إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

العقل السليم القوى يفحص ويدقق فى كل ما يسمعه ، يفحصه ويحلله ويقبل منه ما يقتنع به ويرفض الباقى ولا يكون مثل ببغاء عقله فى أذنيه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 19 جـ1 PDF Print Email

صلب يسوع المسيح


لاحظنا في الأصحاحات السابقة أن الإنجيلي يوحنا لم يمل إلى سرد التاريخ، إذ يهدف نحو الكشف عن شخصية يسوع المسيح بكونه كلمة الله المتجسد الذي جاء لأجل خلاص العالم. أما وقد بدأ يتحدث عن صلب السيد فلم يعبر على الأحداث التاريخية بقدر ما قدم شخصية السيد المسيح المصلوب كفادٍ للبشرية. إنه يعتز بالصليب ويفتخر به.

1. محاكمته أمام بيلاطس ١ - ١٥.

2. الحكم بالصلب ١٦ - ١٨.

3. عنوان علته ١٩ - ٢٢.

4. توزيع ثيابه ٢٣ - ٢٤.

5. اهتمامه بأمه ٢٥ - ٢٧.

6. تقديم خل له ٢٨ - ٢٩.

7. تسليم الروح ٣٠.

8. طعنه بالحربة ٣١ - ٣٧.

9. دفنه ٣٨ - ٤٢.

1. محاكمته أمام بيلاطس

"فحينئذ أخذ بيلاطس يسوع وجلده". (1)

حاول بيلاطس أن يطلق السيد المسيح إذ وثق من براءته، وظن أنه يمكنه تحقيق ذلك، إذ اعتاد أن يطلق لهم سجينًا في وقت الفصح، لكنه أمام ثورة الجمهور فشل. مع هذا فلا يزال بيلاطس مقتنع بأنه ليست ثمة جريمة حقيقية يمكن أن تُنسب إلى يسوع المسيح. استخدم وسيلة أخرى، بأن سمح لجنوده أن يجلدوه ويسخروا منه كملك، حتى يؤكد للجمهور أنه لا حول له ولا قوة، فيعفوا عنه.

يقدم لنا الإنجيلي عرضًا لمحاكمة السيد المسيح المملوءة ظلمًا، فالمدَّعون أنفسهم كانوا في حالة ارتباكٍ، والقاضي كان مرتبكًا جدًا بين شعوره بالظلم الساقط على شخص يسوع وبين ثورة الجماهير عليه، وادعاء أنه يقيم نفسه ملكًا، لأنه يقاوم قيصر. فشلت محاولة بيلاطس في تبرئة يسوع، فالتزم أن يواصل سير الدعوى حسب الأصول المرعيّة. كان لابد من التعامل معه بقسوة، وذلك بسبب خطورة الاتهام وطبيعته. أول تنازل من جانب بيلاطس أمام عناء الجماهير أنه أمر بجلد يسوع، فعامله الجنود كصانع فتنة، مع أمله في إظهار براءة يسوع على الصعيد القانوني.

لم يكن بيلاطس جادًا في الحكم بالعدل، فمع إدراكه أن يسوع بار حكم عليه بالجلد كمجرم (1). يذكر لوقا الإنجيلي أن بيلاطس قال للجماهير أنه يؤدبه ويطلقه. وكأن غاية بيلاطس هو جلده مترجيًا أن يتراجع اليهود عن طلبهم الخاص بصلبه بعد أن تأكد أنه ليس ما يستوجب صلبه (لو ٢٣: ١٦).

يبدو أن الجلد قد تم حسب النظام الروماني وهو أعنف بكثير منه حسب النظام اليهودي. كان من عادة الرومان جلد المقدمين للصلب. من أجلنا قبل السيد المسيح ذلك، وكما جاء في إشعياء: "بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والبصق" (إش ٥٠: ٦). ويقول المرتل: "على ظهري حرث الحراث، طوَّلوا أتلامهم" (مز ١٢٩: ٣). كما سبق السيد المسيح نفسه فقال: "ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه" (مت ٢٠: ١٩؛ راجع مر ١٠: ٣٤؛ لو ١٨: ٣٣). يقول القديس بطرس أن بجلداته شفينا (١ بط ٢: ٢٤)، فقد جُلد الطبيب لكي يُشفى المرضى. احتمل الجلدات من أجلنا، لكي يجد المؤمنون مسرتهم في احتمالهم الآلام من أجله، ومشاركتهم إياه آلامه وصلبه (أع ٥: ٤١؛ ١٦: ٢٢، ٢٥).

كان الجلد عقوبة مرعبة، حيث كان يستخدم السوط من عدة سيور توضع بها قطع معدنية أو عظام، حتى متى جُلد الشخص يتهرأ جسمه، وتظهر أحيانًا شرايينه وبعض طبقات جسمه الداخلية كما يخبرنا يوسابيوس المؤرخ. ويروي لنا الكاتب الروماني شيشرون Cicero أن الجلد أحيانًا يؤدي إلى الموت. وكان الجلادون الرومان قساة لا يعرفون الرحمة. ولعله بسبب الجلدات لم يحتمل يسوع المسيح أن يحمل الصليب حتى موضع الصلب، ويبرر البعض موته سريعًا على الصليب بسبب الجلدات القاسية. هذا ونلاحظ أن الإنجيليين أشاروا إلى جلد السيد كحقيقة تمت دون الحديث عن مدى آلامه أثناء الجلد.

استهان السيد بكل أنواع العذابات والسخرية من أجل محبته لنا وشوقه لخلاصنا، حتى نحسب شركتنا معه في عاره وآلامه مجدًا لا نستحقه.

- قال يوحنا الرسول: "أخذ بيلاطس يسوع وجلده". لعل بيلاطس أراد بذلك أن يحل غيرة اليهود ويتلافاها، لأنه إذ لم يقدر أن ينقذ السيد المسيح بأقواله الأولى سارع لوقف شرهم إلى هذا الحد.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يلزمنا أن نعتقد بأن بيلاطس فعل هذا لا لسبب سوى أن اليهود إذ يرون فيض الأذية التي لحقت به يشعرون بالاكتفاء، ويحجمون عن رغبتهم الجنونية نحو موته. بذات الهدف سمح الحاكم لكتيبته أن تمارس ما حدث بعد ذلك، وربما أمرهم بذلك، وإن كان الإنجيلي قد صمت عن ذكر هذا.

القديس أغسطينوس

"وضفر العسكر إكليلاً من شوك، ووضعوه على رأسه، وألبسوه ثوب ارجوان". (2)

اعتاد الجند أن يسخروا بمن يسقطون تحت الحكم، خاصة وأنهم يمثلون السلطة المحتلّة الساخرة بمن يثير الفتنة ضد روما. جاءت السخرية تتناسب مع نوع الاتهام: "ملك اليهود". إنهم لم يجدوا ملكًا يُقدم للموت كل يوم، فحسبوا السخرية بملك اليهود تمثيلية هزلية يصعب أن تتكرر.

الأرجوان: لون صباغة ثمينة يشمل البنفسجي والأحمر، تُستخدم من بعض أصناف صدف السمك، يصعب العثور عليه، وكانت ثياب الأرجوان غالية الثمن. ارتبط الأرجوان بالحياة الملوكية، كما يلبسها الأغنياء وذوي المكانة الرفيعة وكبار موظفي الدولة.

يروي متى البشير أنه ثوب قرمزي (مت 27: 28)، تستخرج صبغته من بعض أجسام الحشرات الميتة، لذا فالثوب القرمزي أرخص بكثير من الأرجوان، وهو خاص بالقادة العسكريين، ولعل الجند جاءوا بثوبٍ قديمٍ لقائد عسكري ألقاه بسبب قِدَمه. فاستخدمه الجند كثوبٍ أرجوانيٍ يرتديه جليلي فقير (يسوع)، إذ يقيم نفسه ملكا!

إكليل الشوك والثوب الأرجواني الأحمر يعترفان بالمرتبة الملوكية، لكن العالم يقلبانها إلى الهزء به.

- قال: "وضفر العسكر إكليلاً من شوك، ووضعوه على رأسه، وألبسوه ثوب أرجوان" ليرضي بيلاطس غيظ اليهود، ولهذا الغرض أخرج إليهم السيد المسيح مكللاً بالشوك، حتى إذا أبصروا المسبة الواصلة إليه يتنفسوا من مرضهم قليلاً، ويقذفوا سمهم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وكانوا يقولون: السلام يا ملك اليهود، وكانوا يلطمونه". (3)

هكذا سلمه بيلاطس للجند كي يسخروا به، فضفروا له إكليلاً من شوك، ووضعوه على رأسه عوض إكليل الملك، وألبسوه ثوب أرجوان كملكٍ، وفي سخرية كانوا يلطمونه، وهم يقولون: "السلام لك يا ملك اليهود".

"فخرج بيلاطس أيضًا خارجًا، وقال لهم: ها أنا اخرجه إليكم، لتعلموا إني لست أجد فيه علة واحدة". (4)

أخرجه بيلاطس أمام القيادات اليهودية وجمهور الثائرين ليروا أن شكواهم ضده بأن يقيم نفسه ملكًا نوعًا من الخيال. فها هو أمامهم قد تهرأ جسمه من الجلدات، وصار أضحوكة وموضع سخرية.

إذ أساء بيلاطس للسيد المسيح وهو يعلم أنه بريء قدمه للمدعين عليه لعلهم يسحبون دعواهم ضده. لقد شهد بيلاطس أنه بحسب القانون الروماني "لست أجد فيه علة واحدة" (4)، ليس من دعوى حقيقية يمكن توجيهها ضد، مكررًا ما سبق أن أعلنه (يو ١٨: ٣٨). بهذا دان بيلاطس نفسه، لأنه مادام ليس فيه علة واحدة لماذا جلده، ولماذا سلمه للجند كي يسخروا به، ولماذا أخرجه للمدعين عليه ولم يطلقه فورًا كما تستوجب العدالة؟

"فخرج يسوع خارجًا، وهو حامل إكليل الشوك وثوب الأرجوان. فقال لهم بيلاطس: هوذا الإنسان". (5)


ربما بقوله: "هوذا الإنسان" يود أن يؤكد لليهود إن كنتم تتطلعون إليه كمن يثير فتنة ليقيم نفسه ملكًا يقاوم قيصر، فها أنتم ترونه في صورة الضعف الشديد عاجز عن المقاومة، وليس من أتباعٍ له حاولوا مقاومة السلطات. بهذا لا مجال لتخوفكم منه.

إخراجه للمدعين وقد وُضع إكليل الشوك على رأسه وقد امتلأت رأسه ووجهه مع بقية جسمه بالدماء أعطى فرصة للمدعين أن يصروا على صلبه، لأن بيلاطس عامله كعبدٍ، قام بتعذيبه بغير حقٍ. فالعبد ليس من حقه الدفاع عن نفسه، أما الحرّ فيلزم إثبات إدانته قبل تعذيبه خاصة بهذه الصورة المؤلمة.

خرج السيد المسيح ليكون مشهدًا أمام الناس، يحمل العار عنهم. الأمر الذي دفع الرسول بولس فيما بعد أن يشتهي الخروج معه خارج المحلة حاملاً عاره (عب ١٣: ١٣).

إذ صار مشهده مؤلمًا للغاية قال بيلاطس: "هوذا الإنسان" (5) ولم يذكر اسمه، كنوع من الاستخفاف به. هذا المنظر سحب قلب الحكيم منذ قرابة ألف عام قبل حدوثه فقال: "أخرجن يا بنات صهيون وانظرن الملك سليمان بالتاج الذي توجته به أمه في يوم عرسه، وفي يوم فرح قلبه" (نش ٣: ١١).

يرى البعض أن قول بيلاطس: "هوذا الإنسان" حمل معني سريًا. فكلمة "آدم" في العبرية تعني إنسانًا. وكأن هوذا الإنسان معناها: هوذا آدم الذي خلقه الله ليكون ملكًا على الخليقة، صاحب سلطان، صار في بؤسٍ شديدٍ جلب اللعنة لنفسه كما للخليقة. هكذا احتل آدم الثاني، السيد المسيح، مركز آدم الأول ليجلب الحياة الملوكية السماوية لمن فقدوا حتى سلامهم الزمني، وعوض الموت الذي جلبه آدم الأول حلت الحياة الأبدية بآدم الثاني (1 كو 5: 22، 45).هذا ما نطق به بيلاطس دون أن يدرك معناه!

أمام هياج شرس لمبغضي يسوع أعلن بيلاطس براءته ليكون شاهدًا على ذلك عبر التاريخ، أما يسوع فلم ينطق ببنت شفةٍ. قال بيلاطس: "هوذا الإنسان" ولم يقل؛ "هوذا المذنب"، وكأنه يقول لهم إنه لا يزال في نظره منزهًا من أي ذنب يمكن أن يسنده إليه.


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 19 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


19 توت 1737 ش
29 سبتمبر 2020 م

اليوم الثالث من أيام عيد الصليب المجيد
تذكار إصعاد القديس غريغوريوس البطريرك الأرمني من الجب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك