إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

راحة الجسد ليست خطية إنما هى وصية إلهية إنما من الخطأ أن شخصاً يبنى راحته على تعب الآخرين

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس اصحاح 2 جـ1 PDF Print Email

سرّ الحكمة المكتومة

تحدث الرسول بولس في الاصحاح الأول عن موضوع وحدة الكنيسة، بدأ بالكشف عن المرض ثم تحدث عن المسيح الواحد، المصلوب من أجل الكل، وباسمه نلنا العماد، مقدمًا صليبه لنا كي نختبر قوة اللَّه وحكمة اللَّه, فيه يتمتع جميع المؤمنين بالحكمة والبر والقداسة والفداء. الآن يكشف الرسول عن عمل الروح القدس، روح المسيح الذي يوحدنا معه في حياتنا اليومية. إنه يهبنا معرفة الصليب، ويقدم لنا القوة لمواجهة الضيقات والاضطهادات والمخاوف. ويعطينا برهان الروح والقوة، وخبرة سرّ مجدنا الأبدي، ويعلن لنا عن أسرار اللَّه، ويمتعنا بالتمييز الروحي وفكر المسيح.

في هذا الاصحاح يوضح لهم الرسول بولس كيف بدأ معهم الخدمة. ذكَّرهم بمنهجه الإنجيلي الذي استخدمه، وقد حوى هذا المنهج ثلاثة جوانب:

الجانب السلبي: وهو عدم استخدامه سمو الكلام أو الحكمة البشرية.

الجانب الإيجابي: تتحقق الشهادة للَّه بإعلانٍ إلهيٍ.

النهاية: ركّز على شخص المسيح المصلوب حتى يتمتع المؤمنون بكنز الحكمة الحقيقية السماوية التي تفوق كل حكمة بشرية في هذا العالم، وبقوة اللَّه عِوض الانشغال بالحوارات العقلية الجافة. بالصليب يتجلى الرب فيهم ويتمجد في الكل.

يمثل الإصحاح رحلة النفس المؤمنة تحت قيادة الروح القدس الذي يعبر بها إلى فكر اللَّه قبل الدهور الخاص بخلاصنا، وينطلق بها إلى الأمجاد الأبدية الخاصة بمجدنا.

1. الصليب وبرهان الروح 1-4

2. قوة اللَّه والحكمة الكاملة 5-6.

3. سرّ الحكمة المكتومة 7-8.

4. سرّ المجد الأبدي 9-12.

5. الإنسان الروحي 13-15.

6. لنا فكر المسيح 16.

1. الصليب وبرهان الروح

"وأنا لما أتيت إليكم أيها الاخوة،أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة مناديًا لكم بشهادة اللَّه" [1].

يكمل الرسول بولس حديثه عن سرّ الوحدة الكنسية وارتباطها بالصليب أو بحكمة اللَّه التي يراها اليهود عثرة واليونانيون جهالة. الآن يؤكد الرسول انه لم يأتِ إليهم كخطيبٍ بليغٍ ولا كفيلسوفٍ ماهرٍ، ولم يُظهر حكمة بشرية بألفاظٍ براقةٍ. فقد تربى في مدرسة جديدة هي مدرسة الحكمة الإلهية المكتومة، بروح التواضع والمخافة الإلهية. حمله روح اللَّه إلى الأمجاد التي لا يُعبر عنها، ويكشف له الإلهيات الفائقة. رفعه من إنسان جسداني وطبيعي إلى إنسان روحي يحمل فكر المسيح.

يؤكد لهم أنه إذ جاء إليهم يكرز بالإنجيل لم يستخدم البلاغة وسمو الكلام مثل فلاسفتهم، إنما قدم لهم الحق الإلهي في بساطة. كأنه يقول لهم: "وأنا أيها الاخوة كجاهلٍ وضعيفٍ ومحتقرٍ استخدمني اللَّه لمجد اسمه. جئت أتحدث في بساطة لكي يكون حديثي متناغمًا مع خطة اللَّه الخلاصية".

في طرسوس درس الرسول بولس كتابات الفلاسفة، وحسب أن الفكر الهيليني هيأ الطريق للخلاص لكنه فشل في تجديد العالم، حيث يحتاج الأمر إلى عمل إلهي.

تمتع الرسول بولس بالثقافة اليونانية (الهيلينية) التي اهتم بها بعض اليهود في طرسوس والإسكندرية، كما تمتع بالجنسية الرومانية بالميلاد التي حفظته من استخدام العنف معه وهو يكرز بين الأمم، ودرس الشريعة الموسوية والتقليد اليهودي في أورشليم. وتفاعل الثلاثة معًا في حياة الرسول بولس لخدمة الكرازة، لكن ما يشغل قلب الرسول بولس وفكره هو التمتع بخدمة الكرازة بالقوة الإلهية العاملة للخلاص خلال صليب رب المجد يسوع.

- لم يتهيأ أحد للمعركة مثل روح بولس، أو بالأحرى أقول ليس روحه (إذ لم يكن هو نفسه مخترع هذه الأمور)، بل لا يوجد ما يعادل النعمة العاملة فيه الغالبة لكل شيء.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"شهادة اللَّه": جاءت في بعض النسخ القديمة "سرّ اللَّه". يُدعى الإنجيل "شهادة المسيح"؛ هنا يقصد الشهادة التي يحملها الإنجيل من نحو خطة اللَّه الخلاصية بالصليب لا بالبلاغة اللغوية.

- ما يدعوه بولس هنا شهادة هو اللَّه الكلمة المتجسد، المخفي عن كل الدهور مع اللَّه. يقوم الهراطقة بدور متهور ومتهاون في هذه الأمور. إنهم يكرزون بتعاليمهم الشريرة ببلاغة عظيمة، سالكين بحكمة العالم. إنهم ينزعون عن صليب المسيح قوته.

أمبروسياستر

"لأني لم اعزم أن أعرف شيئًا بينكمإلا يسوع المسيح وإياه مصلوبًا" [2].

وجد الرسول بولس في صليب يسوع المسيح شبعه الداخلي، وأدرك أنه ينبوع الحكمة وكل سعادة. لهذا فإن موضوع كرازته هو أن يتعرف الكل على الصليب.

إنه لا يهدف إلى تقديم معرفة أخرى ولا إلى الكرازة بأمرٍ آخر، أو اكتشاف أسرارٍ أخرى، فقد أُبتلع كل قلبه وفكره وأحاسيسه بشخص المسيح المصلوب. فالمسيح هو جوهر الكرازة، وصليبه هو العَلَمْ الذي يدعو الكل ليحتموا تحت ظله. هكذا بروح اللَّه القدوس دخل سرّ الحكمة الأزلية، فعرف سرّ الصليب الذي كان في خطة اللَّه حتى قبل السقوط، وانطلق به إلى الأبدية ليرى الأمجاد التي أعدها المصلوب لمؤمنيه.

- إنه الكلمة المتجسد الذي تمم سرّ خلاصنا. هو الذي حررنا وخلصنا. إننا نؤمن به ذاك الذي هو مخلصنا بالصليب وبقيامته.

ماريوس فيكتوريانوس

- أتيت إليكم لا ببلاغة وحكمة، ولا نطقت بشيء سوي أن "المسيح قد صُلب".

القديس يوحنا الذهبي الفم

-ينطق بولس بهذا لأنه يتحدث عن أولئك العاجزين عن أن يبصروا التعاليم السامية جدًا عن لاهوت المسيح.

القديس أغسطينوس

"وأنا كنت عندكم في ضعفٍ وخوفٍ ورعدةٍ كثيرةٍ" [3].

لعل ضعف الرسول وخوفه ورعدته كان بسبب شعوره في البداية بمقاومة البعض له وفشله في الخدمة. "فقال الرب لبولس في رؤيا في اللَّه: لا تخف بل تكلم ولا تسكت لأني أنا معك، ولا يقع بك أحد ليؤذيك، لأن لي شعبًا كثيرًا في هذه المدينة" (أع 18: 9-10). هكذا يقدم لنا الرسول صورة حية للخادم الذي يدرك ضعفه وعجزه وخوفه ورعدته، فيقبل عمل روح اللَّه القدوس الذي يهبه قوة ويسنده فينجح بالنعمة الإلهية.

-هذا أيضًا موضوع آخر، وهو أن المؤمنين ليسوا فقط غير متعلمين ولا أن المتحدث غير متعلم... ولكن مع هذا الأمور توجد أيضا مقاومة أخرى ومخاطر وخطط ومخاوف يومية لكي تصطاده. فإن كلمة "ضعف" بالنسبة له في مواضع كثيرة يقصد بها الاضطهادات. "ضعفي الذي في جسدي لم يزدروا به" (غلا 4: 14). "إن كان يجب الافتخار فسأفتخر بأمور ضعفي" (2 كو 11: 30)...

بالحق أنه بسبب إحساسه بالتصميم حتى وهو خائف من الموت والضرب لم يخطئ بسبب الخوف. لذلك فإن الذين يدعون بأن بولس لم يكن خائفًا من الضرب ليس فقط لا يكرمونه بل وينزعون عظمته. فإن كان بلا خوف فأي احتمال أو ضبط للنفس كان له عندما احتمل المخاطر؟...

من جانبي إني أعجب به من هذا الجانب، فإنه وهو في خوفٍ، وليس في خوفٍ بل وفي رعبٍ وسط مخاطره يجري هكذا لكي يحفظ إكليله ولا يستسلم بسبب أي مخاطرٍ، وذلك للعمل في العالم، في كل موضعٍ، سواء بالبحر أو الأرض غارسًا الإنجيل...

بماذا تقول، هل يخاف بولس من المخاطر؟ كان يخاف ويرتعب منها جدًا، فمع كونه بولس إلا أنه إنسان. لكن هذا ليس اتهام ضد بولس بل هو ضعف الطبيعة البشرية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- بالكرازة بالمسيح ظهر بولس كغبي للحكمة البشرية وبهذا أثار ضده الكراهية والاضطهاد.

أمبروسياستر

ولعله يقصد أنه كان في خوف ورعدة ليس من الناس، ولكن من أجل الناس، فكان قلبه يحترق مع كل متعثرٍ، ويضعف مع كل ضعيفٍ. هذا ما اختبره أهل كورنثوس أثناء حضرة الرسول بولس التي استمرت على الأقل سنة ونصف (أع 18: 11).

اتسم الرسول بولس بروح التواضع والوداعة، خاصة عند الكرازة حتى اتهمه بعض الكورنثوسيين بالضعف: "الرسائل ثقيلة وقوية وأما حضور الجسد فضعيف والكلام حقير" (2 كو 10:10). يبدو أن صوت الرسول كان خافتًا، وجسمه قليلاً، وملامحه غير جذابة، هذا بجانب عدم استخدامه للبلاغة أو الفلسفة. ومع هذا كانت الوثنية تتحطم أمامه، والقلوب تلتهب بحب السماء. فكان اللَّه مُعلنًا في عمله، وأما إمكانياته البشرية فلا تشغل المستمعون إليه. بضعفه وخوفه ورعدته تجلى مسيحنا المصلوب الحامل ضعفنا ليعلن قوته، إذ "اختار اللَّه ضعفاء العالم يخزى الأقوياء" (1 كو 1: 27).

"وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع،بل ببرهان الروح والقوة" [4].

كانت كلمات الرسول بولس ممسوحة بالروح تجتذب القلوب، وفى نفس الوقت تحمل قوة. هذا ما نلمسه من الرجل الأعرج في لستره: "هذا كان يسمع بولس يتكلم فشخص إليه" (أع 14: 9) وإذ شفاه "فالجموع لما رأوا ما فعل بولس رفعوا صوتهم بلغة ليكأونية قائلين إن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا، فكانوا يدعون برنابا زفس وبولس هرمس إذ كان هو متقدم في الكلام" (أٍع 14: 11،12). تأثر الكل بروح القوة، فأراد كاهن زفس أن يذبح له حتى مزق الرسولان ثيابهما وبالجهد منعا الجماهير من أن يذبحوا لهما.

قدم الرسول بولس الكرازة بالسيد المسيح المصلوب القائم من الأموات ليس في ثوبٍ فسلفيٍ براق، وإنما في بساطة اللغة والكشف عن الحقائق الإلهية والتدبير السماوي، كما سلمه له الروح القدس القادر أن يخترق قلوب الناس ويعمل فيها لقبول الكلمة. بهذا استطاع أن يقول: "إن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوة أيضًا وبالروح القدس، وبيقينٍ شديدٍ كما تعرفون أي رجالٍ كنا بينكم من أجلكم" (1تس1:5).

"كلامي وكرازتي"، لعله يقصد بالكلام التعاليم التي نادى بها والأفكار الإيمانية الخاصة بإنجيل الحق، أما الكرازة فتحمل معنى الشهادة لهذا الإيمان ليس بالكلام فحسب وإنما بالعمل والسلوك. هذا ما أعلنه الروح القدس بقوةٍ خلال تجديد النفوس والقلوب، فتمتع المؤمنون بالقداسة والطهارة والحب، الأمور التي تعجز فلسفات العالم أن تحققها.

ولعله قصد بالكلام الأحاديث الخاصة في اللقاءات الفردية أو العائلية، وبالكرازة الأحاديث العامة.

-القول بأن الإنجيل يُكرز به بدون حكمة لا يُقلل من شأنه، بل هذه هي عظمة الإنجيل الكبرى، والآية الأكثر جلاء بأنه إلهي ومن السماء. فالبرهان بالحكمة الخاصة بالكلمات البشرية أضعف، بالحوار بأن له مهارات بلاغية عظمى... البرهان بالأعمال والآيات أكثر قوة منه بالكلمات...

إذ يرى أنه توجد عجائب خادعة، كتلك التي يفعلها العرافون فإنه ينزع هذا التشكك أيضًا. إذ لم يقل فقط "القوة" بل يقول أولا "برهان الروح" ثم "والقوة، فيعني أن الأمور التي صنعت روحية. فإنه ليس الأمر فيه احتقار أن الإنجيل لم يُعلن بواسطة الحكمة، بل بالأحرى هذا زينة عظمي للغاية. فإنه إذ يحدث هذا فهو علامة واضحة علي أنه إلهي، تمتد جذوره في الأعالي، وأنها من السماء. لذلك يضيف أيضًا: "لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة اللَّه" [5]. فإن الدليل بالأعمال والآيات أعظم من الكلمات.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لو أن الأسفار المقدسة اجتذبت الناس للإيمان لأنها مكتوبة بفن البلاغة ومهارة فلسفية لكان إيماننا قائمًا بلاشك على فن الكلمات والحكمة البشرية أكثر منه على قوة اللَّه.

العلامة أوريجينوس




السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس +
 


19 توت 1737 ش
29 سبتمبر 2020 م

اليوم الثالث من أيام عيد الصليب المجيد
تذكار إصعاد القديس غريغوريوس البطريرك الأرمني من الجب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك