إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لا تخل قلبك من ذكر الله أبدا لئلا تغفل قليلا فينتصر عليك الأعداء المترصدون لإصطيادك

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 18 جـ7 PDF Print Email
"فخرج بيلاطس إليهم وقال: أية شكاية تقدمون على هذا الإنسان؟" (29)

حمل بيلاطس بعض الصفات الجميلة، فمن جانب لم يرفض أن يقوم بدوره كقاضٍ في الصباح المبكر، مع أنه كان يمكنه أن يطلب انتظارهم حتى يحل الوقت المناسب لقيامه بالمحاكمة. ومن جانب آخر كان متواضعًا، فإذ رفضوا الدخول إلى دار ولايته لئلا يتنجسوا كان يمكنه ألا يخرج إليهم، بل يطلب منهم إما أن يدخلوا إليه أو يرجعوا إلى بيوتهم، أو يؤجلوا المحاكمة إلى ما بعد العيد، حتى يمكنهم المثول بين يديه. وأيضًا طلب بحث الأمر وتوضيحه، متسائلاً عن طلب الشكاية ضد يسوع، وما هو الاتهام ومدى صحته.

- ألا ترون أنه متحرر من الولع بالحكم ومن الخبث؟ فإنه إذ رأى يسوع مقيدًا، يقتاده كثيرون، لم يظن أن هذا فيه برهان كاف لاتهامهم له، إنما سألهم عن الاتهام، حاسبا أنه لأمر غريب أن يحكموا ويصدروا العقوبة دون أية محاكمة من جانبه، فلماذا يقولون هذا؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

تساؤل بيلاطس لا يعني عدم معرفته للشكوى ضد السيد المسيح، لكنه كحاكمٍ يلتزم أن تسير كل الأمور بترتيب ونظام.

هذا ومن جانب آخر فإن تساؤل بيلاطس سبب إحباطًا للقيادات، إذ هم يعلمون أنه حسب الشريعة يسقط المجدف تحت حكم الموت، أما حسب القانون الروماني فإن التجديف على الإله الذي يعبده اليهود لا يبرر الحكم بالموت، إذ لا يحسب ذلك جريمة عظمى.

حقا لقد اشترك الجند الرومان مع جند الهيكل في القبض على يسوع المسيح، مما يدل على وجود نوع من التعاون أو التشاور بين السلطات الدينية والمدنية، ولعله لهذا لم تستعد السلطات الدينية للمحاكمة بوضع صحيفة اتهام ليسوع المسيح. سواء اشترك بيلاطس في تدبير القبض على السيد المسيح أو لم يشترك، فإنه كحاكم روماني كان يعتز بحبه لممارسة العدالة وتطبيق القانون والسير في الإجراءات القانونية بطريقة لائقة.

"أجابوا وقالوا له: لو لم يكن فاعل شر لما كنا قد سلمناه إليك". (30)

سألهم بيلاطس بكل تهذيب عن شكواهم ضد يسوع، هذا ما يقتضيه واجبه كموظفٍ في المملكة، وفي نفس الوقت أظهر انزعاجه أمام هذا الشعب الصاخب. أما إجابتهم فجاءت تكشف عن عجزهم عن إثبات دعواهم ضده، مع اصرارهم بشراسة. لم يكونوا قادرين على تقديم اتهام صريح كأن يكون خائنًا للبلد أو قاتلاً أو مسببًا للشغب، لكنهم قدموا اتهامًا عامًا وهو أنه "صانع شر". كانوا يزجّون بيلاطس رغمًا عنه لتنفيذ رغبتهم، أما هو فكان يود ألا يشترك في ذلك.

كان المدعون غير مهذبين في حوارهم مع بيلاطس، فقد خرج إليهم وسألهم عن الاتهام، أما هم ففي عجرفة لم يقدموا اتهامًا، بل حسبوا سؤاله أشبه بعدم ثقة فيهم وفي حكمهم، إذ "قالوا: لو لم يكن فاعل شر لما كنا قد سلمناه إليك". لم يرد اليهود أن يكون بيلاطس هو القاضي الذي يحكم، وإنما المنفذ العملي لما أصدروه هم. كأنه من حقهم أن يحكموا وليس من حق الوالي أن يتعرف على الاتهام أو يناقشهم في حكمهم. هم يحكموا وهو يلتزم بالتنفيذ، الأمر الذي لا يقبله عقل.

- يا له من جنون! لماذا لم تشيروا إلى أفعاله الشريرة عوض إخفائها؟ لماذا لا تبرهنون على الشر؟ ألا ترون أنهم كانوا يتجنبون الاتهام المباشر من كل جانب، إذ كانوا عاجزين عن النطق بشيءٍ؟ سأله حنان عن تعليمه وسمع له، فأرسله إلى قيافا. وبدوره سأله قيافا، وإذ لم يكتشف شيئًا أرسله إلى بيلاطس. بيلاطس يقول: "أية شكاية تقدمون على هذا الإنسان؟" ولا هنا وجدوا ما يقولونه... عندئذ ارتبك بيلاطس.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فقال لهم بيلاطس: خذوه أنتم وأحكموا عليه حسب ناموسكم. فقال له اليهود: لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا". (31)

ربما ظنت القيادات الدينية اليهودية أنه مجرد تسليم شخص يهودي للحاكم المستعمر فيه كل الكفاية على التحقق من شره وجريمته؛ إذ لا يمكن لقيادة دولة مُستعمرة أن تسلم الحاكم المستعمر شخصًا للحكم عليه بالقتل بلا سبب. لكن هذا الفكر لا يناسب الحاكم الروماني الملتزم بتطبيق القانون ومراعاة الإجراءات القانونية السليمة. لقد حسب هذا نوعًا من الفوضى، لهذا قال لهم: "إن كان قد كسر ناموسكم، فأحكموا أنتم حسب ناموسكم، هذا أمر ليس من اختصاصي، ولا يشغل الرومان في شيء". لم يرد الرومان أن ينشغلوا بالقضايا المحلية للمستعمرات، بل يتركوها في أيدي قياداتهم والمحاكم المحلية الوطنية مادامت لا تمس أمن الدولة.

يرى البعض أن بيلاطس هنا يذكرهم بسوء تصرفاتهم واستغلال سلطتهم، لذلك نزعت عنهم الدولة الرومانية حق الحكم بالموت على شخصٍ ما. وكأنه يقول لهم: بسبب إساءة استخدام السلطة نزعت عنكم الدولة حق الحكم بالموت، فلماذا تحكمون على يسوع هذا، وتطلبون مني التنفيذ دون محاكمة فعلية؟ خذوه أنتم واحكموا عليه إن كان ذلك في سلطانكم، وإما قدموا الدعوى ودعوني أبحث الأمر وأفحص الاتهام حتى لا أشارككم خطأكم.

يرى د. لايتفوت Lightfoot أنه قد حُرم اليهود من حق إصدار حكم الإعدام حوالي ٤٠ عامًا قبل خراب أورشليم، كما اعترفوا هم بذلك عدة مرات. قيل أن مجمع السنهدرين تحت تأثير بعض القادة الدينيين كانوا إلى فترة طويلة يرفضون الحكم بالموت على يهودي كابن لله مهما كان لصًا أو فاعل شر. فازداد عدد المجرمين واللصوص. انتشر الشر، وصارت الشريعة كما في سبات لا تتحرك نحوهم، فتركوا للحاكم - حتى وإن كان وثنيًا - أن يتصرف مع المجرمين. كان ذلك بسماحٍ إلهي، لأنه لو أصدر السنهدرين الحكم بالموت على شخص يسوع كفاعل شرٍ أو مجدفٍ الخ وقاموا بالتنفيذ، لحكموا عليه بالرجم لا بالصلب. وكان لابد لعتقنا من لعنة الناموس أن يرفع ابن الإنسان على الصليب لأنه ملعون من عُلق على خشبة.

لم يكن من حق اليهود الحكم بالإعدام صلبًا، لكن كان من حق مجلس السنهدرين أن يحكم بالرجم. فلا نتعجب من إحضار امرأة أمسكت في الزنا يطلبون من السيد المسيح حكمه عليها، إذ كان يلزم رجمها حسب الشريعة الموسوية. لم ينقض السيد المسيح الشريعة، لكنه طالبهم بوجود شخصٍ واحدٍ برئ من الخطية يلقيها بأول حجر، فلم يوجد. مرة أخرى نسمع عن استفانوس الشماس وأول الشهداء إذ رجمه اليهود دون أخذ إذن بذلك من السلطات الرومانية (أع 7: 57).

- قال اليهود لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا، أي أنه لا يجوز لهم ذلك في هذا الوقت، إذ كانوا قد ارتكبوا كثيرًا من حالات القتل، وقد أظهر ذلك ما فعلوه بالشهيد إستفانوس الذي رجموه بالحجارة، إلا أنهم اشتهوا أن يصلبوه لكي يشهروا بموته.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ليتم قول يسوع الذي قاله، مشيرًا إلى أية ميتة كان مزمعًا أن يموت". (32)

لقد رفضت القيادات اليهودية الحكم على السيد المسيح بالرجم، لأن هذا يثير الجماهير، خاصة وقد اكتظت المدينة بالجماهير من بلاد كثيرة، ولعل بعضهم سمعوا عن شخص السيد المسيح وأرادوا اللقاء معه. أما متى تم الحكم خلال الحاكم فلا تقدر الجماهير أن تثور، وربما تتشكك في أمر يسوع، لأن الحكم صدر عن هيئة غير دينية.

أما من الجانب الأهم فإن صلبه كما رأينا يحقق خطة الله التي سبق فكشف عنها خلال الناموس والأنبياء.

8. حوار مع بيلاطس

"ثم دخل بيلاطس أيضًا إلى دار الولاية، ودعا يسوع وقال له: أنت ملك اليهود؟" (33)

لماذا سأله بيلاطس؟ توجد آراء كثيرة.

1. يرى البعض أن بيلاطس بدأ يتلامس مع شخص السيد المسيح ويدرك أنه شخص غريب له تقديره واحترامه، حتى وإن سُلم إليه كسجين ومطلوب قتله. في داخل الولاية بعيدًا عن قادة اليهود والجماهير الثائرة سنحت الفرصة لبيلاطس أن يختلي مباشرة بالرب يسوع. وكأن السيد المسيح وقد رفضته خاصته انتقل إلى العالم الروماني الخارجي ليُعلن عن ذاته له.

2. يرى آخرون أنه كقاضٍ يبحث عن العدالة والحق التزم أن يسمع كل الأطراف حتى يتحقق من صحة الاتهام ضد يسوع أو بطلانه.

3. آخرون يحسبون أنه تكلم في شيءٍ من السخرية، فمادام يسوع ينطق بالحق، ففي سخرية يسأله: ما هو هذا الحق في ذهنك؟ ربما حمل هذا السؤال نوعًا من الاستخفاف، بمعنى: هل أنت هو ملك اليهود، المسيا الذي ينتظرونه ليخلصهم من الاستعمار؟ هل أنت ملك اليهود الذين يبغضونك ويسلمونك للموت؟ هل أنت الملك الشرعي وقيصر الملك الفعلي؟

في رأي هذا الفريق أن لم يرد أن يجيب على سؤال بيلاطس لأنه لم يسأل من أجل التعرف على الحق، وإنما كنوع من السخرية، فلم يرد أن يقدم اللآلئ أمامه.

- لرغبة بيلاطس أن يتخلص من معاداة اليهود له لم يهملهم، مقدمًا محاكمة طويلة المدى، فدخل "ودعا يسوع".

القديس يوحنا الذهبي الفم
 
"أجابه يسوع: أمن ذاتك تقول هذا؟ أم آخرون قالوا لك عني؟" (34)

بقوله هذا واضح أن بيلاطس كان مترددًا بين شوقه للتعرف على شخص المسيح، وما سمعه عنه إن كان صاحب سلطان حقيقي أم لا، وبين ما سمعه من أقوال متضاربة من اليهود. وكأن السيد المسيح يطالبه أن يفكر في الأمر جديًا ليتعرف على شخصه.

- لم يسأل السيد المسيح بيلاطس سؤالاً لجهله بما في ضميره، لكنه سأله مريدًا أن يوبخ اليهود... لقد وبخ بيلاطس، وكأنه قال له: "إذ قد سمعت هذا الذي قاله اليهود، فلماذا لا تستقصي في البحث؟"

القديس يوحنا الذهبي الفم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 18 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


20 توت 1737 ش
30 سبتمبر 2020 م

نياحة القديسة ثاؤبستى
نياحة البابا أثناسيوس الثاني 28
استشهاد القديسة ميلاتيني العذراء

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك