إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لا تكن كثير التوبيخ للناس وإن إضطررت لذلك ليكن ذلك دون أن تجرح أحداً

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 19 جـ4 PDF Print Email

2. الحكم بالصلب

"فحينئذ أسلمه إليهم ليصلب، فأخذوا يسوع ومضوا به". (16)

إذ لم تكن فيه مخافة الله بل مخافة البشر وقَّع بيلاطس على الحكم بصلبه، وسلمه للقائمين بالتنفيذ. ذاك الذي شهد مرارًا وتكرارًا ببراءته أخيرًا أصدر الحكم عليه كمجرمٍ. لقد غسل يديه (مت ٢٧:٢٤)، ليعلن أنه برئ من هذا الحكم، لكن غسل يديه لن يبرئه أمام الله.

انطلقت القيادات اليهودية مع منفذي الحكم كي يكسبوا الوقت، فقد خشوا تراجع بيلاطس في الحكم، إذ رأوه بين الحين والآخر يعلن براءته. ومن جانبٍ آخر حتى لا يجد الشعب فرصة لمراجعة أنفسهم، وتذكر أعمال السيد المسيح العجيبة مع شهادة بيلاطس بنطس ببراءته، فتسير الأمور على خلاف هواهم. هكذا يثير عدو الخير تابعيه لانتهاز كل فرصة للإسراع بقتل الإيمان بالسيد المسيح في حياة كل مؤمن حتى لا يتمتع به.

في نظرهم شعر القادة أن خطتهم قد نجحت، وسقطت الفريسة في شبكتهم. فانطلقوا بالحمل إلى الذبح، ولم يدركوا أن ما يحدث سبق فتنبأ به الأنبياء، بكونه خطة الله الخلاصية.

- إذ سمع بيلاطس هذه الأمور سلمه ليُصلب؛ قطعًا بلا تعقل! كان يجب أن يتحقق إن كان المسيح قد هدف نحو نوال سلطة ملوكية، لكنه نطق بالحكم خلال الخوف وحده. ولكي لا يحدث هذا قال المسيح مقدمًا: "مملكتي ليست من هذا العالم"، ولكن إذ أسلم بيلاطس نفسه بالكامل للأمور الزمنية لم يمارس الحكمة كما يلزم. كان يكفي لحلم زوجته أن يرعبه، لكن شيئًا من هذا كله لم يجعله يتصرف حسنًا؛ إذ لم يتطلع إلى السماء بل سلَّم المسيح.

الآن وضعوا عليه الصليب كفاعل شرٍ. لقد أبغضوا الخشبة ولم يقبلوا حتى أن يلمسوها. هذا هو حال ما كان رمزًا حيث حمل اسحق الخشب. لكن الأمر كان وقتئذ متوقفًا على إرادة أبيه، لأنه كان رمزًا، أما هنا فقد تمت الحقيقة عمليًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة، ويقال له بالعبرانية جلجثة". (17)

كجزء من آلامه حمل الصليب حرفيًا. الجسم النحيف الرقيق حمل خشبة الصليب بكل ثقلها، حملها وحده أولاً. وإذ لم يستطع بسبب ضعف الجسد مع الجلدات التي عانى منها وجراحات إكليل الشوك واللطم، عاونه سمعان القيرواني في حمله (مت ٢٧: ٣٢). وكما حمل اسحق حطب المحرقة وهو في طريقه ليُقدم محرقة، هكذا حمل المسيح خشبة الصليب. وكما يقول النبي: "وُضع عليه إثم جميعنا" (إش ٥٣: ٦). ويقول القديس بطرس: "الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبرّ" (١ بط ٢: ٢٤).

جاءوا به إلى موضع التنفيذ خارج المدينة يدعى الجلجثة. أشار العلامة أوريجينوس إلي تقليد بأنه في هذا الموضع دُفن آدم. هنا حيث غلب الموت آدم الأول وحوله إلى تراب، مات المسيح - آدم الثاني - لكي يقتل الموت، ويرد الحياة لآدم وبنيه. كان هذا الموضع على جبل المُريا حيث قدم إبراهيم ابنه اسحق ذبيحة محرقة، لكن الله أرسل كبشًا يُقدم عوضًا عن اسحق. يرى البعض أن السيد المسيح قد صُلب على تلٍ يحمل شكل الجمجمة.

- يقول البعض أن آدم مات ورقد هناك، وأن يسوع قدم النصرة في نفس الموضع الذي ملك فيه الموت، إذ ذهب حاملاً الصليب كغالبٍ على طغيان الموت. كان كتفاه رمزًا للنصرة. ماذا يهم إن كان اليهود قد فعلوا ذلك بنية مغايرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- تألم بآلامنا حتى قَبِل آلام الصليب، قَبِِل أن يأخذ جسدنا. لو لم يتألم لما شاركنا حياتنا البشرية. أولاً تألم، وبعد ذلك نزل. ولكن ما هذا الألم الذي احتمله لأجلنا؟ إنها آلام الحب!

العلامة أوريجينوس

"حيث صلبوه، وصلبوا اثنين آخرين معه من هنا ومن هنا، ويسوع في الوسط". (18)

صُلب معه اثنان آخران واحد عن يمينه، والآخر عن يساره. ربما لم يكن ذلك الوقت هو موعد صلبهما، لكن رؤساء الكهنة أصروا على ذلك كنوعٍ من الإهانة أنه مصلوب بين مجرمين. ولعله لهذا السبب كان اللصان يعيرانه ويسيئان إليه، لأن بصلبه عجل بحياتهما ليُصلبا معه. لم يطلب رئيس الكهنة صلب تلميذين حوله لئلا يُحسب ذلك كرامة أن جميعهم صلبوا من أجل الحق، وأن تلميذيه شاركا آلامه، بل أصر أن يُصلب مجرمان، يحتمل أن يكونا من فرقة باراباس اللص.

أراد قادة اليهود أن يعلنوا أنه أشر الثلاثة لأنه صلب في الوسط، ولم يدركوا أنه بذلك تحققت النبوة أنه أحصى مع آثمة.

- وإن قلت: فما غرض اليهود إنهم "صلبوه، وصلبوا اثنين آخرين معه"؟ أجبتك: إنهم في هذا الفعل أتموا النبوة كارهين، لأن هذا الفعل قد تقدم إشعياء النبي فذكره منذ قديم الزمان فقال "وجعل مع الأشرار قبره ومع غني عند موته" (إش 9:53). أراد إبليس أن يضع حجابًا يخفي ما قد حدث، لكنه كان عاجزًا. فإن الثلاثة قد صُلبوا، لكن يسوع وحده كان مجيدًا، حتى تدركوا أن سلطانه فوق الكل.

تمت معجزات عندما سُمر الثلاثة على الصليب، لكنه لم ينسب أحد شيئًا من المعجزات لأحد الاثنين، وإنما ليسوع وحده. لقد بطلت خطة إبليس تمامًا، وارتدت على رأسه، إذ خلص أحد الاثنين. إنه لم يهن مجد الصليب بل ساهم في مجده ليس بقليلٍ. فإن تجديد لص على الصليب والدخول به إلى الفردوس ليس بأقل من اهتزاز الصخور.

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. عنوان علته

"وكتب بيلاطس عنوانًا، ووضعه على الصليب، وكان مكتوبًا: يسوع الناصري ملك اليهود". (19)

ما قد كُتب على الصليب دعاه يوحنا "عنوانًا" أو "لقبًا "titlos، ودعاه متى "علته" أو "الاتهام accusation - citiei"، ودعاه مرقس ولوقا "نقشًا apigraphe".

اهتم الإنجيلي يوحنا بالكشف عن إبراز الصليب في حياة يسوع المسيح. ففي الاصحاح الثالث، في لقاء يسوع الليلي مع نيقوديموس قال السيد: "وكما رفع موسى الحيَّة في البرية، هكذا ينبغي أن يُرفع ابن البشر" (يو 14:3). مرة أخرى في حديث السيد مع اليهود قال: "متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون إني أنا هو" (يو 28:8). وفي حديثه مع بعض اليونانيين يقول: "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الصليب.

يرفع الإنجيلي أذهاننا لنراه يكشف عن الرفع أو السمو في المجد الذي صار لنا خلال المصلوب. فيه نرى مسيحنا ممجدًا في أبيه ومعه، حيث صار لنا حق الانطلاق نحو حضن الآب. جوهر الصليب أن يرتفع عن الأرض ليجتذب الجميع إليه، فيعيشوا على مستوى أرفع وأسمى من الأرض.

يرى الرسول بولس أن محبة اللَّه ترتسم على البشرية بشكل الصليب، إذ يتحدث عن العرض والطول والعمق والعلو لحب اللَّه (أف 18:3). كأن أبعاد الصليب هي التعرف على سرّ الحب الإلهي.

في التقليد الشرقي يُحتفل بالصليب كشخصٍ حيّ، فيرونه يسوع المصلوب. يطلب العلويات، يفصل بين الظلمة والنور، وبين المعرفة والجهل. لذا صار للدينونة، يميز بين من يشتهي النور الأبدي ومن يستطيب الانطلاق في الظلمة.

الصليب هو ارتفاع إلى ما وراء هذا العالم، وانفتاح على العالم الآخر حتى تُستعاد الشركة وتُضاء المعرفة، فيتسنّى للإنسان الذي جاء إليه اللَّه أن يتجه بدوره إلى اللَّه، بل وأن يدخل حياته.

استخدام الكلمتين "فوق" و"أسفل" أمر حيوي في إنجيل يوحنا الذي يكشف عن شخص المصلوب وعمله. فإن كان الإنجيلي قد أغفل العشاء السرّي إلا أنه أسهب في عرض حديث السيد المسيح عن سرّ الشكر، مؤكدًا أنه الخبز النازل من السماء (أي فوق) (يو 22:6-40). وفي حديثه عن المعمودية وهي تغطيس يسحب قلوبنا إلى الولادة من فوق لنعاين عبر الصليب أعماق حب اللَّه أبينا (يو 8:3).

في اختصار، بالصليب نتحقق أننا وإن كنا في العالم لكننا لسنا من العالم (يو6:7، 14، 16، 18)، بل من فوق. نصير شركاء المسيح القائم من الأموات الذي لم تعرفه المجدلية حتى ناداها باسمها، وظنت أنه غريب. وأيضًا التلميذان الذاهبان إلى عمواس اللذان رافقا السيد المسيح الطريق ظنّاه هكذا غريبًا.

- المسيح هو ملك اليهود، لكن اليهود بختان القلب في الروح وليس الختان بالحرف؛ الذين مدحهم ليس من الناس بل من الله (رو ٢: ٢٩)، الذين ينتمون لأورشليم الحرة، أمنا الأبدية في السماء، سارة الروحية التي طردت الجارية وأولادها من بيت الحرية (غلا ٤:٢٢-٣١). لذلك ما قد كتبه بيلاطس كتبه، لأن الرب قال ما قاله.

القديس أغسطينوس

- جمع بيلاطس بذلك غرضين هما: انتقامه من اليهود، واعتذاره للسيد المسيح، لأنهم لما أنزلوا السيد المسيح بمنزلة رديئة، وأرادوا أن يحققوا ذلك بمشاركته اللصين على الصليب أطبق أفواههم وأفواه جميع الذين يريدون أن يلوموا السيد المسيح، وأوضح أنهم إنما ثاروا على ملكهم.

هذا عن انتقامه من اليهود، أما عن اعتذاره للسيد المسيح فكما يوضع على قاهر غالب علامته، كذلك وضع القاضي الكتابة في اللوح، مبديًا صوتًا بهيًا، موضحًا ظفره مُشيدًا بمملكته، وإن لم يكن بإشارة كاملة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- شهد أعداء الرب يسوع المسيح أنه هو الملك، ملك إسرائيل، حيث كتبوا فوق رأسه على الصليب "هذا هو يسوع ملك اليهود" (مت 27:37). ونحن نقبل هذه الشهادة حتى ولو يًفهم منها أنها تُضعف شمول قوته وتحّد من ألوهيته على الإسرائيليين. يحمل العنوان المكتوب على الصليب شهادة بألوهية المسيح، ليس على اليهود فقط، بل على جميع الناس. هو ملك على كل الأرض، ويحكم على كل أجزائها.

القديس غريغوريوس النيسي

"فقرأ هذا العنوان كثيرون من اليهود، لأن المكان الذي صُلب فيه يسوع كان قريبًا من المدينة، وكان مكتوبًا بالعبرانية واليونانية واللاتينية". (20)

سُجل هذا العنوان بالثلاث لغات الرئيسية في ذلك الحين: العبرية لغة الناموس، واليونانية لغة الفلاسفة، واللاتينية لغة الحكام، فقد صُلب السيد ليملك على الجميع.

- حتى في صلب السيد المسيح حسده رؤساء كهنة اليهود، وأنا أخاطبهم: إن هذا العنوان ما سبب لكم ضررًا، لأنه إن كان السيد المسيح ميتًا ضعيفًا وقد أزمع أن يُنزع ذكره، فلماذا خوفكم هذا من ألفاظ الكتابة القائلة: "يسوع الناصري ملك اليهود"؟ (19)

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فقال رؤساء كهنة اليهود لبيلاطس: لا تكتب ملك اليهود، بل أن ذاك قال: أنا ملك اليهود". (21)

لم يشفِ الصليب غليل المتهمين، فراحوا يضغطون على بيلاطس أن يأمر بتغيير العنوان: "ذاك قال أنا ملك اليهود" (٢١). لكن بيلاطس رفض الخضوع لطلبهم، فقد سقط تحت ضغوط كثيرة من فريق رؤساء الكهنة، ولم يعد يحتمل ضغطا آخر. أرادوا إبراز انه مغتصب للكرامة والسلطة، وأنهم هو مخلصون لقيصر وفي ولاءٍ له، مع أنهم كانوا في مذلة الاستعمار، وكانوا في داخلهم يطلبون ملكًا يهوديًا له كامل السلطات. لم يدركوا أن رئيسهم يجب أن يُقطع (دا ٩:٢٦).

"أجاب بيلاطس: ما كتبت قد كتبت". (22)

كانت القوانين الرومانية تمنع تغيير منطوق الحكم متى نُطق به. يبدو أن بيلاطس قد تنبأ بغير إرادته، أنه هذا هو المسيا الملك الذي لن يملك آخر غيره على القلوب. وردت هذه النبوة في مزمور ٢٢:١٨ حوالي ١٠٠٠ عام قبل الصلب.




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 19 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


17 توت 1737 ش
27 سبتمبر 2020 م

تذكار الاحتفال بالصليب المجيد بكنيسة القيامة سنة 43 ش في عهد الملك قسطنطين البار
استشهاد القديس قسطور القس
نياحة القديسة ثاؤغنسطا
نياحة القديس المعلم جرجس الجوهري

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك