إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إن المؤمن لا يمكنه أن تتعبه التجربة أو الضيقه ذلك لأنه يؤمن بعمل الله و يؤمن أن الله يهتم به أثناء التجربة أكثر من اهتمامه هو بنفسه انه يؤمن بقوة الله الذي يتدخل في المشكلة و يؤمن أن حكمة الله لديها حلول كثيرة مهما بدت الأمور معقدة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 18 جـ8 PDF Print Email
"أجابه بيلاطس: ألعلي أنا يهودي؟ أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إليّ، ماذا فعلت؟" (35)

لم يقتنع بيلاطس من الموقف، ففي استهتار قال له بأن الأمر لا يشغله، إنه يخص اليهود، ولا يخصه هو. لقد تنحّى بيلاطس على مسئوليته معلنًا أنه ليس بيهودي، وأن الذي سلمه هو أُمّته ورؤساء الكهنة، وأن ما يقوم به إنما من قبيل المسئولية كقاضٍ.

- هنا أراد أن يتنصل من الأمر. وإذ قال له: هل أنت ملك؟ وبخه يسوع مجيبًا إياه: "هذا سمعته من اليهود، فلماذا لم تبحث الأمر بدقة؟ لقد قالوا إني فاعل شر، اسألهم أي شر فعلته. لكنك لم تفعل هذا، بل ببساطة قدمت اتهامات ضدي".

القديس يوحنا الذهبي الفم

"أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم، لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا". (36)

- اقتاد بيلاطس إلى فوق، ذاك الذي لم يكن شريرًا جدًا، ولا على شاكلتهم، فأراد أن يظهر له أنه ليس إنسانًا مجردًا بل الله، ابن الله.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ أخذ الكلمة شكل عبد لا ينكر أنه الملك صاحب الكرامة والسلطان، ليس حسب فكر اليهود، ولا حسب فكر بيلاطس، إنما مملكته في أعماق القلوب، تحكم القلوب والأذهان بكونه الحق الإلهي. لقد فهم بيلاطس من كلماته أنه يحسب نفسه ملكًا مع أنه يقف أمامه كسجينٍ متهمٍ، ومطلوب إعدامه من رؤساء أمته. أكد السيد المسيح أن مملكته ليست من هذا العالم:

أولا: إنها لا تقوم في هذا العالم كممالك البشر الممتدة عبر البحار والأرض (دا ٧: ٣؛ رؤ ١٣: ١، ١١). عاصمة مملكته أورشليم المدينة التي من عند الله النازلة من السماء (رؤ ٢٢: ٢).

ثانيًا: طبيعة مملكته ليست أرضية، فهي مملكة داخل قلوب البشر (لو ١٦: ٢١)، تنشأ في القلوب والضمائر (رو ١٤: ١٧)، غناها روحي، وإمكانياتها روحية، ومجدها من الداخل.

ثالثا: حراسها ليسوا أرضيين، وأسلحتهم روحية، لا يحتاجون إلى أسلحة أرضية زمنية، لهذا منع تلاميذه من أن يدافعوا عنه. جاءت إجابة السيد المسيح أن مملكته ليست من هذا العالم، وإلا كان له جيش يدافع عنه، تُرضي بيلاطس جزئيًا، فإن السيد لن يدخل في القضايا الخاصة بهذا العالم، وخاصة اقتناء السلطة، لكنه في نفس الوقت هو ملك على مستوى أعظم من ممالك العالم.

رابعًا: خطتها ليست زمنية، لذا لم يسمح لتلاميذه أن ينسحبوا إلى المجد الباطل والعظمة البشرية.

خامسًا: سكانها ومواطنوها ليسوا من هذا العالم، يسلكوا في العالم، لكنهم ليسوا منه، يتمتعون بميلادٍ روحيٍ جديدٍ، ويسلكون بروح الله، ويتمتعون بالحكمة الإلهية، ويغتنون بالغنى الإلهي.

رآه إشعياء النبي بروح النبوة ملكًا على الشعوب بالصليب فقال: "هوذا قد جعلته شارعًا للشعوب رئيسًا وموصيًا للشعوب" (إش ٥٥: ٤). مملكته ليست كممالك العالم التي فيها "صار الحق معدومًا" (إش ٥٩: ١٥).

كأن أجابه السيد المسيح لبيلاطس هي أنه ليس ملكًا حسب فكر بيلاطس، أي ملك سياسي كسائر ملوك الأمم، أو كملك يخلص شعبه بالثورة ضد روما. وفي نفس الوقت هو الملك السماوي ليس من هذا العالم، فلا يحتاج إلي جيشٍ يدافع عنه، ويثبت سلطانه. حتمًا لم يكن بيلاطس قادرًا على إدراك هذا التمييز، لذا ربما استخف بإجابة السيد، أو شعر بنوع من الارتباك الفكري والعجز عما يعنيه المتهم أمامه. فإنه لم يسبق له أن يسمع مثل هذا.

- لقد أبطل ما كان يخشاه بيلاطس منذ قليل، أي الشك في أن ينال سلطانًا ملوكيًا, فهل مملكته أيضًا ليست من هذا العالم؟ حتمًا إن مملكته أيضًا في العالم، فكيف يقول: "ليست من هذا العالم"؟ ليس لأنه لا يحكم هنا، وإنما لأن إمبراطوريته هي من فوق، إنها ليست إمبراطورية بشرية، بل أعظم بكثير من هذا وأكثر سموًا. فإن كانت أعظم، فكيف صار أسيرًا؟ برضاه وتسليم نفسه. لكنه لا يعلن عنها حاليًا، إنما ماذا يقول؟ "لو كانت مملكتي من هذا العالم، لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم" (36). أظهر هنا ضعف المملكة التي بيننا، إذ تعتمد قوتها على الخدام، أما المملكة التي من فوق ففيها الكفاية ولا تحتاج إلي شيء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- تعالوا إلى الملكوت الذي ليس من هذا العالم.

تعالوا، آمنوا، ولا تسقطوا في جنون الغضب خلال الخوف.

لقد قال حقًا بالنبوة على لسان الله الآب: "أنا أقمت منه ملكًا على صهيون جبل قدسي" (مز ٢: ٦)، على جبل صهيون وليس ملكًا على العالم. لأنه ما هو ملكوته إلا أولئك الذين يؤمنون به، والذين يقول لهم: "أنتم لستم من العالم، كما إني لست من العالم"؟ ومع هذا فهو يرغب في أن يكونوا في العالم لكي ما يتحقق ما قاله عنهم للآب: "لست أسأل أن تأخذهم من العالم، بل أن تحفظهم من الشرير" (يو ١٧: ١٥).

- لقد كانوا من العالم طالما لم يكونوا من مملكته؛ كانوا مُنتسبين إلى رئيس هذا العالم. كل البشرية كانت من العالم؛ حقًا خُلقت بواسطة الله الصالح، لكنها وُلدت من آدم ككتلة فاسدة تحت الدينونة، ثم صارت مملكة لا تعود تنتسب للعالم، هذه التي تجددت بالمسيح. لأنه هكذا أنقذنا الله من سلطان الظلمة، ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته (١ كو ١: ١٣)، عن هذه المملكة يقول: "مملكتي ليست من هذا العالم"، أو "مملكتي ليست من هنا".

القديس أغسطينوس

"فقال له بيلاطس: فأنت إذا ملك؟ أجاب يسوع: أنت تقول إني ملك، لهذا قد ولدت أنا، ولهذا قد أتيت إلى العالم، لأشهد للحق. كل من هو من الحق يسمع صوتي". (37)

في كلمات نارية يؤكد السيد المسيح نفسه ملكًا يشهد للحق، وأن من هو من الحق يسمع له (37). إنه ملك بالميلاد الأزلي من الآب، بكونه الكلمة الإلهي. لكن هذا الحق لن يقدر أن يقبله إلا من هم من الحق وفي الحق. بيلاطس نفسه لم يكن قادرًا على إدراك هذه الحقيقة ولا أن يستمع لصوته.

جاء السيد المسيح لكي يشهد للحق، فقد عرف العهد القديم الله أنه "إله الحق" (مز 31: 5؛ إش 65: 16). بينما نقرأ في العهد الجديد "الحق الذي لله" (رو 15: 8)، الذي استبدله الوثنيون بالباطل أو الكذب (رو 1: 25)، حيث يبدو أن الحق هو كيان الله الجوهري. ويقول يسوع المسيح: "أنا هو الحق" (يو 14: 6).

"كل من هو من الحق": نقرأ في هذا السفر عمن هم: "من الحق"، ومن هم "من الأرض" (3: 31)، ومن هم "من العالم" (15: 19)، ومن هم "من الله" (8: 37)؛ ومن هم "من إبليس" أبيهم (8: 44)، ومن هم من أسفل، ومن هم من فوق (8: 23). هكذا يميز السفر بين فريقين: فريق ينتسب لفوق، للسماء، لله، للحق؛ وفريق صار منتسبًا لأسفل للأرض، لهذا العالم الشرير ولإبليس. وليس من فريقٍ ثالثٍ يقف بينهما.

- إن كان قد وُلد ملكا، فإن كل سماته الأخرى هي بالميلاد، ولم ينل شيئا إضافيًا. فعندما تسمع: "كما أن الآب له الحياة في ذاته، هكذا أعطي للابن أيضًا أن تكون له الحياة" (5: 26)، لا يُحسب سوى للميلاد، وهكذا بالنسبة لبقية السمات.

- عندما قالوا إنه فاعل شر، ولم يكونوا قادرين على إثبات ذلك وقف صامتًا. ولكن عندما سئل بخصوص المملكة تحدث مع بيلاطس معلمًا إياه، وقائدا إياه إلى الأمور العلوية. ولكن لماذا سأل بيلاطس في غير حضورهم، وإنما في معزل عنهم إذ دخل به إلى دار الولاية؟ لقد توقع أمرًا عظيمًا من جهة، وأراد أن يدرك كل الأمور بدقة بعيدًا عن متاعب اليهود... أجابه: "مملكتي ليست من هذا العالم"، بمعنى: "إني بالحقيقة ملك، ولكن ليس كما يتوقع شخص مثلك، بل أسمى من ذلك بكثير جدًا"، مشيرًا بهذه الكلمات وتلك التي تليها أنه لم يفعل شرًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- ليس كل من يسمع صوتي هو من الحق، وإنما من هو من الحق يسمع صوتي، أي لأن هذه عطية تُمنح له من الحق. ما هذا سوى أنه بالهبة السخية التي للمسيح يؤمن بالمسيح؟

القديس أغسطينوس

"قال له بيلاطس: ما هو الحق؟ ولما قال هذا خرج أيضًا إلى اليهود، وقال لهم: أنا لست أجد فيه علة واحدة". (38)

قدم بيلاطس سؤالاً هامًا للغاية: "ما هو الحق؟" لكنه لم ينتظر الإجابة بل خرج إلى اليهود يعلن أنه لم يجد فيه علة واحدة. ربما قدم السؤال عن اشتياقٍ حقيقيٍ لمعرفة الحق، لكن انشغاله في أعماله لم يعطه الفرصة ليتمتع بالإجابة واختبار الحق. هذا ما نفعله كثيرًا في صلواتنا حين نطلب من الله ولا ننتظر إجابته علينا.

ظهر بيلاطس كصديقٍ لشخص يسوع، أحبه وتأثر به، فقد أعلن عن براءته علانية، وأنه لم يجد فيه علة تستوجب حكم الموت. وحين ألزموه أكد لهم أنه لا يفعل هذا من عنده، لكن هذا حكمهم عليه. وقد حاول بكل الطرق أن يفتح لهم بابًا للتراجع عما حكموا به عليه.

من الصعب تقييم شخصية بيلاطس، فواضح أنه كان مقتنعًا تمامًا ببراءة يسوع المسيح، وأنه قد سُلم إليه حسدًا وخبثًا. وأنه كان يخشى هياج الشعب عليه إن أطلقه. يمكن القول أنه كان يشتاق أن يعمل بالعدل والحق، لكن دون أن يسبب له ذلك مشاكل أو اضطرابات. فهو غير مستعد لأية تضحية من جانبه للوقوف في صف العدل والحق.

"ولكم عادة أن أطلق لكم واحدًا في الفصح، أفتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود". (39)

كانت هذه العادة نوعًا من التكريم لعيد الفصح، كذكرى للتحرر من عبودية فرعون. لكنهم حولوا ما هو للتكريم إلى كسرٍ للناموس: "مبرئ المذنب ومذنب البريء كلاهما مكرهة للرب" (أم ١٧: ١٥).

- لاحظوا كيف عمل بحكمة. إنه لم يقل: "حيث أنه مخطئ ومستحق للموت، سامحوه كهبة للعيد"، وإنما إذ برأه أولاً من كل جريمة سألهم بعد ذلك إن كانوا لا يسقطون قضيته بكونه بريئًا فإنه حتى كمخطئ يغفرون له بسبب الزمن (العيد).

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لسنا نلومكم أيها اليهود على إطلاق المجرم في وقت الفصح، بل على قتلكم للبريء. ومع ذلك فلِمَ لم يحدث هذا لما تحقق الفصح الحقيقي، بل بقي ظل الحق قائمًا باليهود المخطئين. وبتدبير الحكمة الإلهية العجيبة تحقق الحق الذي لذاك الظل، وذلك بواسطة المضلين. فإنه لكي يُحفظ الفصح الحقيقي اُقتيد المسيح كشاةٍ للذبح كذبيحة.

القديس أغسطينوس

"فصرخوا أيضًا جميعهم قائلين: ليس هذا بل باراباس، وكان باراباس لصًا". (40)

لم يجد بيلاطس علة واحدة يحاكمه عليها، ولكي يُوجد للثائرين منفذًا اقترح عليهم أن يطلق هذا البريء بمناسبة عيد الفصح؛ وبالرغم من سلطانه الشرعي لم يستطع أن يقف بيلاطس أمام هياج الجماهير التي طالبت بإطلاق اللص باراباس وليس يسوع. طلبوا أن يُطلق باراباس اللص ويُقتل يسوع، فإن باراباس لا يقدر أن يسرق منهم كرسي موسى الذي جلسوا عليه، أما يسوع ففي نظرهم قد سحب الكرسي من تحتهم، وسرق منهم تقاليدهم الخاطئة.

والعجيب أن باراباس في الآرامية تعني "ابن الآب"، وهو رجل اشتهر بسفك الدماء وفعل المنكرات. هنا يرفض العالم "ابن الآب" الحقيقي ليطلق من له الاسم وحده مع احترافه اللصوصية. وقد جاءت كلمة "لص" في السريانية archilesstees وتعني "رئيس عصابة". يرى البعض أن باراباس كان يقتاد عصابة لصوص سفكت دماء كثيرة وهددت الحاكم الروماني (لو ٢٣: ١٩).

لقد فضلوا اللص رمز الخطية عن القدوس البار، في غباوة كثيرًا ما يفضل الإنسان شهوات جسده عن التمتع ببرّ المسيح.


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 التالى
+ إقرأ إصحاح 18 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


17 توت 1737 ش
27 سبتمبر 2020 م

تذكار الاحتفال بالصليب المجيد بكنيسة القيامة سنة 43 ش في عهد الملك قسطنطين البار
استشهاد القديس قسطور القس
نياحة القديسة ثاؤغنسطا
نياحة القديس المعلم جرجس الجوهري

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك