إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

يجب ألا تأخذ القوة أسلوباً شمشونياً أو عالمياً ، ولا تعنى القوة الإنتصار على الغير وإنما كسب الغير

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 19 جـ5 PDF Print Email
4. توزيع ثيابه

"ثم أن العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع، أخذوا ثيابه، وجعلوها أربعة أقسام لكل عسكري قسمًا، وأخذوا القميص أيضًا، وكان القميص بغير خياطة منسوجًا كله من فوق". (23)

إذ حمل خطايانا لم يستنكف من أن يُعرى على الصليب لنرى عرينا، ونطلب أن نلبس السيد المسيح، إذ هو برنّا.

وُجدت عادة قديمة في العالم كله تقريبًا، بموجبها تعود مقتنيات المحكوم عليهم بالإعدام إلى الجلادين وغالبًا للذين ينفذون الحكم. يقدم لنا القديس يوحنا الإنجيلي تركة السيد المسيح التي تبدو هزيلة للغاية، وهي ثيابه بعد أن عرّوه ليُصلب، كانت ملقاة على الأرض، اقتسمها الجنود الأربعة الذين نفذوا الحكم، وبقي القميص الذي بغير خياطة. وهو منسوج كله من فوق، ألقوا عليه قرعة حتى لا يشقوه. صار كمن لا يملك شيئًا حتى القميص الذي يُحسب كجلدٍ ثانٍ للشخص. كانت ثيابه ملقاة كمن لا صاحب لها، لأن المحكوم عليه بالموت لا رأي له بعد، ولا حقوق، حتى بالنسبة لثيابه. كانت ملابس الرجل في منطقة إسرائيل في ذلك الحين هي الثوب الخارجي والثوب الداخلي وغطاء الرأس وحزام والنعلين وملابسه الداخلية الخ. غير أنه لم يُوجد نعلان للسيد المسيح بين ملابسه.

يرى فيلون اليهودي السكندري أن قميص رئيس الكهنة في هيكل أورشليم كان دائمًا منسوجًا كله من فوق بغير خياطة بموجب فريضة طقسية. ورأى البعض أن ذلك رمزًا إلى كهنوت المسيح. يرى البعض أن هذا القميص كان مشابهًا لقميص رئيس الكهنة، وقد وصفه المؤرخ اليهودي يوسيفوس أنه غير مخيط، بل هو قطعة واحدة على الكتفين والجانبين، وكان طويلاً، له فتحة للرقبة وله فتحتان لليدين. قيل أن هذا القميص كان من صنع يدي والدته وهو طفل، وأنه لم يتمزق ولا قدم، وذلك كما حدث مع ثياب شعب بني إسرائيل في البرية.

- على ما يلوح لظني أن يوحنا البشير قال هذا القول مضمرًا فيه حقارة الثياب وبساطتها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى العلامة أوريجينوس في هذا القميص إشارة إلى كمال تعليم المسيح الذي يلزمه حفظه دون شقه أو تقسيمه إلى أجزاء. ويري القديس كيرلس الكبير فيه رمزًا لميلاد المسيح البتولي، حيث بقيت والدته بتولاً بعد ولادته. ويرى القديس كبريانوس الذي كان يئن من الانقسامات التي وُجدت في كنيسة شمال أفريقيا أن القميص الذي بغير خياطة يشير إلى الكنيسة الحقيقية الواحدة التي لا يمكن أن تُشق ولا أن تُرتق.

وفي رسالة للقديس أغسطينوس إلى الدوناتست كتب: [لماذا تريدون أن تقسموا ثياب الرب، ولماذا لا تحفظوا قميص الحب هذا مع بقية العالم ككلٍ منسوجًا من أعلى، هذا الذي لم يستطع حتى مضطهدوه أن يشقوه؟].

يرى الأب ثيؤدور أسقف المصيصة أن مثل هذا النسيج كان عامًا في وقت السيد المسيح، وإن كان في أيامه لم يعد يوجد مثل هذا النسيج إلا بين ملابس الجنود.

- قُسمت ثيابه لحسابنا. لا يستطيع أحد أن يملك كل شيء، إذ تُلقى قرعة، لأن توزيع الروح القدس لا يأتي حسب إرادة إنسان. إذ "أنواع مواهب موجودة، ولكن الروح واحد... ولكن هذا كله يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحدٍ بمفرده كما يشاء" (1 كو 12: 4، 11)... هكذا قُسمت الثياب، أعمال المسيح أو نعمته...

نقرأ أن (القميص) "منسوجًا كله من فوق"، لأن الإيمان بالمسيح منسوج هكذا، حيث ينزل إلى الناسوت... مادام هو مولود من الله قبل الدهور. وقد قبل الجسد...

القول: "وكان القميص بغير خياطة" يشير أيضًا إلى أن الإيمان يلزم ألا يتمزق بل يبقى بكامله.

القديس أمبروسيوس

- ترمز ثياب الرب يسوع المسيح التي قُسمت إلى أربعة أجزاء إلى الكنيسة الرباعية، إذ تنتشر في كل العالم، الذي يحوي أربع أرابع، وبالتساوي بمعنى بانسجام، موزعة على كل الأربع مناطق. لهذا يقول في موضع آخر أنه سيرسل ملائكته ليجمع مختاريه من الأربعة رياح (مت ٢٤:٣١). وما هذا إلا من الأربعة أرابع للعالم: الشرق والغرب والشمال والجنوب؟

- يشير القميص الذي أُلقي عليه قرعة إلى وحدة كل الأجزاء التي تُحتوى في برباط المحبة. وعندما يريد الرسول أن يتحدث عن المحبة يقول: "أريكم طريقًا أفضل" (١ كو ١٢ :٣١). وفي موضع آخر: "لتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة" (أف ٣: ١٩). وفي موضع آخر: "وفوق كل هذه المحبة التي هي رباط الكمال" (كو ٣:١٤) فإن كانت المحبة طريقًا أفضل، ومعرفة فائقة وتُفرض فوق كل الأشياء، لذلك كان من اللائق أن هذا القميص الذي يمثل المحبة يكون منسوجًا من فوق، وبغير خياطة.

القديس أغسطينوس

"فقال بعضهم لبعض: لا نشقه بل نقترع عليه لمن يكون، ليتم الكتاب القائل: اقتسموا ثيابي بينهم، وعلى لباسي ألقوا قرعة، هذا فعله العسكر". (24)

- أنظر النبوات التي تمت بالأفعال التي تباحث بها العسكر، لأن المصلوبين كانوا ثلاثة، إلا أن أقوال النبوات كملت في السيد المسيح، فلأي سبب لم يعملوا هذا العمل بالآخرين إنما لهذا وحده؟! تأمل استقصاء النبوة، لأن داود النبي لم يقل إنهم اقتسموا ثيابه فقط، لكنه ذكر مع ذلك ما لم يقتسموه، لأن بعضها اقتسموها، ولباسه لم يقتسموه، لكنهم جعلوا امتلاكه بالقرعة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ يكتب القديس جيروم لأستوخيوم Eustochuim عن حياة البتولية والسلوك اللائق بالعذارى، يرى أن اللواتي يمارسن هذه الحياة يتشبهن بالسيد المسيح الذي كان له ثوب منسوج من فوق (سماوي). [ليت المتزوجات يخيطن لأنفسهم ثيابًا، لأنهن فقدن الثوب المنسوج من فوق].

وفي نفس الرسالة يطالب العذارى ألا يرتدين أحذية فيقول: [أُمر موسى ويشوع أن يخلعا أحذيتهما، لأن الأرض التي وقفا عليها كانت مقدسة (خر 5:3؛ يش 15:5)، كان لهذا الأمر معنى سريًا. هكذا أيضًا عندما عُيّن التلاميذ للبشارة بالإنجيل طًلب منهم ألا يأخذوا معهم أحذية ولا سيور أحذية (مت 10:10). وعندما جاء الجند ليٌلقوا قرعة على ثياب يسوع لم يجدوا أحذية ليأخذوها، لأنه لم يكن ممكنًا للرب أن يملك ما قد منع عبيده منه].

5. اهتمامه بأمه

"وكانت واقفات عند صليب يسوع، أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية". (25)

جاء عن مريم زوجة كلوبا في مت ٢٧: ٥٦؛ مر ١٥: ٤٠ أنها أم يعقوب الصغير ويوسي؛ وأن ابنها يعقوب هو ابن حلفى Alpheus، مما يبدو أن حلفى وكلوباس هما شخص واحد. يقول هيجيسبوس Hegesippus نقلاً عن يوسابيوس أن كلوباس هو أخ يوسف خطيب القديسة مريم.

بينما هرب جميع التلاميذ ماعدا يوحنا إذا بالنسوة - والدته وأختها ومريم المجدلية - استمررن في مرافقته حتى الصليب. لم يخشين عنف الأشرار ولا رعب المنظر. حقًا لم يكن في إمكانيتهن أن يعملن شيئًا له، لكنهن أظهرن إخلاصهن حتى النهاية، رافقنه في طريق الخلاص الذي سار فيه، لقد تحقق قول سمعان الشيخ للقديسة مريم أنه يجوز في نفسها سيف (لو ٢: ٣٥).

مع حزنهن الشديد لم يقمن بتصرفات غير لائقة كما كانت عادة النسوة في الجنازات في ذلك الحين. لقد رافقن السيد من أجل إخلاص حبهن له. حقًا إنها نعمة الله الفائقة هي التي سندت هؤلاء النسوة في تلك اللحظات العصيبة، خاصة القديسة مريم والدته.

بينما وُجد أربعة جند يقومون بتنفيذ حكم الصلب بكل عنفٍ وقسوة كان مقابل ذلك أربع نساء يرافقن المسيح وسط آلامه.

- وقفت النسوة عند الصليب، الجنس الضعيف الذي ظهر أكثر رجولة، وهكذا تغيرت كل الأمور تمامًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فلما رأى يسوع أمه والتلميذ الذي كان يحبه واقفًا، قال لأمه: يا امرأة هوذا ابنك". (26)

حتمًا في هذه اللحظات كان قلب القديسة مريم قد انشغل تمامًا بآلام ابنها، أما هو فآلامه لم تشغله عنها، بل هي ثمرة حبه الشديد لها ولكل البشرية. ما يشغله خلاص الكل وبنيانهم ومجدهم. في بادرة حنان أخيرة نحو أمه أراد أن يَّؤمن لها عناية وعونًا بعد ذهابه، فسلّمها إلى من كان يحبه، والذي يعلم أنه الأقرب إليه من كل تلاميذه. بلا شك كان يوسف النجار قد تنيح منذ سنوات، ولم يعد من يهتم بالقديسة مريم، لذلك سلمها السيد المسيح وهو على الصليب للقديس يوحنا الحبيب بكونها أمه وهو ابنها. فنال يوحنا علاقة جديدة، البنوة لأم يسوع رب المجد.

لم يترك لأمه شيئًا، إذ لم يكن له ذهب ولا فضة لكي ترثه عنه، فالصندوق العام لحساب كل التلاميذ كان في يد يهوذا الذي غالبًا ما بدده، حتى ثيابه ورثها العسكر، ليس له ما يقدمه لها سوى تسليمها في يد من يحبه: يوحنا الرسول!

بالصليب تمتعت أمه بنوعٍ من الأمومة نحو الآخرين بعد ارتفاع ابنها الوحيد يسوع إلى الصليب.

لم يقل لها: "يا أماه" بل "يا امرأة"، ليس استخفافًا بها، ولا جحدًا لأمومتها، وإنما لكي لا يزداد جرحها كأم تسمع ابنها في اللحظات الأخيرة قبيل موته. ولعله أراد أن يؤكد لها أنه ليس من هذا العالم، فيخاطبها ليس من خلال العلاقات الدموية المجردة، وإنما كممثلةٍ للكنيسة موضوع حبه الفائق.

يقول نيسيفورس Nicephoros بأن العذراء مريم عاشت في بيت يوحنا ١١ عامًا في أورشليم، ويرى البعض أنها ذهبت معه إلى افسس.

- أطلب إليكم أن تتأملوا كيف فعل (السيد) كل شيء على الصليب بدون اضطراب، فتحدث مع تلميذه عن أمه، متممًا النبوات، مقدما رجاءً حسنًا للص، مع أنه قبلَ بإرادته أن يُصلب ظهر وقد تصبب منه العرق وتألم واضطرب. ماذا يعني هذا؟ إنه ليس بالأمر الصعب ولا المبهم. لقد أظهر قبل الصلب ضعف الطبيعة (كإنسان)، هنا يظهر عظمة السلطان.

بجانب هذا فإنه بهذين الأمرين يعلمنا أنه قبل حدوث الأمور المرعبة نضطرب، دون أن ننفر منها، ولكن عندما ندخل المعركة نحسب كل الأمور ممكنة وسهلة.

إذن ليتنا لا نخاف الموت. بالطبيعة نفوسنا تحب الحياة، لكن يحدث لنا أن نحل رباطات الطبيعة، فتصير هذه الرغبة (في الحياة الزمنية) ضعيفة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- نال ذاك التلميذ مائة ضعف أكثر مما تركه عندما استلم أم ذاك الذي وهب كل شيءٍ.

القديس أغسطينوس

"ثم قال للتلميذ: هوذا أمك. ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته". (27)

- وهو على الصليب شهد المسيح وقسم أعمال التقوى بين الأم والتلميذ. قدم الرب شهادة ليس فقط على المستوى العام، بل وعلى المستوى الخاص. وأشار يوحنا إلى هذه الشهادة التي للمسيح شاهدًا عن عظمة هذه الوصية.

- وقفت أمه لا تبالي بالخطر الذي يحدق بها، وذلك من أجل غيرتها للتقوى. استهان هو بمخاطره، وقدم لأمه صفوًا تقويًا. تعلمنا القراءة هنا أنه يلزم اتباع الحنو المادي، وتوقير الأبناء (لأمهاتهم)...

أعلن أن هذه التي ولدت الله بقيت عذراء. ومع ذلك فسُلمت بطريقة سرائرية ليوحنا، الأصغر (بين التلاميذ). هنا سرّ الكنيسة التي ارتبطت قبلاً بالمظهر، وليس عمليًا بالشعب القديم، ولكنها إذا ولدت الكلمة مزروعة في أجساد الناس وعقولهم خلال الإيمان بالصليب ودفن جسد الرب بوصية الله، اختارت أن تتبع الجنس الأصغر.

القديس أمبروسيوس

- يا للعجب من هذه الكرامة التي رام بهـا السيد المسيح تلميذه! ما أوفر هذه الكرامة، لأنه لما انصرف هو في ذلك الوقت سلمها إلى تلميذه المهتم بها، وإذ كان لائقًا بها أن تحتاج إلى مساعدة سلمها إلى محبوبه.

- يعلمنا أن نقدم توقيرًا فوق المعتاد لأمهاتنا. فعندما يقاومنا الوالدون بخصوص أمور روحية يلزمنا ألا نتمسك بما لنا. ماداموا لا يعوقونا يلزمنا أن نقدم لهم وقارًا، وأن نفضلهم عن الآخرين، لأنهم ولدونا، وربونا واحتملوا ربوات الأمور المرعبة من أجلنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لكي تتعلم بأكثر تدقيق من الكتاب المقدس الإلهي أنه ليس فقط يُدعى "ابًا" من هو أب طبيعي بل وغيره أيضًا، اسمع ماذا يقول الرسول؟ "لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرون، لأني ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1 كو 15:4). كان بولس أبًا للكورنثويين، ليس لأنه ولدهم حسب الجسد بل خلال التعليم، وولدهم مرة أخرى حسب الروح.

اسمع أيضًا أيوب: "أب أنا للفقراء". لقد دعا نفسه أبًا، ليس لأنه ولدهم جميعًا، بل من أجل اهتمامه بهم.

وابن اللٌه الوحيد نفسه عندما سُمر على الشجرة وقت الصلب لما نظر مريم أمه حسب الجسد ويوحنا تلميذه المحبوب جدًا من تلاميذه، قال له: "هوذا أمك". وقال لها: "هوذا ابنك"، معلمًا إياها أن تصب حبها "الوالدي" فيه، شارحًا بطريقة غير مباشرة ما قيل في لوقا: "وكان أباه وأمه يتعجبان منه"، هذه الكلمات التي يتصيدها الهراطقة قائلين أنه وُلد من رجل وامرأة.

فكما دعيت مريم أمًا ليوحنا من أجل حبها الوالدي وليس لأنها أنجبته، هكذا دعي يوسف أبًا للمسيح من أجل عنايته بتربيته وليس لأنه أنجبه. إذ يقول الإنجيل: "لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر" (مت 25:1).

القديس كيرلس الأورشليمي

- إنه الابن البتول الذي قبل الأم البتول ميراثًا من الرب.

القديس جيروم


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 19 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


18 توت 1737 ش
28 سبتمبر 2020 م

اليوم الثانى لعيد الصليب المجيد
استشهاد القديس بروفوديوس الخيالي قرن الأول للشهداء
استشهاد القديس اسطفانوس القس والقديسة نيكيتي

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك