إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

التوبة هيَ : بدء الطريق إلى اللَّـه ، ورفيق الطريق حتى النهاية

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بطرس الرسول الأولى اصحاح 2 جـ4 PDF Print Email
"أو للولاة فكمرسلين منه للانتقام من فاعلي الشر وللمدح كفاعلي الخير" [14].

أي لا نخاف من نواب الإمبراطور (الولاة) بل نحبهم ونخضع لهم، لأنهم معينون لأجل الانتقام من الأشرار ومدح فاعلي الخير (رو ١٣: ٣-٤). نخضع لهمk مهتمين فقط بصنع الخير، وهذا يسد الأفواه المشتكية ظلمًا "لأن هذه هي مشيئة الله أن تفعلوا الخيرً فتسكتوا جهالة الناس الأغبياء" [15].

لكن قد يسأل أحد: لماذا نخضع لهم ألسنا أحرارًا؟ الحرية في المسيحية ليست فوضى ولا عصيانًا للنظم والقوانين، بل هي خضوع وطاعة برضا وفرح، صانعين الخير كاسرين الشر تحت أقدامنا.

"كأحرار وليس كالذين الحرية عندهم سترة للشر بل كعبيد لله" [16].

يقول القديس أنبا أنطونيوس: [لا نعتبر الأحرار هم أولئك الأحرار بحسب مركزهم، بل الذين هم بحق أحرار في حياتهم وطبعهم... حرية النفس وطوباويتها هما نتيجة النقاء الحقيقي والازدراء بالزمنيات.] وأيضًا [الإنسان الحر هو ذاك الذي لا تستعبده الملذات بل يتحكم في الجسد بتمييز صالح وعفة، قانعًا بما يعطيه الله، مهما كان قليلاً، شاكرًا إياه من كل قلبه.]

الحر ليس بمركزه بل أن يتحرر في داخله مما فيه، فيعيش غير خانعٍ لشهوة ولا تلعب به لذات. فالحرية لا تبعث فينا الاستهتار بل تحملنا المسئولية. وكما يقول القديس إيريناؤس: [يحاسب العبد عن أفعاله، أما الابن فإنه يطالب بأكثر من ذلك، فيحاسب عن كلماته (مت ١٢: ٣٦) وعما يدور في فكره (مت ٥ : ٢٨) فإذ نال الحرية هذا يجعله ممحص أكثر.]

"أكرموا الجميع. أحبوا الإخوة. خافوا الله. أكرموا الملك" [17].

يبدأ الرسول بإكرام الجميع حتى لا يظنوا أنه عندما يتحدث عن إعطاء الكرامة لمن له الكرامة يكون فيه محاباة وإهانة للفقير والضعيف، إنما يلزمنا إكرام خليقة الله كلها التي مات المسيح من أجلها. فمن يحتقر إنسانًا يهين خالقه وفاديه. وإذ نكرم الجميع يليق بنا أن نحب الأخوة، ذلك الحب الذي تحدث عنه الرسول بولس (١ كو ١٣) والذي بدونه تفقد العبادة كيانها ووجودها. وبهذا الحب يمكننا أن نتقي الله ونخافه، لأن من لا يحب أخاه كيف يقدر أن يعبد الله؟ مخافتنا للرب تبعث فينا تكريم الرؤساء والملوك المرسلين منه. هذا الإكرام ليس مبعثه شخص الملك بل مخافة الرب.

ثانيًا: الأمانة في الخدمة

"أيها الخدام كونوا خاضعين بكل هيبة للسادة، ليس للصالحين المترفقين فقط، بل للعنفاء أيضًا" [18].

مادام الخضوع أساسه "مخافة الرب"، لهذا لا يليق بالمؤمن أن يفحص أعمال رؤسائه، بل يحترمهم ويحبهم حتى وإن كانوا عنفاء.

ويقصد الرسول بالخدام العبيد أيضًا، إذ كان عددهم في ذلك الوقت ضخمًا. فيذكر المؤرخ بلينوس أن لأحد أصدقائه ٤٠٠٠ عبدًا ليس لهم أي حق شرعي.

وإذ كان قد آمن عدد كبير منهم بالمسيحية لذلك كان لزامًا أن تُوَجَّه إليهم نصائح خاصة بعملهم. فتُطالبهم بالخضوع برضا، حتى وإن كان سادتهم عنفاء. وقد استطاعت المسيحية خلال العبيد أن تكسب كثير من السادة، وخلال المرؤوسين أن يكرزوا بالسيرة الحسنة ورائحة المسيح النابعة فيهم لرؤسائهم.

وتظهر أهمية الأمانة في العمل من الرسالة التي وجهها أبونا البابا ثيوناس الاسكندري إلى لوقيانوس كبير أمناء القصر الإمبراطوري نذكر منها مقتطفات:

[ما أظن ولا أود يا عزيزي لوقيانوس أن تتباهى بهذا الأمر أن كثير من رجال قصر الإمبراطور قد بلغوا إلى معرفة الحق. بل بالحري يليق بنا أن نقدم الشكر لإلهنا الذي يستخدمنا كآنية صالحة لعمل صالح، وقد منحك كرامة عظيمة لدى الإمبراطور حتى تظهر رائحة اسم المسيحي الذكية التي هي لمجد المسيح ولخلاص كثيرين.

فإنه وإن كان الإمبراطور نفسه لم يتلامس تمامًا مع الإيمان المسيحي، إلاَّ أنه يضع ثقته بخصوص أموره الخاصة وحياته في أيدي المسيحيين لأنهم أكثر الخدام أمانة... لذلك يجدر بك أن تبذل كل ما في وسعك ألا تسقط في أمر دنيء معيب، ولا تنطق بأي حال من الأحوال بكلمة نابية حتى لا يجدف على اسم المسيح بسببك...

الله لا يسمح أن نكون من بين المرتشين لبلوغ مآرب لدى الإمبراطور...

إياك وشهوة الطمع الذي يخدم الأصنام لا المسيح (أف ٥: ٤-٥)...

لنفعل كل شيء بوداعة ولياقة واستقامة حتى يتمجد اسم إلهنا وربنا يسوع المسيح في كل شيء.

تمم الأعمال الموكولة إليك بمخافة الرب وفي محبة لرئيسك وبعناية كاملة.

انظر إلى كل أمر صادر من الإمبراطور، ولا يعارض الله، إنه صادر من الله ذاته. ولتتقد بالمحبة كما بالخوف وبكل فرح...

ولكي ما يتمجد الله فيكم، اطئوا تحت أقدامكم كل رذائلكم الذهنية وشهوات جسدكم.

التحفوا بالصبر والشجاعة وانتعشوا بالفضائل ورجاء المسيح.

احتملوا كل شيء من أجل خالقكم نفسه. احتملوا كل شيء. اغلبوا كل شيء، لكي تربحوا المسيح الرب...

عزيزي لوقيانوس إذ أنت حكيم احتمل بطيب قلب غير الحكماء (٢ كو ١١: ١٩) فربما يصيروا حكماء.

لا تسمح بأذية أحد في أي وقت ولا تدع أحدًا يغضب.

إن حدث لك ضرر فتطلع إلى يسوع المسيح... لا تترك يومًا يمر بغير قراءة نصيب في الكتاب المقدس مخصصًا وقتًا مناسبًا له تاركًا وقتًا للتأمل.]

"لأن هذا فضل، إن كان أحد من أجل ضمير نحو الله يحتمل أحزانًا متألمًا بالظلم. لأنه أي مجد هو إن كنتم تلطمون مخطئين فتصبرون، بل إن كنتم تتألمون عاملين الخير فتصبرون، فهذا فضل عند الله" [19-20].

كان اللطم هو القصاص العادي للخدام متى أخطأوا... فإن لُطِمْنا من أجل خطأ ارتكبناه ما هو مجدنا؟ أما من يُلْطَم متألمًا من أجل عمل الخير فيصبر، فهذا فضل عند الله. وكلمة "فضل" في اليونانية تحمل معنيين في نفس الوقت وهما "نعمة ومعروف".

نقبل اللطم ظلمًا من أجله بسرورٍ ورضا. يذكر لنا الأب بيامون قصة امرأة شريفة بالإسكندرية طلبت من البابا أثناسيوس أرملة تعينها في الخدمة فأعطاها أرملة تخاف الرب. عادت السيدة تطلب غيرها فأرسل لها أشر أرملة، حتى تطاولت وضربت سيدتها، فجاءت السيدة شاكرة البابا قائلة له: "لقد أعطيتني حقًا امرأة تعينني وتشددني... أما الأولى فكانت تكرمني بالأكثر وتدللني بخدماتها".

السيد المسيح كمثال لنا

"لأنكم لهذا دُعِيتُم فإن المسيح أيضًا تألم من أجلنا، تاركًا لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته" [21].

نزل السيد المسيح بنفسه وعاش بين الخدام ولُطِم منهم، حتى نستطيع نحن أيضًا أن نتبع خطواته.

"لأنكم لهذا دعيتم"، أي أن هذه هي دعوة المسيح لنا، كما يقول القديس أغسطينوس: [أن نرفع أنظارنا إلى العريس السماوي، فإنه عُلِّق على الصليب كعبد متألم ظلمًا.]

ويقول أبونا البابا أثناسيوس الرسولي: [سَبَقَنا ربنا في هذا عندما أراد أن يظهر للناس كيف يحتملون؟... عندما ضُرِب احتمل بصبر، وعندما شُتِم لم يشتم، وإذ تألم لم يهدد بل قدم ظهره للضاربين وخديه للذين يلطمونه، ولم يحول وجهه عن البصاق. وأخيرًا كانت إرادته أن يُقاد إلى الموت حتى نرى فيه صورة كل الفضائل والخلود، فنسلك مقتفين آثار خطواته، فندوس بالحق على الحيات والعقارب وكل قوة العدو (الخطية).]


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 2 من رسالة بطرس الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة بطرس الرسول الأولى +
 


13 توت 1737 ش
23 سبتمبر 2020 م

تذكار الأعجوبة التي صنعها القديس باسيليوس الكبير أسقف قيصرية
نياحة البابا متاؤس الثاني "90"

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك