إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الإنسان المتواضع لا يقول كلمة تقلل من شأن أحد ولا يتصرف تصرفاً يخدش شعور أحد أو يجرحه أو يحط من كرامته

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 19 جـ3 PDF Email

"من هذا الوقت كان بيلاطس يطلب أن يطلقه، ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين: إن أطلقت هذا فلست محبًا لقيصر، كل من يجعل نفسه ملكًا يقاوم قيصر". (12)

حديث السيد المسيح لم يثر بيلاطس ضده للدفاع عن سلطانه، بل على العكس صار أكثر حماسًا وغيرة على تبرئته وإطلاقه. هذا واضح من ثورة اليهود وصراخهم ليحولوا الاتهام ضد بيلاطس نفسه كمن هو ليس محبًا لقيصر، وكمتهاونٍ مع من يقاومه، وكمن لا يصلح أن يحتل هذا المركز ويمارس واجباته.

وجد الخصوم وسيلة لزيادة الضغط على بيلاطس بتوجيه تهمة التهاون مع من يزرع الفتنة والتمرد. فمع حرص الشرع الروماني على احترام حقوق الشعوب المستعمرة وعاداتهم عند ممارستها في إطار جماعتهم، إلا أنه كان قاسيًا عديم الشفقة في قمع التمرد والعصيان. بهذا قد يلحق بيلاطس الأذى إذا ما أصرت الجماهير على الشكاية عليه لتهاونه في هذا الاتهام.

خشي بيلاطس من الوشاية لدى طيباريوس قيصر ضده، فقد عُرف أنه من أكثر الأباطرة انفعالاً. سمع لوشايات ضد كثيرين، وكان لا يثق فيمن يخدمونه. كان بيلاطس مستعدًا أن يطلق يسوع، ولكنه لم يكن مستعدًا أن يواجه اتهامًا بأنه فشل في مهمته كصديقٍ لقيصر، ويدخل في متاعب مع روما مهما كانت التكلفة.

- لما أراد اليهود أن يجدوا في الشريعة علة على السيد المسيح فلم تنفعهم، انقلبوا بمكرهم إلى الشرائع التي هي خارج شريعتهم، إذ قالوا: "كل من يجعل نفسه ملكًا يقاوم قيصر". وأنا أسأل اليهود: وأين ظهر السيد المسيح عاصيًا مغتصبًا؟ من أين يجوز لكم اتهامه بذلك؟ أرجو أن توضحوا هذا؟ أمن تاجه؟ أم من شكله؟ أم من جنده؟ أم من مشيه مع تلاميذه الاثني عشر، مستخدمًا البساطة في الطعام والثوب والمبيت؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فلما سمع بيلاطس هذا القول أخرج يسوع، وجلس على كرسي الولاية، في موضع يقال له البلاط، وبالعبرانية جباثا". (13)

البلاط هنا أشبه برصيف حجري غالبًا في هواء طلق، حيث كان يوجد فيه كرسي العدالة للقضاء خاص بالولاة والحكام ليحكموا من خلاله. كان الموضع مرصوفًا بحجارةٍ ملونة ورخامٍ أزرق وأبيض وأسود.

كان الموضع يُدعى بالعبرانية "جباثا"، مشتقة من "جابا"، معناها "مرتفع" أو "عالٍ"، حيث كان موضع الحكم غالبًا ما يكون مرتفعًا في دار القضاء حتى يمكن للكل أن يروا القاضي أو الحاكم ويتابعوا الحوار، ويسمعوا الحكم. كان القاضي يصعد عليه بواسطة درجات رخامية، ولعل هذه الدرجات هي التي كانت تُدعى "البلاط". ويرى البعض أن كلمة "جباثا" تعني مكانًا مغلقًا، إذ كان محاطًا بسورٍ حتى لا يقتحمه أحد من الحاضرين لإساءة التصرف مع المتهمين أثناء محاكمتهم. ويرى البعض أن هذا الموضع كان مخصصًا لمحاكمة المجرمين خاصة في الأمور الخطيرة التي تمس كيان الدولة.

بات إصدار الحكم قريبًا، لأن الوالي يجلس على كرسي الولاية الرسمي curule، وهو كرسي من العاج خاص بالقضاة الرومانيين وما يمثلونه.

"وكان استعداد الفصح، ونحو الساعة السادسة، فقال لليهود: هوذا ملككم". (14)

بعد عرضه لمكان المحاكمة عرض الإنجيلي أيضًا التوقيت فكان وقت الاستعداد للفصح نحو الساعة السادسة أي ظهرًا. كانت أيام عيد الفطير (لو ٢٣: ٥٤)، وكان اليهود يستعدون لسبت الفصح. جاء التوقيت يضخم من ذنب صالبيه، إذ لم ينتظروا عبور العيد، مما يكشف عن مرارة حقدهم واندفاعهم وتسرعهم. لقد نزعوا الخمير القديم من كل بيت، لكنهم لم ينزعوا أعمال الإنسان القديم من قلوبهم وأفكارهم وسلوكهم.

كان ذلك ما بين الساعة الثالثة والساعة السادسة، إذ رُفع على الصليب في تمام الساعة السادسة.

تحدث الإنجيلي مرقس (15: 25) عن صلب السيد المسيح في وقت الساعة الثالثة حيث حسب الجلد منذ بدأ جلد السيد، أما الإنجيلي يوحنا فحسبه وقت الساعة السادسة حيث بدأ رفعه على الصليب.

يرى البعض أن الساعة السادسة هنا حسب التوقيت الروماني حيث يبدأ اليوم الجديد من منتصف الليل وليس كالتوقيت اليهودي الذي استخدمه الإنجيليون الآخرون، حيث يبدأ اليوم من الغروب إلى الغروب، أي السادسة صباحًا حيث كاد أن يصدر الحكم وتبدأ الإجراءات الفعلية للصلب. وفي بعض المخطوطات وبعض نصوص الآباء جاءت "نحو الساعة الثالثة" وليس "السادسة".

إذ اتجه اليهود إلى اتهام بيلاطس نفسه في غضب سخر بهم قائلاً لهم: "هوذا ملككم" (١٤). وكأنه يقول لهم: "إن كنتم بكل طاقتكم تريدون صلبه، فأنتم تسيئون إلى أنفسكم، إنه ملككم". لعله بهذا يلقي بآخر سهم لإنقاذ يسوع المسيح من الصلب!

- أسلم بيلاطس السيد المسيح إلى اليهود، ظانًا أنه يستعطفهم، والدليل على أنه عمل هذا العمل على هذا القصد اسمع ما قاله لهم: "هوذا ملككم".

القديس يوحنا الذهبي الفم

في سخرية باليهود أعلن بيلاطس: "هوذا ملككم"، ولعله إلي هذه اللحظات كان السيد مكللاً بإكليل الشوك ومرتديًا ثوبًا أرجوانيًا أو قرمزيًا قديمًا. لم يدرك بيلاطس أنه بالحقيقة ليس فقط ملك اليهود، بل ملك العالم كله الذي فيه تحققت النبوات بكونه مسيح الرب. قديما رفض جدعون إقامته ملكًا على إسرائيل متطلعًا إلى الرب نفسه بكونه الملك الحقيقي (قض 8: 23). وعندما أراد الشعب أن يقيم لهم صموئيل النبي ملكًا كسائر الأمم، أعلن له الله أنهم لم يرفضوا صموئيل، بل رفضوه هو نفسه كملكٍ عليهم (1 صم 8: 5 ،7). وكان رجال العهد القديم يترقبون تحقيق الوعد الإلهي: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك، وسلطانك إلى أقطار الأرض، لترعاهم بقضيب من حديد." (مز 2: 7-9)

كان يليق ببيلاطس أن يعلن لكل العالم: "هوذا ملككم الذي يرعى النفوس ويقيمها في مملكته السماوية الأبدية".

جاء السيد المسيح، حمل الله، لكي يرفع الخطية عن العالم (1: 29). إنه محب للبشرية لكنه لا يطيق رؤية خطاياهم. إنه يرفع خطاياهم ليتقدموا في حضرة الآب حاملين برَّه. أما هنا فنجد الإنسان لا يطيق مخلصه، يريد أن يرفعه عن عينيه حتى لا يراه. لا يحتمل الشرير حب الله، ولا يقدر حتى على معاينته!

"فصرخوا: خذه، خذه! أصلبه! قال لهم بيلاطس: أأصلب ملككم؟ أجاب رؤساء الكهنة: ليس لنا ملك إلا قيصر". (15)

ازدادت الصرخات بأنهم لا يطيقون رؤيته "خذه، خذه" (١٥)، فقد رفضوا نسبتهم إليه، أو انتسابه إليهم، ليس لهم ملك إلا قيصر. تطلع إليهم إشعياء النبي فقال عنه: "مكروه الأمة" (إش ٤٩: ٧)، كما قال: "لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه، محتقر ومخذول من الناس، ورجل أوجاع ومختبر الحزن، وكمُستر عنه وجوهنا، محتقر فلم نعتد به" (إش ٥٣: ٢-٣).

كان الحكم بالإعدام صلبًا معروفًا قديمًا في الإمبراطورية الرومانية وخارجها. وكان العالم القديم يتطلع إلي الصلب كأبشع أنواع الموت، إذ يمثل عارًا وخزيًا. وكان الكتاب القدامي يحجمون عن الكتابة عن الصلب في شيء من التفصيل. قال شيشرون أن الصلب "أقسى أنواع العقوبات وإثارة للاشمئزاز". وتحدث عنه يوسيفوس بأنه "أدنى أنواع الموت". وتحدث الفيلسوف الروماني سينيكا عن الصلب كموت بطيء ومؤلم للغاية، متسائلاً إن كان يوجد شخص يود أن يموت بإرادته بهذه الوسيلة: "هل يمكن وجود شخص يفضل أن يضيع وقته في ألم بموت عضوٍ يلي عضوًا، أو بترك حياته تنتهي نقطة فنقطة عوض أن يسلم النفس مرة واحدة؟ هل يمكن أن يوجد إنسان يرغب في تثبيته على خشبة اللعنة، يلتصق بها إلى مدة طويلة وقد تشوه شكله، انتفخ جسمه بحُبُر (آثار الجراحات) على كتفيه وصدره، يتنسم الحياة وسط آلام مريرة ممتدة؟ حقا إنه يجد مبررات كثيرة لكي يفضل الموت قبل أن يرتفع على الصليب".

كان يندر جدًا الحكم بالصلب على مواطنٍ روماني، إنما كانت هذه العقوبة تُستخدم لضبط العبيد حتى لا يفكروا في الثورة، ويبقوا في مذلة وضعهم مهما كانت متاعبهم.

أمام ثورتهم ضد السيد المسيح لم تعد لهم رغبة في الحرية ولا قيمة للخلاص، كل ما يترجوه هو الخلاص من شخصه، حتى وإن صاروا عبيدًا لقيصر. لقد فقدوا إحساسهم بأنهم تحت الاستعمار الروماني. حقًا كان اليهود - خاصة القيادات - يكرهون قيصر ولا يطيقون من ينتدبهم حكامًا أو ملوكًا عليهم، لكن أمام بغضهم لشخص السيد المسيح حسبوا الولاء لقيصر والاستعباد له أفضل. كانوا مستعدين للخضوع لأي طاغية من قبل قيصر، يطيعون أوامره برضا إن كان في هذا خلاصًا من شخص السيد المسيح.

جواب رؤساء الكهنة فيه تخوِّف من جهة تهديد مؤسستهم الكهنوتية بالزوال. إنهم يقبلون قيصر ملكًا وحيدًا عليهم متناسين ملكوت اللَّه.

- تطلع باهتمام إلى الرب وهو يُحاكم، فقد سمح لنفسه أن يقوده الجنود. جلس بيلاطس في الحكم. الذي يجلس عن يمين الآب يقف ليُحاكم! الشعب الذي عتقه من أرض مصر... يصرخ: "خذه! أصلبه!"

لماذا أيها اليهود؟ هل لأنه شفى عميانكم؟ أم لأنه جعل العرج منكم يمشون؟ ووهب البركات للآخرين؟! يدهش النبي فيقول: "على من تفغرون الفم وتدلعون اللسان؟" (إش 4:57) ويقول الرب نفسه في الأنبياء: "صار لي ميراثي كأسد في الوعر. نطق عليّ بصوته. من أجل ذلك أبغضته" (إر 8:12). لم أرفضهم لكنهم رفضوني، لهذا أقول: "قد تركت بيتي" (إر 7:12).

القديس كيرلس الأورشليمي

- ضغطوا عليه، قائلين: "أصلبه". ولماذا كانوا يجاهدون كي يقتلوه بهذه الوسيلة؟ إنه موت شائن! لقد خشوا لئلا يكون له فيما بعد أي ذكرى، فأرادوا أن يسقطوا عليه عقوبة لعينة، وهم لا يدرون إن الحق يتمجد خلال العوائق. لتأكيد إن هذا الشك كان لديهم اصغوا إلي ما قالوه: "سمعنا أن هذا المضل قال بعد ثلاثة أيام أقوم" (مت 27:63). لهذا قاموا بإثارة الكل ليقلبوا الأوضاع ويحطموا الأمور فيما بعد. وقد فسد الشعب المشوش بواسطة حكامه، وصرخوا مكررين: "أصلبه!"

- "ليس لنا ملك إلا قيصر". بإرادتهم اخضعوا أنفسهم للعقوبة. لذلك سلمهم الله، إذ وهم أولاد طردوا أنفسهم عن عنايته وإشرافه الفائق. وحيث أنهم بصوتٍ واحدٍ مجدوا سلطانه سمح لهم بالسقوط حسب طلبتهم.

- هنا انحدروا عن مملكة المسيح، ودعوا لأنفسهم مملكة قيصر.

القديس يوحنا الذهبي الفم




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 19 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


8 توت 1737 ش
18 سبتمبر 2020 م

نياحة موسى النبي عام 1485ق م
استشهاد زكريا الكاهن
استشهاد القديس ديميدس القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك