السبب في ذلك، هذا أوضحه البشير، إذ قال عن يهوذا: "وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح". لو لم يكن معهم مشاعل لوجب أن يعرفوا السيد المسيح من صوته، فإن كان أولئك يجهلونه، فكيف يجهله يهوذا الملازم معه على الدوام، لأنه كان واقفًا معهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فلما قال لهم اني أنا هو، رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض". (6)

قال: "أنا هو"، وهو اسم الله المجيد (خر ٣: ١٤) الخاص بإعلان حضرته في وسط شعبه. تعبير أنا هو ego eimi، في اليونانية يدل على ثمة "ذات" مهيبة وغير مدركة تُزيح الستار عن نفسها، كما جاء في الاصحاح الثامن حين قال يسوع: "قبل أن يكون إبراهيم أنا هو ego eimi" (يو58:8)، أو "أنا كائن" وليس "كنت". وإذ قال إنه هو، رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض، لا حول لهم ولا قوة، كمن هزهم رعد شديد أو صعقهم برق. كان يمكنه أن يأمر الأرض فتنشق وتبتلعهم كما حدث مع قورح وداثان وجماعتهما (عد 16: 49)، لكن عاد فسلم نفسه إليهم بعد أن قدم حماية لتلاميذه. بهذا أكد للكل أنه سلم نفسه للموت بكامل إرادته. أراد أن يدركوا ضعفهم لعلهم يتوبون، ولم يكن يعاقبهم على ما فعلوه، فإن العقاب أصعب من أن يحتملوه. هذا كله لم يحرك قلوبهم للتوبة، ولا نسبوا ما حدث لهم إلى قوة السيد المسيح، بل كملوا طريق شرهم بقلوب جاحدة حجرية.

لقد صنعت آية في اللحظات الأخيرة قبيل تسليم نفسه، ومع هذا لم تستجب قلوبهم، لأنهم لم يطلبوا الحق الإلهي، وإنما سلكوا حسب أهوائهم البشرية، وطلبوا ما هو للناس وليس ما هو لله. فالمعجزة لا تحرك القلب إلا إذا كان القلب حتى في عماه يشتهي أن يتعرف على النور، وأن يسلك فيه.

يقول القديس أغسطينوس إنه إن كان قد فعل ذلك عندما أُلقي القبض عليه ليُحاكم، فماذا يفعل عندما يأتي لكي يحاكم؟

- رب المجد الذي استهان بالخزي واحتضن الآلام في الجسد لم يهجر حرية إرادته، إذ يقول: "انقضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أقيمه" (يو 2: 19). مرة أخرى: "ليس أحد يأخذ حياتي مني، بل أنا أضعها بنفسي". "لي سلطان أن أضعها، ولي سلطان أن آخذها" (راجع يو 10:18). ولما اقترب منه المسلحون بالسيوف والعصي في ليلة آلامه، جعلهم يتراجعون إلى الوراء بقوله: "أنا هو" (يو 18: 6؛ خر 3: 14). مرة أخرى عندما طلب منه اللص وهو يموت أن يذكره، اظهر سلطانه الجامعي بقوله: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 24). حتى في لحظات آلامه لم يتخلَ عن سلطانه.

القديس غريغوريوس النيسي

- صوته وحده الناطق "أنا هو" بدون أسلحة ضرب الجمع الغفير وأثبطهم وأسقطهم أرضًا مع كل وحشية كراهيتهم ورعب أسلحتهم. فإن الله مخفي في الجسد البشري، واليوم كان (النور) الأبدي غامضًا هكذا في تلك الأذرع البشرية حتى أنهم بحثوا عنه بمشاعل ومصابيح ليقتلوه بالظلمة.

- حقًا لقد بحثوا عنه في ثورتهم الجنونية للموت، لكنه هو أيضًا إذ سلم نفسه للموت كان يبحث عنهم. لهذا إذ أظهر سلطانه للذين لهم الإرادة (أن يقتلوه)، وليس السلطة أن يمسكوه. ليتهم الآن يمسكوه لكي يعمل بإرادته في الذين لم يعرفوها.

القديس أغسطينوس




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 18 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


18 توت 1737 ش
28 سبتمبر 2020 م

اليوم الثانى لعيد الصليب المجيد
استشهاد القديس بروفوديوس الخيالي قرن الأول للشهداء
استشهاد القديس اسطفانوس القس والقديسة نيكيتي

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك