إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

كل جلجثة وصليب تعقبها دائماً أفراح القيامة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير إنجيل يوحنا اصحاح 20 جـ3 Print Email
يشير الملاكان إلى الشاروبين اللذين كانا على غطاء تابوت العهد حيث عرش الرحمة وحضرة الله وسط شعبه (خر ٢٥: ١٨). لم يحملا سيفًا كما حمل الشاروب عند باب جنة عدن ليمنع الإنسان من الدخول، وإنما كانا جالسين عند الرأس والرجلين، يرحبان بنا، ويقودان كل مؤمن للتمتع بالشركة مع المسيح المصلوب القائم من الأموات، لنتمتع بالحياة الأبدية خلال الصليب، شجرة الحياة.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن ملاكًا عند الرأس يعلن عن لاهوته: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله "(يو1: 1). والثاني عند الرجلين يعلن عن التجسد: "الكلمة صار جسدًا وحل بيننا" (يو1: 14). يمكن أيضًا القول بأنهما يشيران إلى العهدين القديم والجديد، كلاهما يقدمان ذات الرسالة بأن الرب صار إنسانًا ومات وقام. إنهما كالشاروبين اللذين كانا على غطاء تابوت العهد حيث كان مجد الرب يتجلى. وكلمة شاروب تعني "كمال المعرفة "، وماذا يعني الشاروبان إلا العهدين؟ وما هو كرسي الرحمة إلا الرب الذي صار إنسانًا. يعلن العهد القديم عن أمرٍ لابد أن يحدث، ويعلن العهد الجديد أن هذا الإعلان قد تحقق وتم. وكأن العهدين ينظران الواحد نحو الآخر بينما اتجه الاثنان نحو كرسي الرحمة، يتأملان الرب الذي صار إنسانًا، وبقلب واحدِ يصفان سرّ تدبيره.

 لماذا كان أحدهما جالسًا عند الرأس، والآخر عند القدمين؟ أليس لأن الكلمة اليونانية المترجمة ملاكين في اللاتينية nuntii (حاملا الأخبار)؛ وبهذا فإنهما يشيران إلى إنجيل المسيح الذي يُكرز به من الرأس حتى القدمين، أو من البداية حتى النهاية؟

القديس أغسطينوس

 إذ لم يكن ذهن المرأة قد ارتفع بما فيه الكفاية لقبول القيامة من خلال برهان المنديل (والأكفان)، حدث أمر آخر، إذ رأت ملاكين جالسين في ثياب برَّاقة، حتى يقيماها إلى حين من حزنها الشديد، ويهبانها راحة. لم يتحدثا عن القيامة، لكنها اُقتيدت إلى هذا التعليم بهدوء. رأت ملامح بهية غير عادية، وشاهدت ثيابًا مضيئة، وسمعت صوتًا معزيًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- كرّم اليهود القدامى قدس الأقداس من أجل ما احتواه من الكاروبين وعرش الرحمة وتابوت العهد والمن وعصا هرون والمذبح الذهبي. هل يبدو قبر المسيح أقل كرامة منه؟ فإننا إذ ندخله غالبًا ما نرى المخلص في أكفانه، وإن تأخرنا نرى ملاكًا جالسًا عند قدميه وآخر عند رأسه. هذا القبر نحته يوسف الرامي، وجاءت نبوة إشعياء تخبرنا عن مجده: "في راحته يكون مجيدًا" (إش 10:11)، بمعنى أن موضع دفن الرب ينال كرامة عالمية.

القديس جيروم

"فقالا لها: يا امرأة لماذا تبكين؟ قالت لهما: أنهم أخذوا سيدي، ولست أعلم أين وضعوه". (13)

أظهر الملاكان حنوًا نحو مريم المجدلية الباكية، فقد دُهشا لبكائها، إذ كانا ينتظران أنها تفرح بقيامته. حقًا وسط آلامنا يشاركنا السمائيون الحب، ويندهشون لحزننا، إذ أدركوا ما يعده القائم من الأموات من أمجاد لمؤمنيه.

لم يكن ممكنًا حتى لرؤية الملاكين أن يشبعا قلب المجدلية، فقد جاءت تطلب السيد المسيح نفسه.

- منعها الملاكان من الدموع، لأنه بمثل هذا الوضع يليق بهما ماذا يعلنان سوى أنه بطريق أو آخر أنه موضوع فرح المستقبل... لقد وضعا السؤال: لماذا تبكين؟ كما لو قالا: لا تبكين. أما هي فظنتهما يسألان لعدم معرفتهما عن سبب دموعها.

القديس أغسطينوس

- في كل هذه الظروف كان كما لو أن الباب ينفتح أمامها لتدخل قليلاً قليلاً إلى معرفة القيامة. كانت طريقة جلوسهما دعوة لها أن تسألهما، إذ أظهرا لها أنهما يعرفان ما قد حدث. ولهذا لم يجلسًا معا بل كل منهما على انفراد... ماذا قالت؟ تحدثت في حرارة وانفعال: "إنهم اخذوا سيدي، ولست أعلم أين وضعوه" (13). ماذا تقولين؟ أما عرفتِ بعد شيئًا عن قيامته، بل لازلتِ تتخيلين أنه لا يزال موضوعًا في مكان؟ ألا ترون كيف أنها لم تقبل بعد تعليمًا عاليًا؟

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لم تكن تطلب الجسد، بل الرب الذي أُخذ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

- "في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي" (نش 1:3). وقد قيل: "جاءت مريم والظلام باق"، "في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي، طلبته فما وجدته". وفي الأناجيل تقول مريم: "أخذوا سيدى ولست أعلم أين وضعوه؟!".

القديس كيرلس الأورشليمي

3. صباحًا: لقاء المجدلية مع المسيح

"ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء، فنظرت يسوع واقفًا، ولم تعلم أنه يسوع". (14)

موضوع "المكان" الخاص أين يمكث يسوع، وأين يذهب، هو موضوع حيوي. ففي بداية الإنجيل سأله التلميذان الأولان: "يا معلم أين تمكث؟" (يو 38:1). وفي العشاء الأخير قال له توما: "لسنا نعلم إلى أين تذهب" (يو5:14). وعند القبر سألته المجدلية: "إن كنت قد حملته، فقل لي أين وضعته، وأنا آخذه" (يو 15:14). وعندما سألها أن تبشر بقيامته وجّه نظرها إلى أين تذهب، إذ أراد لها كما للتلاميذ أن يصعدوا درجات أعلى في معرفتهم لقيامته.

قبل أن يجيب أحد الملاكين عليها جاءت الإجابة عمليًا من السيد المسيح نفسه الذي وقف وراءها ليتحدث معها ويجيب على سؤالها. كان شهوة قلب المجدلية أن ترى جسد المسيح الميت، لكنه وهبها ما هو أعظم، إذ ظهر لها "القائم من الأموات". إنه يعطينا أكثر مما نسأل وفوق ما نطلب.

التفتت إلى الوراء ربما لأنها شاهدت الملاكين قاما بعملٍ غير عادي كالسجود متجهين نحوه، أو أن أنظارهما قد تحولت عنها إليه بوقار شديد. رأته إنسانًا عاديًا فلم تتعرف على شخصه. لم تكن نفسية المجدلية أو فكرها مهيأ للقاء مع القائم من الأموات. وربما بسبب حزنها الشديد لم تستطع أن تتعرف على شخص ربنا يسوع. حقًا كانت تبحث عنه بدموعٍ بقلبٍ منكسرٍ، ولم تدرك أنه قريب من منسحقي القلوب (مز ٣٤: ١٨)، أقرب مما يظنوا. هكذا يليق بنا حين نطلبه أن ندرك أنه قريب إلينا جدًا، فوق كل تصورٍ بشري. فهو في داخلنا يود أن يعلن ذاته لنا.

لم يروِ لنا يوحنا الإنجيلي أن أحد الملاكين قد أخبراها بقيامته، ربما لأنه سبق فأشار إلى ذلك الإنجيليون الثلاثة (مت ٢٨: ٥-٧؛ مر ١٦: ٦-٧؛ لو ٢٤: ٥--).

- على ما يلوح لظني أنها إذ قالت إنهم أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه ظهر السيد المسيح خلفها بغتة! فأخاف الملاكين، فإذ عاينا سيدهما أظهرا في الحال بشكلهما وبنظراتهما وبحركتهما أنهما قد أبصرا ربهما، بهذا الحال استمالا التفات مريم.

ظهر لهما بهذه الكيفية، ولم يظهر هكذا للمرأة، حتى لا ترتعب منه عند أول نظرة إليه. إنما ظهر لها في شكل عادي بسيط كما يظهر من كونها قد ظنته أنه البستاني.

كان هذا يليق بفكر غير متقدم أن ينطلق إلى الأمور العلوية ليس دفعة واحدة بل بهدوءٍ، لهذا سألها: "يا امرأة لماذا تبكين؟ من تطلبين؟"

القديس يوحنا الذهبي الفم

- إذ أحبت وشكت رأته ولم تتعرف عليه؛ حبها أعلنه لها، وشكها منعها عن معرفته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"قال لها يسوع: يا امرأة لماذا تبكين؟ من تطلبين؟ فظنت تلك أنه البستاني، فقالت له: يا سيد إن كنت أنت قد حملته، فقل لي أين وضعته، وأنا آخذه". (15)

ربما جاء تساؤل السيد المسيح يحمل شيئًا من الحزم: يا امرأة لماذا تبكين؟ من تطلبين؟ وكأنه يقول لها: لماذا أتيتِ إلى هذا الموضع باكرًا؟

لقد سبق فرُمز لهذا التصرف بيوسف الذي تظاهر أمام اخوته كغريبٍ قبل أن يكشف لهم عن شخصه (تك 44، 45). إنه يعاتبها: "لماذا تبكين؟ أنا قمت! من تطلبين؟ ها أنا أمامك! قيامتي فيها الإجابة على كل أسئلتك، وفيها شبع لكل احتياجاتك".

جاءت إجابتها تحمل معنى: "لماذا تلومني على دموعي الغزيرة؟ ولماذا تسألني من أطلب؟ أنت تعرف سرّ دموعي وموضوع طلبي"، وإذ حسبته البستاني ترجته أن يخبرها أين هو إن كان قد حمله إلى موضع آخر.

ربما ظنت أنه كبستاني لم يقبل أن يوضع جثمان مصلوب مرفوض من المجتمع في قبر سيده الجديد، لذلك حمله إلى موضع آخر. لذلك طلبت أن تأخذه لتجد له قبرًا آخر تضعه فيه. بحبها لم تشعر بأي ثقل من جهة حمل جسد المسيح والبحث عن قبرٍ لائق به.

- مرة أخرى تتحدث عن جسد موضوعٍ أو محمولٍ بعيدًا كما عن جثة ميت. إنها بهذا تعني: "إن كنت قد حملته خوفًا من اليهود، أخبرني. فإنني أأخذه". عظيم هو حنو المرأة وانفعالها المحب، لكن لم يكن لديها شيء علوي. لذلك يضع الأمر أمامها بالصوت لا بالمظهر.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- سألها عن سبب حزنها لكي يزيد من شوقها، حتى إذ سأل تلك التي تبحث لترى تشعر بحب ملتهب متزايد من نحوه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

"قال لها يسوع: يا مريم. فالتفتت تلك، وقالت له: ربوني، الذي تفسيره يا معلم". (16)

إذ بحثت عنه بغيرة متقدة ومحبة تأهلت أن تسبق غيرها في التمتع بصوته المفرح. لقد سرّ السيد المسيح أن يهبها فرح قيامته، لكي تشهد وتكرز بإنجيل القيامة. تحدث معها لا بلهجة بستاني حارس للبستان، وإنما بنغمة المحبة التي اعتادت عليها. سمعت اسمها على فمه فعرفت شخصه، وكما قال السيد عن خرافه أنها تعرف صوته (يو ١٠: ٤). كان يكفيها كلمة واحدة، أن يناديها السيد باسمها. وكما تقول الكنيسة: "صوت حبيبي، هوذا آتٍ طافرًا على الجبال، قافزًا على التلال" (نش ٢: ٨).

قالت له: "ربوني" وهو لقب يحمل نوعًا من الكرامة أكثر من لقب "راباي". إنه يحمل معنى "يا معلمي العظيم الكرامة".

- إلى أن دعاها باسمها وظهر لها كهاتفٍ لا تزال تظنه ميتًا وتسأل أين هو موضوع، دعاها باسمها. وكأنه يقول لها: "لتعرفي ذاك الذي يعرفك". وإذ دُعيت مريم باسمها عرفت خالقها. أنه ذاك الذي تبحث عنه خارجها، وهو يعلمها أن تبحث عنه داخليًا.

البابا غريغوريوس (الكبير)

- علة حزنها الشديد أنها لم تعرف أين تذهب لتهدئ من حزنها. لكن قد أتت الساعة حين يعلن لها الملاكان إلى حد ما بالفرح الذي يحل بعد الحزن، فقد طلبا منها ألاَّ تبكي.

-عندما حولت جسمها (التفتت إلى الوراء) ظنته على غير ما هو عليه (١٥)، بينما حينما حولت قلبها تعرفت عليه كما هو.

القديس أغسطينوس


السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 التالى
+ إقرأ إصحاح 20 من إنجيل يوحنا +
+ عودة لتفسير إنجيل يوحنا +
 


14 توت 1737 ش
24 سبتمبر 2020 م

نياحة القديس أغاثون العمودي في سخا
استشهاد القديس فيلكس وريجولا أخته
استشهاد القديس اكسيوبرانتيوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك