إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إن المؤمن لا يمكنه أن تتعبه التجربة أو الضيقه ذلك لأنه يؤمن بعمل الله و يؤمن أن الله يهتم به أثناء التجربة أكثر من اهتمامه هو بنفسه انه يؤمن بقوة الله الذي يتدخل في المشكلة و يؤمن أن حكمة الله لديها حلول كثيرة مهما بدت الأمور معقدة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 19 جـ6 PDF Print

6. تقديم خل له

"بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل، فلكي يتم الكتاب قال: أنا عطشان". (28)

سبق فذكر الإنجيلي في حديثه عن لقاء السيد المسيح مع المرأة السامرية أنه كان عطشانًا، وكان ذلك أيضًا في وقت الساعة السادسة. وكما يرى البعض أنها ساعة الظهيرة التي فيها خرج آدم من الفردوس. هكذا يعلن اللَّه محبته الفائقة للبشرية وعطشه إلى الرجوع إلى أحضانه الإلهية.

أثناء خدمته أعلن السيد المسيح للمرأة السامرية أنه عطشان (يو ٤: ٦-٧)، إذ كان يطلب إيمانها. وفي آخر رحلته هنا، وهو على الصليب، يعلن عن عطشه نحو كل نفسٍ بشريةٍ لتتمتع بأعماله الخلاصية. إن كانت نيران الجحيم قد جعلت من الغني إنسانًا عطشانًا، يطلب قطرة ماء يبلل بها لسانه، فقد احتل مسيحنا مكاننا ليعلن عن عطشنا لكي نرتوي بينابيع حبه.

كان العطش أمرًا طبيعيًا لمن يُصلب حيث يفقد الجسم الكثير من الماء بسبب العرق والجراحات. لم يشكو مسيحنا كل آلام الجلد وإكليل الشوك والمسامير والحربة، لكن الشكوى الوحيدة التي نطق بها هي أنه عطشان، معبرًا عن عطشه الداخلي بجانب آلام جسده. سبق فتنبأ المرتل داود في المزمور الخاص بالصلب فقال: "لصق لساني بحنكي" (مز ٢٢:١٥). كما جاء أيضًا في المزمور 69:21. لم يشر الإنجيليون الإزائيون إلى عطش السيد، بل انفرد الإنجيلي يوحنا بذلك.

"وكان إناء موضوعًا مملوءً خلاً، فملأوا إسفنجة من الخل، ووضعوها على زوفا، وقدموها إلى فمه". (29)

مال البعض إلى احتساب ذلك إمعانًا في قسوة لا موجب لها بحق من يحتضر، إذ كان من المعتاد تقديم كأس خمر للمصلوبين حتى يخففوا عن آلامهم في لحظات موتهم، أما بالنسبة للسيد المسيح ففي شيء من السخرية قدموا إسفنجة بها خل. ويرى البعض الأمر عكس ذلك تمامًا، فإن من تقصّوا الحقيقية أضحى ثابتًا منذ زمن طويل أن الجند الرومانيين كانوا يزوَّدون في البلاد الحارة بشرابٍ خاص يُدعى pouska، وهو مزيج من الماء والخل، من شأنه أن يقطع العطش.

يتساءل البعض كيف يمكن رفع الاسفنجة المملوءة خلاً على زوفا وهو نبات ضعيف لا يقوى على البلوغ إلى فم المصلوب؟ ظن البعض أن الكلمة هنا تعني "جريدة"، لأن الكلمتين "زوفا" و"جريدة" في اليونانية متقاربتان جدًا، خاصة وأنه وجدت الكلمة الأخيرة في نسخة ترجع إلي القرن الحادى عشر. لكن أغلب الدارسين يرفضون ذلك، إذ جاءت الكلمة "زوفا" في كل المخطوطات السابقة وفي مخطوطات آباء الكنيسة الأولي.

يقول Raymond E. Brown أنه يوجد 18 نباتًا يدعي "زوفا"، وأن أكثر من صنف له ساق طويلة قادرة أن تحمل الإسفتجة حتى تبلغ إلى فم الشخص المصلوب.

لقد رفض السيد المسيح أن يشرب خمرًا قبل رفعه على الصليب (مت 27: 34؛ مر 15: 23)، هذا الذي يُقدم لكي يخفف الآلام.

- من له السلطان هكذا لكي يكيِّف ما يفعله مثل هذا "الإنسان" الذي نظم كل شيء بخصوص آلامه؟ لكن هذا الإنسان هو الوسيط بين الله والناس، الإنسان الذي نقرأ عنه في النبوة... من يعرفه؟... إنه ذاك الذي أظهر نفسه محتملاً كل هذه الأمور، هو نفسه أيضًا كان مختفيًا، إذ هو الله الذي أعد كل الآلام.

لقد رأى كل هذا سيتم، فسأل أن يتحقق، لهذا قبل أن يشرب الخل... "في عطشي سقوني خلاً" (مز ٦٩:٢١).

- "قال أنا عطشان" (٢٧)، كما لو قال: "أمر واحد فشلتم أن تفعلوه، وهو أن تعطوني ما أنتم عليه. لأن اليهود أنفسهم كانوا خلاً مستخرجًا من خمر الآباء البطاركة والأنبياء، وامتلأوا كإناء مملوء من شر هذا العالم، قلوبهم كإسفنجة، مخادعين في شكل أعماق بها مسام معوجة. أما الزوفا التي وضعوا عليها الإسفنجة المملوءة خلاً فبكونها عشبًا ضعيفًا يطهر القلب فإنه يناسب تواضع المسيح نفسه الذي حاصروه وتخيلوا أنهم أوقعوه في الفخ تمامًا. لذلك قيل في المزمور: "اغسلني بزوفاك فأطهر" (مز ٥١ :٧). فإننا نتطهر بتواضع المسيح. لأنه لو لم يتواضع ويطيع حتى موت الصليب (في ٢ :٨) ما كان يُسفك دمه لأجل غفران الخطايا، أو بمعنى آخر لتطهيرنا.

القديس أغسطينوس

7. تسليم الروح

"فلما أخذ يسوع الخل قال: قد أكمل. ونكس رأسه، وأسلم الروح". (30)

بقوله "قد أكمل" أعلن السيد المسيح أن عداوة مضطهديه قد بلغت النهاية، وإن النبوات الخاصة بصلبه قد تحققت بالكامل. قد زال الظل تمامًا وتحققت الحقيقة: بيع بثلاثين من الفضة، ثُقبت يداه ورجلاه، قسمت ثيابه، وعلى لباسه ألقوا قرعة، والآن قدموا له خلاً في عطشه، وطُعن جنبه. الآن كملت آلامه لكي ينطلق يحمل الغنائم إلى الفردوس. عوض الجو المملوء كآبة يفتح أبواب الفردوس لكي تتهلل النفوس التي رقدت على رجاء. الآن قد تم تقديم ذبيحة جسده، وها هو كرئيس الكهنة الأعظم السماوي ينطلق إلى الآب ليشتمها رائحة سرور ورضا عنا.

"أسلم الروح": لم تغتصب حياته منه بالقوة، بل سلمها بكامل حريته. لقد قال للآب: "في يديك استودعك روحي"، معبرًا عن قبوله للموت باختياره، فدية عن كثيرين.

"نكس رأسه":ُ الذين يُصلبون عادة يرفعون الرأس للتنفس ولن ينكسوا الرأس إلا بعد آخر نسمة في حياتهم، أما السيد المسيح فلكي يبرز دوره الاختياري أحنى رأسه أولاً كمن ينام، أو كمن يخضع ليعلن أنه حمل ثقل خطايانا وشرورنا، إذ يرى البعض أنه بتنكيس رأسه أعلن مدى ثقل خطايانا التي حملها بإرادته عنا. "لأن آثامي عليّ، طمت فوق رأسي، كحملٍ ثقيل أثقل مما أحتمل" (مز ٣٨: ٤). "لأن شرورًا لا تُحصى قد اكتنفتني" (مز ٤٠: ١٢). احناء الرأس أيضًا يعلن عن خضوعه وطاعته لأبيه الذي يُسر بتقديم ابنه الوحيد ذبيحة حب عن البشرية.

عند الصليب أسلم يسوع روحه البشرية في يدي الآب، لكي يسلم روحه القدوس إلى كنيسته.

- إذ أحنى رأسه سلم الروح، بمعنى أنه مات. مع ذلك فإن لفظ النفس الأخير لا يأتي بعد انحناء الرأس، ما حدث هنا هو على النقيض. إنه لم يحدث له ما يحدث معنا أن يحني رأسه عندما سلم النفس الأخير وإنما عندما أحنى الرأس أسلم الروح قد أظهر الإنجيلي بكل هذه أنه رب الكل.

- أرأيت كيف كان السيد المسيح عاملاً كل ما يشاء بسلطانٍ وبخلوٍ من الاضطراب؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

- أحنى الرأس، وتمم رحيل روحه في عملٍ مريحٍ لها، كما في حضن الآب القادر أن يدللها ويقويها في حضنه.

العلامة أوريجينوس

- من يقدر أن ينعس متى يريد، مثلما مات يسوع حينما أراد؟ من هو هذا الذي خلع ثيابه عندما شاء، كما خلع جسده حسب مسرته؟ من هو هكذا يرحل عندما يريد، كما رحل هذا من هذه الحياة حسب مسرته؟ يا لعظمة سلطان ذاك الذي نترجاه ونرهبه إذ هو الديان، إن كان هكذا هو سلطانه الذي أعلنه وهو إنسان ميتٍ!.

القديس أغسطينوس

8. طعنه بالحربة

"ثم إذ كان استعداد، فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب في السبت، لأن يوم ذلك السبت كان عظيمًا، سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويُرفعوا". (31)

كانت كل السبوت أيام مقدسة، لكن هذا السبت الذي كان يقع في أسبوع الفصح حيث الفطير غير المختمر، الذي يُقدم فيه البكور كما يرى البعض، فهو "اليوم العظيم megale hemera"، وهو أعظم يوم من أيام الإعداد الطبيعي للفصح.

كان الإعداد لكل سبت يبدأ في الساعة التاسعة من يوم الجمعة (٣ ظهرًا). جاء في يوسيفوس أن الإمبراطور أوغسطس أصدر منشورًا لصالح اليهود أنه لا يُلزم أحد أن يقدم تحية في يوم السبت، ولا في الاستعداد له منذ الساعة التاسعة (حسب الطقس اليهودي).

لم يكن يُسمح ببقاء الأجساد الميتة في الأيام العادية (تث ٢١:٢٣) ولعل ضميرهم بدأ يوخزهم فلم يحتملوا بقاء جسمه معلقًا أمامهم يذكرهم بجريمتهم البشعة، فيفسد عليهم فرح العيد. هذا وبمناسبة العيد كانت أورشليم مكتظة بالغرباء، فلم يرد اليهود أن يبقى جسم المسيح المصلوب معلقًا.

يرى البعض أنهم لم يطلبوا قطع رؤوسهم لكي يموتوا سريعًا بلا آلام متزايدة، وإنما طلبوا كسر سيقانهم من أجل معاناتهم من آلام أكثر. وهكذا حتى في طلب الرحمة (إنزال أجسادهم من على الصليب) كانوا قساة للغاية. وعندما تظاهروا بالقداسة - عدم ترك الأجساد حتى لا تتدنس الأرض - مارسوا الشر. اهتموا بحفظ السبت ولم يراعوا العدالة والبرّ.

- كان اليهود يبلعون الجمل ويصفون عن البعوض، إذ مارسوا إثمًا جسيمًا ودققوا جدًا بخصوص (حفظ) اليوم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فأتي العسكر وكسروا ساقي الأول والآخر المصلوب معه". (32)

"وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه، لأنهم رأوه قد مات". (33)

مات السيد المسيح سريعًا قبل اللصين، ربما لأن جسمه كان نحيفًا، ولأن شخصه كان رقيقًا، فلم يحتمل كل هذه الآلام. أو لعله سمح لنفسه بالموت قبلهما ليدرك الكل أنه مات بإرادته، إذ سلم روحه في يدي الآب في الوقت الذي اختاره. لقد خضع للموت بإرادته لا عن التزام، وإنما خلال نصرته بالحب.

"لكن واحدًا من العسكر طعن جنبه بحربة، وللوقت خرج دم وماء". (34)

لم ترد قصة طعن جنب المسيح إلا في هذا الإنجيل.

يسوع الذي مات حقيقة حسب الجسد، إذ فارقت النفس الجسد، يُعلن أنه مبدأ الحياة الغالبة للموت. بموته غلب الموت وأعاد إلينا الحياة الأبدية.

يرى آباء الكنيسة الأولى مثل القديسين أغسطينوس وأمبروسيوس ويوحنا الذهبي الفم في هذه الظاهرة إشارة أولى إلى سرّي المعمودية (الماء) والإفخارستيا، حيث يكون الارتواء مباشرًا من الجرح في جنب ربنا يسوع. ويرى كل من العلامة ترتليان والقديس كيرلس الأورشليمي والقديس جيروم أن الماء والدم هنا هما رمزان للمعمودية والاستشهاد. ويرى البعض أنهما رمز للعهدين القديم (الماء) والجديد (الدم) حيث فيه تم العهد وتمتع رجال العهدين بالخلاص.

يُقال أن هذا الجندي يُدعى لونجينوس Longinus، وأنه إذ خرج دم وماء من جنب السيد سقطت قطرات دم على عينيه العليلتين فبرئتا، فآمن به، وأنه كرز في كبدوكية، ونال هناك إكليل الشهادة. يرى البعض أن اسم لانجينوس جاء تحريفًا من كلمة Longchee اليونانية، ومعناها حربة أو رمح وردت هنا في النص.

لازال النقاش مستمرًا حول موضع الحربة، هل على الجانب اليمين أم اليسار من السيد المسيح. وإن كان الروح القدس لم يعلن لنا خلال الأناجيل عن ذلك، مكتفيًا بأنه طعن بالحربة تحقيقًا للنبوة. يرى البعض في طعن السيد المسيح بالحربة حتى قلبه إنما كان ذلك أشبه بنافذة تطل من خلالها النفس على أحشاء المسيح الداخلية أو قلبه، لترى فيض حبه الإلهي، أو لهيب الحب الفائق نحو البشرية. إنه النافذة المفتوحة التي من خلالها يمكن للمؤمن أن يلتقي بالله، ويرسل إليه مشاعر حبه. إنها نافذة القلب التي لا تُغلق قط أمام أي تائب.

سمح الله للجندي أن يضرب قلب السيد المسيح بالحربة لكي نرى في القلب الصخرة المضروبة لأجلنا (١ كو ١٠:٤)، والينبوع الذي يفيض علينا (زك ١٣:١)، وآبار الخلاص التي حُفرت من أجلنا (إش ١٢: ٣)، والنهر الذي يفيض بمجاريه لكي يفَّرح مدينة الله.

- جُرح الرب في آلامه، ومن هذا الجرح خرج دم وماء... الماء للغسل، والدم للشرب، والروح لقيامته. فالمسيح وحده هو رجاؤنا وإيماننا وحبنا. رجاء في قيامته، وإيمان في الجرن، وحب في السرّ.

القديس أمبروسيوس




السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 19 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


17 توت 1737 ش
27 سبتمبر 2020 م

تذكار الاحتفال بالصليب المجيد بكنيسة القيامة سنة 43 ش في عهد الملك قسطنطين البار
استشهاد القديس قسطور القس
نياحة القديسة ثاؤغنسطا
نياحة القديس المعلم جرجس الجوهري

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك