إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

الاسم

البريد الالكتروني

الإنسان القوى ليس هو الذى ينتصر على غيره بل القوى هو الذى ينتصر على نفسه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى

+ تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +



تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى اصحاح 1 جـ1 PDF طباعة البريد الإلكترونى

افتخاره بهم


لم يكن ممكنًا للرسول بولس صاحب القلب المتسع وهو يكتب هذه الرسالة لكي يصحح المفاهيم الخاطئة بخصوص مجيء الرب الأخير، ويوصي ويوبخ من أهملوا أعمالهم اليومية، إلا أن يبدأ كعادته بالشكر لله من أجل ما يراه فيهم ناميًا في الروح، كاشفًا لهم الجوانب الطيبة في حياتهم الروحية، معلنًا لهم افتخاره بهم حتى يسندهم ويشجعهم! إنه في أبوة روحية صادقة يعرف كيف يشجع قبل أن ينتهر، ويعين الضعفاء حتى في لحظات توبيخهم.

1. افتتاحية الرسالة 1-2.

2. شكره للَّه وافتخاره بهم 3-4.

3. دينونة اللَّه العادلة 5-10.

4. صلاته لأجلهم 11-12.

1. افتتاحية الرسالة

"بولس وسلوانس وتيموثاوس إلى كنيسة التسالونيكيين في اللَّه أبينا والرب يسوع المسيح. نعمة لكم وسلام، من اللَّه أبينا والرب يسوع المسيح" [1-2].


لم تختلف هذا الافتتاحية عن تلك التي وردت في الرسالة السابقة، لأن ظروف الكنيسة من جهة الضيقة المحيطة بها كانت لا تزال كما هي. إنه يراها الكنيسة الثابتة في المسيح يسوع، غنية ومقدسة وممجدة وسط آلامها، لها موضع في حضن أبيها السماوي خلال اتحادها برأسها "الرب يسوع المسيح". إلا أنه يكرر هنا وصف الآب أنه أبونا، وكأن الرسول وهو يتحدث في صلب الرسالة عن "الارتداد العظيم" بسبب ظهور "إنسان الخطية" في أواخر الدهور، يؤكد للكنيسة مركزها بالنسبة للآب، ودور الآب كأبينا السماوي الذي يرعانا ويحفظنا مهما اشتدت هجمات عدو الخير. إن أبوة الله تعلن بالأكثر حينما نتعرض لهجمات مرّة من الشيطان مقاوم الحق.

2. شكره للَّه وافتخاره بهم

"ينبغي لنا أن نشكر اللَّه كل حين من جهتكم أيها الإخوة كما يحق، لأن إيمانكم ينمو كثيرًا، ومحبة كل واحد منكم جميعًا بعضكم لبعض تزداد، حتى أننا نحن أنفسنا نفتخر بكم في كنائس الله،من أجل صبركم وإيمانكم في جميع اضطهاداتكم والضيقات التي تحتملونها." [3-4].

يفتتح معلمنا بولس الرسول رسالته بالكشف عن شعوره بالالتزام بتسديد الدين لله، بتقديم ذبيحة شكر لله من أجل عمله لا في حياته الخاصة، إنما في حياة "الإخوة"، أولاده الروحيين. هكذا يفرح الأب الروحي بنمو أولاده الروحيين في الرب، فتبتلع حياته بالشكر لله بكونه مصدر كل عطية صالحة وواهب الحياة الفاضلة.

لعل سرّ فشل كثير من الخدام الغيورين تطلعهم بنظرة متشائمة نحو نقائص حياتهم الروحية وحياة المخدومين قبل أن يشكروا الله من أجل عطاياه في حياتهم الخاصة وفي حياة الآخرين. أما الرسول بولس فكان يشكر "كل حين". وكأن النقائص والضعفات لم تنزع عن قلبه حياة الشكر لحظة واحدة، إذ صارت حياته "أفخارستية" أي حياة شكر بلا انقطاع. بكلمات أخرى يمكننا أن نقول أن الشكر في حياة الرسول لم يكن مجرد كلمات يرددها بشفتيه بين حين وآخر، أو تسابيح يترنم بها من وقت لآخر، وإنما كان الشكر يمثل طبيعة تمس إنسانه الداخلي الذي يسبح الله بلغة الروح التي لا تتوقف، فتخرج التسبحة معلنة مع كل نسمة من نسمات حياته. صارت حياته قيثارة جديدة يعزف عليها روح الله القدوس ليقدم سيمفونية الشكر للآب في ابنه المحبوب يتنسمها رائحة رضا مقبولة لديه.

خلال هذا المنظار الروحي المبهج أدرك الرسول في أهل تسالونيكي نجاحهم في أساسيات الحياة المسيحية: الإيمان والمحبة والرجاء، فلمس منهم الإيمان العملي النامي بلا انقطاع، والمحبة نحو الجميع المتزايدة، والرجاء واهب الصبر وسط الضيقات. هذا النجاح سبق فأعلنه أكثر من مرة في رسالته الأولى لهم، كأن يقول: "متذكرين بلا انقطاع عمل إيمانكم وتعب محبتكم وصبر رجائكم" (1 تس 1: 3).

أولاً: من جهة الإيمان يقول "لأن إيمانكم ينمو كثيرًا" [3]. لم يكن هذا بالأمر الغريب أن يعلن الرسول لهم عن نمو إيمانهم كثيرًا وهم وسط الآلام. فإن الإيمان، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم يظهر متزايدًا خلال عواصف التجارب الشديدة وأمواجها. فإذ تهب الرياح الشديدة تتمرّر نفس المؤمن فيه ولا يجد له ملجأ إلا أن يختفي في مسيحه، ليدخل معه وفيه إلى بستان جثسيماني وينحني بالتمام أمام الآب، يصرخ ويئن. يدخل المؤمن في رؤيا جديدة تتكشف في أعماله ما كان يمكنه أن ينعم بها خارج الألم ولو قضى سنوات طويلة في عبادات مستمرة. إن الضيق - من أجل المسيح - هو انفتاح لنفس المؤمن للتمتع بأعماق جديدة في صليب الرب ودفنه وقيامته، فيزداد إيمانه كثيرًا جدًا. الألم من أجل الرب يلزم القلب أن يصرخ من الأعماق مع الرسل، قائلاً: "زد إيماننا" (لو 17: 5)، فيجد أبواب السماء مفتوحة على مصراعيها لتمنح بلا مكيال!

تكشف التجربة أيضًا عن بهاء إيماننا، فنصير وسط الظلمة ككواكب متلألئة. فإن كان يليق بالمسيحي أن يحيا بالإيمان في أوقات الفرج، فإن نيران الضيق تكشف بالأكثر صدق إيماننا، وأتونه يعطيه بريقًا صادقًا.

ثانيًا: من جهة المحبة يقول: "ومحبة كل واحد منكم جميعًا بعضكم لبعض تزداد" [3]. إن كان الإيمان هو أساس الحياة المسيحية ومدخلها، فإن الحب هو مجدها، بكونه ثمر الروح (غل 5: 22) الذي لا يسقط أبدًا (1 كو 13: 8). إن كانت الضيقة أعطت لأهل تسالونيكي نموًا في الإيمان، فإنها بالأكثر ألهبت قلوبهم بالحب. ففي أتون الضيق يلتقي المؤمن بالمصلوب، لا ليراه فحسب، وإنما ينعم بفكره، فيحمل في داخله اشتياقًا روحيًا ملتهبًا أن يقدم حياته من أجل كل إنسان كما فعل سيده، ينسى ما هو لنفسه مهتمًا بما هو للآخرين. هنا يدرك وصية الرسول: "لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه، بل كل واحدٍ إلى ما هو للآخرين أيضًا. فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا" (في 2: 4).

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في قول الرسول "جميعًا" أثناء حديثه عن المحبة المتزايدة أنه يكشف عن طبيعة الحب التي لنا. فالحب لشخص أو اثنين أو أكثر ليس بحبٍ، إنما الحب هو اتساع القلب للجميع. حب الخاصة حب بشري، أما محبة الجميع حتى الأعداء فهو إلهي! وكأن المؤمن في لقائه مع المصلوب خلال الألم لا ينغلق قلبه نحو مضايقيه ولا يطلب النقمة لنفسه، وإنما على العكس يتسع قلبه بالحب نحوهم، مدركًا أن عدوه الحقيقي ليس الإنسان المقاوم له، وإنما عدو الخير الذي يثير البشر ضد بعضهم البعض.

ثالثًا: من جهة صبر الرجاء، يقول الرسول: "حتى أننا نحن أنفسنا نفتخر بكم في كنائس الله من أجل صبركم وإيمانكم في جميع اضطهاداتكم والضيقات التي تحتملونها" [4]. في الرسالة السابقة أعلن لهم الرسول أنه بسبب صبرهم في الضيقة صاروا قدوة للساكنين في مكدونية وأخائية، بل وأذيعت كلمة الله في كل مكان خلال حياتهم الحيّة حتى لم يكن له أن يتكلم عنهم، أما وقد طالت فترة الاضطهادات واشتدت عليهم الضيقات شعر بالمجد المتزايد الذي ينسب إليه بسببهم، فصار يفتخر بهم. حقًا إن مجد الكاهن أو الخادم يكمن في إيمان أولاده الروحيين في الرب، معلنًا عمليًا خلال الصبر برجاء وسط الضيق.

هنا يربط الرسول الصبر بالإيمان، فإن كثيرين لهم قوة احتمال بالطبيعة، لكن هذه السمة سرعان ما تخور حينما يسقط الإنسان تحت الظلم. أما الإيمان فيفتح العينين بالرجاء في دينونة الله العادلة ليتقبل من المصلوب صبره، ويشاركه سمته، فيفرح بالضيق كمجدٍ له، ملتهبة أعماقه بالشوق نحو اليوم الأخير.

موضوع فخر الرسول هو "الصبر" الذي اتسم به تلاميذه الروحيين، بكونه مشاركة عملية وصادقة في آلام المسيح وصلبه. هذا هو الكنز الذي اعتزت به الكنيسة في عصر الاستشهاد المبكر، وحينما انتهى الاضطهاد خرجت الجماهير إلى البرية لتتقبل خلال الحياة النسكية الألم بصبر فلا تُحرم من شركة الصليب في أعماق جديدة.

أقول بصدق هذا هو كنز المؤمن أن يقبل صبر المسيح فيه بالروح القدس كشركة آلام مع السيد، أيّا كان نوع الألم وأيّا كان مصدره! ليحرص أن يقتني الصبر الحقيقي في مرضه أو أتعاب أسرته أو عمله أو مضايقة الغير له! يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يليق بنا أن نسلك في نفس الطريق حتى نشاركه في المجد والكرامة... ما أمجد الآلام؟ بها نتشبه بموته.]

3. دينونة الله العادلة

"ملكوت الله الأبدي" هو سرّ احتمال المؤمنين للآلام بصبر، إذ يقول الرسول: "بينة على قضاء الله العادل أنكم تؤهلون لملكوت اللَّه الذي لأجله تتألمون أيضًا" [5]. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا القول الرسولي بأن الإنسان الطبيعي في وسط الضيق والظلم يثور في قلبه شوق نحو النقمة من الظالمين، لكن المسيحي تلتهب مشاعره بانتظار الدينونة العادلة لنواله ملكوت اللَّه الأبدي، وتمتعه بالأمجاد السماوية.

المؤمن الحقيقي حينما يسقط تحت الظلم لا يطلب النقمة الإلهية من الظالمين، وإنما يتهلل فرحًا بحمله الصليب، وتسمو مشاعر الفرح فوق المرارة لتعلو بالإنسان إلى الأمجاد. أما من جهة الظالمين، فهو يكره الظلم لا الظالم، ويشعر بضعف الطبيعة البشرية التي يستخدمها الشيطان - عدو البشرية كلها - أداة لظلم الإنسان لأخيه، مشتاقًا أن يرى الظالمين وقد تحرروا من عبودية الظلم والقسوة، لينعموا بملكوت الحب الأبدي. بهذه النظرة الإيمانية يتقبل المؤمن الألم لا في استسلام وخضوع، وإنما بروح القوة والحب، متطلعًا إلى المجد الأعظم الذي يشتهيه لكل بني البشر.

لكن الرسول يكمل حديثه ليقرر حقيقة واقعة لا يشتهيها المؤمن، ألا وهي: "إذ هو عادل عند اللَّه أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقًا" [6].

لم يقل "لأنه عادل" وإنما "إذ هو عادل" وكأن الرسول يقرر حقيقة لا تحتاج إلى نقاش، وهي أن الله يجازي المضايقين ضيقًا إن أصرّوا على موقفهم بلا توبة. لقد كان الرسول نفسه يومًا يقاوم الكنيسة ويضايقها، لكنه إذ فعل ذلك في جهالة، وإذ قبل الحق عندما أشرق عليه، تلقّفته رحمة اللَّه الغافرة لا ليتخلّى عن مضايقته للمؤمنين، وإنما ليتقبل بفرح مضايقة الأشرار من أجل الإيمان. وكما قال الرب عنه لحنانيا: "لأن هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي أمام أمم وملوك وبني إسرائيل، لأني سأريه كم ينبغي أن يتألم من أجل اسمي" (أع 9: 15).


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى اصحاح 1 جـ2 PDF طباعة البريد الإلكترونى
أراد الرسول أن ينعشهم وسط ضيقتهم، ففتح أعينهم على استعلان ربنا يسوع المسيح من السماء قائلاً: "وإياكم الذين تتضايقون، راحة معنا عند استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته" [7]. ففي العالم علق السيد على الصليب بينما كان الأشرار هم أصحاب السلطان. وللأسف كان أصحاب السلطان الديني كرؤساء الكهنة والكهنة والكتبة والفريسيين الخ. أكثر عنفًا. هوذا يأتي اليوم الأخير ليعلن السيد المسيح كملك أبدي، أما الأشرار الذين لم يقدموا توبة فيهلكون. وكأنه يقول لهم: إنكم تشتركون مع السيد هنا في آلامه وضيقته لتشتركوا معه أيضًا في يوم مجده العظيم.

لم يكن منظر المجد الأبدي والراحة السماوية يفارق عيني الرسول، ففي قوله "راحة معنا" إنما يقول: مجيئه الأخير هو سرّ راحتنا نحن الرسل، وهو سرّ راحتكم، ستكونون معنا لننعم جميعًا بالملكوت عينه. في هذا اليوم يأتي الرب مع ملائكة قوته، فتشتركون ونحن معكم مع الطغمات السماوية في الحياة العلوية الممجدة كإعلان لقوة الرب.

يلقب الرسول الملائكة القادمين مع السيد في يوم مجده الأبدي بـ"ملائكة قوته". وكأن الرسول يود أن يقول لهم: لقد دعيتم هنا للحياة الملائكية. لكن وسط الضيقات تظهرون كمن في ضعف، وستأتون أنتم أنفسكم مع الملائكة كأناس روحيين وأولاد لله وورثة ملائكة قوةّ! إن الضعف الذي يعيشونه الآن وسط أتون الضيق إنما هي البذار التي تُلقى في الأرض في ضعفٍ، لتأتي بثمرٍ كثير في قوة. إن السيد المسيح بضعف الصليب أظهر ما هو أعظم من القوة، مقدمًا للبشرية الطبيعة الجديدة على صورة الخالق، رافعًا إيّاها من انحطاطها وفسادها إلى العلو السماوي، فإننا بالاتحاد معه ننطق خلال ضعف الصليب إلى قوة القيامة وأمجادها.

العجيب أن الرسول بولس الذي يسجل هذا الرسالة ليصحح خطأهم من جهة ظنهم أن يوم الرب قد اقترب جدًا، فأهملوا أعمالهم اليومية، إذ به يحدثهم عن شوقه لهذا اليوم، واضعًا إيّاه نصب أعينهم كدافع لجهادهم وسط الضيقات، دون إهمال أعمالهم اليومية. فالرسول لا يقبل التطرف اليميني أو اليساري، فلا ينشغل الإنسان بالزمنيات فيفتر قلبه عن الشوق للأبدية، ولا يُمتص قلب الإنسان في الأبديات على حساب تقديسه للعمل الزمني.

يكمل الرسول حديثه، قائلاً: "في نار لهيب معطيًا، نقمة للذين لا يعرفون الله، والذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع المسيح" [8].

يرى الرسول بولس ربنا يسوع قادمًا في ملكوته الأبدي في نار لهيب يحرق أعداءه، وكما يقول المرتل: "يأتي إلهنا ولا يصمت، نار قدامه تأكل، وحوله عاصف جدًا" (مز 50: 3)، "قدامه تذهب نار وتحرق أعداءه حوله" (مز 97: 3). إنها نار العدل الإلهي التي لا تطيق الشر بل تبيده، فتحل النقمة على الذين لا يعرفون الله والذين لا يطيعون إنجيله المقدس.

لماذا يكتب الرسول عن النقمة الإلهية؟ هل في هذا ما يعطي الذين في ضيقة والساقطين تحت الظلم راحة؟ لست أظن أن الرسول بولس صاحب القلب المتسع بالحب لكل البشر، الذي يشتهي خلاص كل نفس في العالم، يقصد هذا. وإنما أراد الرسول أن يعلن حقيقة واقعة تحدث سواء اشتهاها الظالم أو رفضها، وهي أن الذين يصنعون الظلم ويصرون عليه يجتنون ثمرته الطبيعة كنقمة إلهية. الذين يختارون الفساد يحل بهم الفساد ليبيدهم، والذين يضايقون الغير ظلمًا يُكال لهم بذات الضيق والظلم، كقول الرسول نفسه: "الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقًا" [6]. فما يحدث للأشرار كنقمة إلهية ليس موضوع شهوة المؤمنين، ولا المؤمنون هم السبب في مجازاتهم، وإنما جهلهم أو عصيانهم هو السبب. فبالنسبة للأمم الذين لا يعرفون الله يسقطون تحت الجزاء بسبب ظلمة جهلهم، أما الذين صارت لهم معرفة بالإنجيل فقبلوه في فكرهم دون حياتهم، فإنهم يسقطون تحت النقمة بسبب عصيانهم، وكأن الله يدين الأشرار، سواء كانوا من الأمم أو المؤمنين العصاة. ولعل الرسول قصد بقوله: "لا يطيعون إنجيل ربنا" جماعة اليهود الذين رفضوا الإنجيل بالرغم من وجود النبوات بين أيديهم، فصاروا في زمرة العصاة غير الطائعين للإنجيل المكتوب في نبوات العهد القديم.

حديث الرسول عن النقمة الأبدية لا يعطي المؤمنين راحة داخلية بسبب سقوطهم تحت ظلم الأشرار، وإنما يهبهم حذرًا داخليًا لئلا يسقطوا هم تحت النقمة. فإن كانوا يسقطون حاليًا تحت الظلم، فهذا الضعف يثمر قوة، لكن إن انحرفوا هم إلى الظلم يحسبون كمن هم بلا معرفة لله وعصاة لإنجيل ربنا يسوع، فيسقطون تحت العقوبة الأبدية. يذكرنا هذا بما كان يفعله أحد الآباء النساك إذ كان يبكي كلما رأى إنسانًا يصنع ظلمًا لأخيه، فلما سأله تلميذه عن سبب بكائه قال له أنه إذ يرى الآخرين يصنعون ظلمًا يذكر ضعف طبيعته، فيخشى لئلا يسقط هو في ذات الفعل، فيظلم غيره ويخسر خلاصه الأبدي. حقًا إن عقوبة الأشرار تثير فينا بالأكثر عطفنا عليهم لانتشالهم من الهلاك الأبدي، وحذرنا لئلا نسقط نحن فنهلك أبديًا.

يصف الرسول الهلاك الذي يسقط تحته الأشرار، قائلاً: "الذين سيعاقبون بهلاك أبدي من وجه الرب ومن مجد قوته" [9]. فمن جهة هو هلاك أبدي لا رجعة فيه ولا توقف له، يتحقق بظهور الرب نفسه وإعلان مجده الأبدي. كأن إعلان وجه الرب وظهور مجد قوته فيه هلاك طبيعي للأشرار، كالنور الذي يدين الظلمة ويفضحها مبددًا إيّاها. مجيئه الذي هو سرّ فرحنا ومجدنا وملكوتنا هو بعينه سرّ هلاك الأشرار أبديًا.

في العالم الحاضر يطلب الأشرار مجد أنفسهم فيظهرون ليختفي وجه الرب عنهم، ويمارسون القوة والعنف إن لم يكن واضحًا في السلوك، ففي القلب وبالإرادة في الداخل، أما في العالم الآتي فيظهر وجه الرب الذي قاوموه فلا يقدروا على اللقاء معه أو معاينته، إذ يقول الكتاب يظهر مجد قوة الرب معلنة في ملائكته وقديسيه وينفضح بطلان الأشرار وضعفهم الكامل. لذلك يُحسب إعلان مجيئه عقابًا للهالكين ومجدًا للقديسين. بهذا المفهوم يكمل الرسول حديثه، قائلاً: "متى جاء ليتمجد في قديسيه ويتعجب عنه في جميع المؤمنين، لأن شهادتنا عندكم صدقت في ذلك اليوم" [10].

من الذي يتمجد اللَّه أم قديسوه؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هل يتمجد اللَّه؟ يجيب الرسول: نعم يتمجد في جميع القديسين. كيف؟ عندما يرى المتكبرون أن الذين سبقوا فجلدوهم واحتقروهم واستهزئوا بهم الآن هم قريبون منه جدًا. إنه مجد للَّه كما هو مجد لهم. إنه مجده ومجدهم معًا! مجد له إذ هو لم يتركهم، ومجد لهم أنهم تأهلوا لكرامة عظيمة كهذه.]

هذه هي إرادة اللَّه أن يتمجد هو في عروسه المتألمة، فتحمل سماته هنا وهناك، إذ يظهر صبره فيها خلال جهادها الروحي ومجده وجماله أيضًا فيها خلال تمتعها بالميراث الأبدي. ففي الصلاة الوداعية كانت كلماته مع الآب هكذا: "أنا ممجد فيهم" (يو 17: 10)، "وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد" (يو 17: 22). وجاء في إشعياء النبي:"تكونين إكليل جمال بيد الرب وتاجًا ملكيًا بكف إلهك" (إش 62: 3) وفي حزقيال النبي: "خرج لك اسم في الأمم لجمالك، لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك يقول السيد الرب" (16: 14). فإن كان اللَّه يسكب مجده عليها ويعلن بهاءه في داخلها، ويجعلها في يده إكليل جمال وتاجًا ملكيًا، وهي بعد تسلك على الأرض في هذه الحياة وسط الضيقة والألم، فكم بالأكثر حينما تخرج من عالم الألم لتحيا معه في أمجاده تشاركه ميراثه الأبدي، وتكون في حضرته تلتقي به وجهًا لوجه. حقًا سيكون ذلك اليوم المجيد شهادة مجد لله العامل في كنيسته وللعمل الرسولي بكونه الوساطة التي خلالها تمتعنا بالكرازة بالإنجيل، فدخلنا إلى الميراث الأبدي.

4. صلاته لأجلهم

"الأمر الذي لأجله نصلي أيضًا كل حين من جهتكم أن يؤهلكم إلهنا للدعوة، يكمل كل مسرة الصلاح وعمل الإيمان بقوة. لكي يتمجد اسم ربنا يسوع المسيح فيكم، وأنتم فيه، بنعمة إلهنا والرب يسوع المسيح" [11-12]

في هذا الحديث الختامي للقسم الأول من الرسالة الخاص بمساندتهم والافتخار بهم لاحتمالهم الآلام والضيقة بشكر، أبرز الرسول الجوانب التالية:

1. عمله الدائم من أجلهم حتى في غيابه عنهم حسب الجسد، خلال الصلاة، "كل حين من جهتكم". فالراعي الحقيقي لا يكف عن الصلاة من أجل رعيته، وكما يقول صموئيل النبي: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطئ إلى الرب، فأكف عن الصلاة من أجلكم، بل أعلمكم الطريق الصالح المستقيم" (1 صم 12: 23)، حاسبًا النبي توقفه عن الصلاة من أجل شعبه ولو إلى حين خطية يرتكبها ضد الله، وإهمالاً جسيمًا يوقف تعليمه للشعب لمعرفة الطريق الصالح المستقيم فالصلاة والتعليم أمران متلازمان في حياة الخادم بدونهما يخطئ في حق الله نفسه، خلال إهماله في تدبير الشعب وتعليمه. يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن أهمية الصلاة في حياة الكاهن، قائلاً: [إذ أؤتمن الكاهن على العالم كله وصار أبًا لجميع الناس، يتقدم إلى اللَّه متوسلاً في الصلوات الخاصة والعامة من أجل رفع الحروب في كل مكان، وإخماد الاضطرابات، ملتمسًا السلام والهدوء لكل نفس، والشفاء للمرضى.]

2. موضوع صلاته الدائمة عن الشعب هو أن يحسبهم الله مستحقين للدعوة الإلهية. فإن كان الله قد دعاهم للمجد الأبدي بكونهم أولاد اللَّه المختارين، فإنهم محتاجون أن يبقوا، خلال صلاة خادمهم الروحي، ثابتين في هذه الدعوة، فتكمل مسرّة الله الصالحة من نحوهم، ويعلن الإيمان فيهم قويًا خلال العمل. وكأن الله له كل الفضل إذ هو الذي دعاهم للمجد الأبدي، وما على الرسول إلا الصلاة عنهم، سائلاً مقدم الدعوة أن يعمل فيهم بنعمته، ليتأهلوا للدعوة المجانية، ولكن دون تجاهل الجانب الإيجابي العملي لإيمان الشعب نفسه.

في كلمات قليلة وبسيطة وبطريقة غير مباشرة أبرز الرسول دور الله نفسه ودور الخادم كما دور الشعب في التمتع بالمجد الأبدي. الله هو صاحب الدعوة المجانية، له كل الفضل. والرسول ما هو إلا مقدم صلوات بلا انقطاع يستعطف الله ويستدر رحمته. إنه الآب المترفق الذي يعرف مصدر العطايا الصالحة لشعب الله فيطلبها من مصدرها. أما دور الشعب فهو إعلان الإيمان خلال العمل بقوة الروح.

بينما يكتب الرسول معلنًا محبته العملية لهم بالتفرغ للصلاة الدائمة من أجلهم دون أن يهمل بقية الكنائس، مبرزًا فضل نعمة الله الغنية إذا به يحثهم على العمل بقوة، لإعلان إيمانهم الحيّ، وتحقيق دعوة الله لهم. وكأن إرادة اللَّه بدعوتهم للمجد لا تتحقق ولا بصلوات الرسول المستمرة بدون إيمانهم الحيّ العامل بقوة الروح. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [النعمة دائمًا مستعدة! إنها تطلب الذين يقبلونها بكل ترحيب. هكذا إذ يرى سيدنا نفسًا ساهرة وملتهبة حبًا، يسكب عليها غناه بفيض وغزارة تفوق كل طلبته.] كما يقول: [يطلب اللَّه منا حجة صغيرة لكي يقوم هو بكل العمل.]

3. إن كان غاية صلوات الرسول هي تحقيق إرادة الله فيهم بنوالهم المجد الأبدي، فإن هذا المجد في الواقع هو مجد مشترك، مجد للعريس كما للعروس، إذ يقول: "لكي يتمجد اسم ربنا يسوع المسيح فيكم، وأنتم فيه، بنعمة إلهنا والرب يسوع المسيح" [12]. المجد الذي ينعمون به خاصة في يوم مجيء الرب الأخير هو مجد اسمه القدوس. حينما يقدم السيد مجده لكنيسته إنما يرتد هذا المجد لاسمه القدوس، وكل مجد لاسمه القدوس إنما يعلن فيهم لحسابهم.

غاية حياتنا أن يتمجد اسمه القدوس، لذا نصلي يوميًا قائلين: "ليتقدس اسمك"، وكما يقول الرسول: "لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء، ومن على الأرض، ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد اللَّه الآب" (في 2: 10-11). هذا التقديس يتم لحسابنا، إذ نتمجد نحن فيه "لأن المقدس و المقدسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة" (عب 2: 11)، ومعه تملك في المجد كقول الرسول: "إن كنا نصبر فسنملك أيضًا معه" (2 تي 2: 12)، "فإن كنا أولادًا فإننا ورثة أيضًا، ورثة الله ووارثون مع المسيح، إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو 8: 17).

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن المجد المشترك بين السيد وكنيسته قائلاً: [إذ يتمجد السيد يتمجد أيضًا عبيده. الذين يمجدون سيدهم يتمجدون هم أنفسهم بالأكثر بذات المجد الذي له، وأيضًا بمجد خاص بهم... إن النعمة التي يهبها لنا إنما أن يتمجد فينا ونحن نتمجد فيه.]

1 بولس و سلوانس و تيموثاوس الى كنيسة التسالونيكيين في الله ابينا و الرب يسوع المسيح
2 نعمة لكم و سلام من الله ابينا و الرب يسوع المسيح
3 ينبغي لنا ان نشكر الله كل حين من جهتكم ايها الاخوة كما يحق لان ايمانكم ينمو كثيرا و محبة كل واحد منكم جميعا بعضكم لبعض تزداد
4 حتى اننا نحن انفسنا نفتخر بكم في كنائس الله من اجل صبركم و ايمانكم في جميع اضطهاداتكم و الضيقات التي تحتملونها
5 بينة على قضاء الله العادل انكم تؤهلون لملكوت الله الذي لاجله تتالمون ايضا
6 اذ هو عادل عند الله ان الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقا
7 و اياكم الذين تتضايقون راحة معنا عند استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته
8 في نار لهيب معطيا نقمة للذين لا يعرفون الله و الذين لا يطيعون انجيل ربنا يسوع المسيح
9 الذين سيعاقبون بهلاك ابدي من وجه الرب و من مجد قوته
10 متى جاء ليتمجد في قديسيه و يتعجب منه في جميع المؤمنين لان شهادتنا عندكم صدقت في ذلك اليوم
11 الامر الذي لاجله نصلي ايضا كل حين من جهتكم ان يؤهلكم الهنا للدعوة و يكمل كل مسرة الصلاح و عمل الايمان بقوة
12 لكي يتمجد اسم ربنا يسوع المسيح فيكم و انتم فيه بنعمة الهنا و الرب يسوع المسيح


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى اصحاح 2 جـ1 PDF طباعة البريد الإلكترونى

إنسان الخطية


موضوع "إنسان الخطية" يعتبر إحدى النبوات الرئيسية في العهد الجديد، ومع هذا إذ كتب عنه الرسول لم يقصد به الكشف عن أحداث مستقبلية بقدر ما أراد تحقيق أهداف عملية، لذا ختمه بالحديث عن "الثبوت في الرب" ليدخل بعد ذلك في القسم الثالث من الرسالة الخاص بالوصايا العملية.

1. الارتداد أولاً 1-12.

2. ثباتهم في الرب 13-17.

1. الارتداد أولاً

"ثم نسألكم أيها الإخوة من جهة مجيء ربنا يسوع المسيح واجتماعنا إليه، أن لا تتزعزعوا سريعًا عن ذهنكم، ولا ترتاعوا لا بروح ولا بكلمة ولا برسالة كأنها منا أي أن يوم المسيح قد حضر" [1-2].

يطلب الرسول بولس من أهل تسالونيكي ألا يكون ذهنهم مرتاعًا كسفينة تلعب بها الأمواج العنيفة، وذلك من جهة مجيء ربنا يسوع المسيح واجتماعنا فيه ومعه في ذلك اليوم العظيم، ظانين أن اليوم قد حضر. يلزمهم ألا ينحرفوا بروح أي بنبوات كاذبة أو إعلانات باطلة، ولا بكلمة أي بإساءة تفسير كلماته حين كان يكرز في وسطهم، ولا برسالة كأنها منه أي إساءة فهم رسالته السابقة، أو قبولهم رسالة مدسوسة ليست صادرة عنه، أو قبول الاثنين معًا، أي إساءة فهم رسالته وقبول رسالة مزيفة.

إنه يوصي المؤمنين ألا يسيروا وراء الأمواج العنيفة التي تنادي بأن يوم المسيح قد حضر، فإنه يلزم أن يسبقه الارتداد، ويستعلن إنسان الخطية مثير الارتداد، إذ يقول:

"لا يخدعنكم أحد على طريقة ما، لأنه لا يأتي إن لم يأتِ الارتداد أولاً ويستعلن إنسان الخطية، ابن الهلاك، المقاوم والمرتفع على كل ما يدعى إلهًا أو معبودًا، حتى أنه يجلس في هيكل الله كإله مظهرًا نفسه أنه إله" [3-4].

شغل موضوع "إنسان الخطية" كتابات الكنيسة الأولى والعصور الوسطى وأيضًا اللاهوتيين المحدثين، فقد قارنوا بينه وبين ما ورد في سفر دانيال عن الملك المتأله (ص 11)، وما جاء في سفر الرؤيا عن النبي الكذّاب والوحشين البرّي والبحري (رؤ20,19,16,13 )، وما تعرض له القديس يوحنا الحبيب في رسائله عن ضد المسيح.

تحدث القديس يوستين الشهيد في القرن الثاني عن إنسان الخطية بكونه إنسان الارتداد الذي ينطق بما هو ضد العليّ، ويتجاسر بارتكاب أعمال شريرة ضد المسيحيين.

ويقول القديس إيريناؤس: [مع كونه لصًا ومرتدًا يهتم أن يُعبد كإله، ومع كونه عبدًا مجردُا، يرغب في إقامة نفسه ملكًا. وإذ يحمل قوة إبليس يأتي لا كملك بار خاضع لله وإنما كإنسان مقاوم، فيه يتركز كل ارتداد شيطاني، مخادعًا الناس بأنه الله.]

وقد ساد في القرون الأولى اعتقاد أن هذا الإنسان يظهر بعد زوال الدولة الرومانية، فيتطلّعون إلى الإمبراطورية كقوة مقاومة لظهوره. لهذا يقول العلامة ترتليان: [أي عائق له إلا الدولة الرومانية، فإنه سيظهر الارتداد كمقاوم للمسيح.] كما يقول: [نلتزم نحن المسيحيون بالصلاة من أجل الأباطرة واستقرار الإمبراطورية استقرارًا كاملاً، فإننا نعرف أن القوة المرعبة التي تهدد العالم يعوقها وجود الإمبراطورية الرومانية، هذه القوة التي لا نريدها فنصلي أن يؤجل اللَّه ظهورها. بهذا تظهر إرادتنا الصالحة لدوام الدولة الرومانية.]

ويفترض القديس هيبوليتس أن ضد المسيح سيكون يهوديًا، ويحدد أنه من سبط دان، ويشترك القديس إيريناؤس معه في ذات الرأي.

ورأى فريق من الآباء أنه يظهر بعض الأشخاص مقاومين للحق، ضد المسيح يكونون مثالاً ورمزًا لضد المسيح الحقيقي الذي يظهر في أواخر الدهور، فيتطلع القديس كبريانوس إلى أنطيخوس أبيفانيوس كمثال لضد المسيح، بينما يتطلع القديس يوحنا الذهبي الفم إلى نيرون هكذا بكونه حسب نفسه إلهًا. وإن كان الأب فيكتوريانوس رأى نيرون هو نفسه الوحش الخارج من البحر. أما القديس جيروم فيرى أن كثيرين يقومون كرموز لضد المسيح، إذ يقول: [كما كان سليمان وقديسون آخرون رموزًا للمخلص هكذا نؤمن بظهور رموز لضد المسيح مثل أنطيخوس أكثر الملوك شرًا، مضطهد القديسين ومدنس الهيكل.]

أما في القرون الوسطى فقد اهتم كثير من اللاهوتيين الغربيين بموضوع "ضد المسيح"، فتطلع بعض مقاومي السلطان الكنسي في أوربا إلى الكرسي البابوي كضد المسيح. يقول الأب برنارد: [صار خدام المسيح خدامًا لضد المسيح، وجلس وحش الرؤيا على كرسي القديس بطرس.] غير أن كثير من اللاهوتيين البروتستانت رفضوا هذا الرأي، مؤكدين أن ضد المسيح ليس نظامًا معينًا بل هو إنسان معين يظهر في أواخر الدهور قبل مجيء السيد المسيح الأخير.

وكما اتهم بعض المتطرفين من البروتستانت الباباوية، فإنه من الجانب الآخر قام بعض المتطرفين الكاثوليك يتهمون "الحركة البروتستانتية" كضد المسيح، ورفض بعض اللاهوتيين من الكاثوليك ذلك.

أما في العصر الحاضر فيوجد في الغرب أربعة اتجاهات في تفسير إنسان الخطية:

1. ما ورد في هذا الأصحاح لا يقصد به نبوة خاصة بالمستقبل.

2. أما ورد هنا هو نبوة تحققت فعلاً وانتهت.

3. حدث مستمر مع الزمن، تحققت ولا تزال تتحقق في الحاضر وستتحقق في المستقبل.

4. نبوة خاصة بالمستقبل, تتحقق في فترة ما قبل مجيء السيد المسيح مباشرة.

بين السيد المسيح وضد المسيح

أولاً: يقول الرسول "يستعلن إنسان الخطية" [3]. فكما جاء السيد المسيح بكونه كلمة الله المتجسد، الذي فيه يتشخص كمال البرّ الإلهي، من يقتنيه إنما يقتني برّ الله فيه، هكذا يأتي إنسان الخطية تتشخص فيه الخطية، يبث روح الشر في أتباعه ويقاوم كل برِّّ حقيقيٍ.

ثانيًا: يدعى "ابن الهلاك" [3]. إن كان الشيطان قد هلك باعتزاله الله سرّ حياة الخليقة كلها، ويتم كمال هلاكه في يوم الرب العظيم، فإن عمله الرئيسي هو إفساد خليقة الله وإهلاكها، بل ويبث فيها سمته، فيصيرون محبين لهلاك الآخرين، وكأن أتباعه يحملون صورته ويكونون على مثاله، كما يحمل المؤمنون صورة الله ويسلكون على مثاله.

لقد حمل يهوذا الخائن هذا اللقب "ابن الهلاك" (يو 17: 12)، الذي ملك عليه الشيطان، ونحن نحمل لقب "أبناء الله" إذ يملك الله فينا وعلينا، مخلصًا إيّانا من الهلاك.

ثالثًا: إنسان الخطية هو إنسان حقيقي لبسه الشيطان ليعمل فيه بكل طاقته حتى إن أمكن أن يضل حتى المختارين (مت 24: 24)، والسيد المسيح هو ابن الله الذي صار إنسانًا حقيقيًا بتجسده، يحمل طبيعتنا لكي يفديها، فيرد الضالين حاسبًا إيًاهم إخوة أصاغر له خلال ذبيحة الصليب التي قدمها عنا. لقد صار واحدًا منا ليقدم الفدية باسمنا ولحسابنا.

رابعًا: دُعي "المقاوم والمرتفع على كل ما يدعى إلهًا أو معبودًا" [4]. إذ يقيم نفسه إلهًا يقاوم الله ويثير البشرية ضد ملكوته، بقدر ما يظهر إنسان الخطية في كبرياء، ناسبًا لنفسه ما ليس له نجد السيد المسيح، الواحد مع الآب في تواضع يخضع بالطاعة الكاملة للآب حتى الموت موت الصليب. إنه يخلي ذاته محققًا في نفسه كل طاعة (عب5: 8) وكل تسليم للإرادة، لنحسب نحن فيه أبناء الطاعة ونسترد ما خسرناه خلال كبريائنا وعصياننا.

لقد لاحظ القديس إيريناؤس أن ضد المسيح في كبريائه لا يقدر أن يرتفع على اللَّه، وإنما على كل ما يدعى إلهًا، مع أنه بالحقيقة ليس هكذا. والعجيب أن اليهود يرفضون السيد المسيح الذي جاء يتحدث عن الآب طالبًا مجده مع أنه واحد مع الآب ويقبلون ضد المسيح الذي يأتي ليتحدث عن نفسه طالبًا ما لذاته لا ما لله، وكما يقول القديس أغسطينوس: [إذ يعلن الرب عن ذاك الذي يطلب مجد نفسه لا مجد الآب (يو 7: 18) يقول لليهود: "أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني. إن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه" (يو 5: 43) لقد أعلن لهم أنهم سيقبلون ضد المسيح الذي يطلب مجد نفسه منتفخًا، وهو ليس بصادق ولا ثابت، وإنما بالتأكيد هالك. أما ربنا يسوع المسيح فأظهر لنا نفسه مثالاً عظيمًا للتواضع، فمع كونه بلا شك مساويًا للآب... لكنه يطلب مجد الآب لا مجد نفسه.] أما سرً قبول اليهود لضد المسيح فهو تفكيرهم المادي وتفسيرهم الحرفي للنبوات. وكما يقول القديس أغسطينوس: [يبدو لي أن الشعب الإسرائيلي الجسداني سيظن أن النبوة تتحقق (في ضد المسيح)، القائلة: "خلصنا أيها الرب إلهنا واجمعنا من بين الأمم" (مز 106: 47). تتحقق تحت قيادته وأمام أعين أعدائهم المنظورين هؤلاء الذين سيأسرهم بطريقة منظورة ويقدم المجد المنظور.]


خامسًا: يحدد الرسول بولس "هيكل الله" كمركز عمل المقاوم، حيث يجلس فيه مظهرًا نفسه إلهًا [4].

ماذا يقصد بالهيكل؟ يرى القديسان إيريناؤس وكيرلس الكبير أن ضد المسيح يقوم بتجديد الهيكل اليهودي في أورشليم كمركز لعمله. ويرى القديسون الذهبي الفم وأغسطينوس وجيروم والأب ثيؤدوث أنه يتربع في هيكل الكنيسة المسيحية. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه يجلس في هيكل الرب ليس فقط في أورشليم، وإنما في كل كنيسة.]

على أي الأحوال إن كان السيد المسيح قد جاء إلى العالم ليكرس كل قلب كهيكلٍ مقدس للثالوث القدوس، وخلال هذا التقديس يعود للهيكل الإلهي قدسيته، فإن ضد المسيح يأتي ليهدم القلوب، ويفسد الهيكل القائم فيها، مغتصبًا إيّاها لحسابه، كما يفسد كنائس الرب ويضطهدها.




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى اصحاح 2 جـ2 PDF طباعة البريد الإلكترونى

سادسًا: يقول الرسول عنه: "الذي مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة، وبكل خديعة الإثم في الهالكين، لأنهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا" [9-10]. كأن الشيطان يعلن مملكته ببث طاقاته فيه للتضليل والانحراف عن الحق حتى يدخل بالبشرية إلى مملكة ظلمة الباطل. أما السيد المسيح فقد جاء ليعمل بقوة لاهوته ليدخل بهم إليه فينعمون بنور الحق. إنه يقدم لهم روحه القدوس الذي يرشد إلى كل الحق وينطلق بالمؤمنين إلى الأسرار السماوية.

سيحاول إنسان الخطية التشبه بالسيد المسيح فيعمل "بكل قوة وبآيات وعجائب" [9]، لكن جميعها "كاذبة"، لأنها من صنع إبليس المخادع، الذي يدعى "الكذّاب وأبو الكذّاب"، أما السيد فكان يصنعها بروح الحق خلال حبه لبني البشر وترفقه بهم. الأول في كبرياء يبرز قوته الوهمية والمؤقتة، أما السيد المسيح فيعمل بروح التواضع ليحملنا بالحب إلى مملكته النورانية.

استخدام ابن الخطية للقوات والآيات، وأيضًا ممارسة الأشرار لها، يجعل منها ليست هدفًا يبحث عنه المؤمن، ولا معيارًا لصلاح الإنسان أو سلوكه بالحق. فالإيمان المسيحي لم يقم على القوات والآيات، فإن كان السيد المسيح قد قدّم آيات بلا حصر وقوات لم يسبق أن يسمع عنها بني البشر، لكنه قدّمها مجرد علامة حب وتحنن نحو البشر، مقدمًا نفسه آية لهم وسرّ حياة وقوة قيامة! عندما سُئل السيد أن يصنع آية أعلن أنه يقدم موته ودفنه وقيامته الأمور التي أعلنت رمزيًا في يونان النبي آية للبشرية. عمله الخلاصي للبشرية هو الآية التي يلزم أن تشغل كل الفكر وتمتص كل المشاعر والأحاسيس!

في القرن الثاني تكلم العلامة أوريجينوس عن الآيات الشيطانية، غير منكر وجودها، لكنها آيات خادعة وعاجزة، إذ لا تقدر أن تغير طبيعتنا الفاسدة إلى طبيعة مقدسة، ولا أن تهب نموًا في الحياة الفُضلى، بل أن الممارسين لها أنفسهم لا يسلكون في نقاوة. ويقدم لنا بستان الرهبان الكثير من تحذيرات الآباء النساك من صنع الآيات خلال خداعات الشيطان لكي تشغلنا عن الاهتمام بأبديتنا والانشغال بالسيد المسيح. وكثيرًا ما يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن الاهتمام بالحياة الفاضلة في الرب لا بعمل الآيات، فإن الله لا يحاسبنا أننا لم نصنع آيات، إنما يديننا على إهمالنا في جهادنا الروحي.

بين إنسان الخطية والملك المضطهد

لكي تبرز صورة إنسان الخطية كما سجلها لنا الرسول بولس نقارن بينه وبين ما ورد في سفر دانيال عن الملك المضطهد:

أولاً: عمل إنسان الخطية هو إثارة حركة الارتداد عن الإيمان، فلا يترك المؤمنون الإيمان فحسب وإنما يقاومون الحق، ويقفون ضد اللَّه نفسه، ويعلن دانيال النبي عمل الملك المضطهد ككاسر العهد المقدس، إذ يقول: "فييأس ويرجع ويغتاظ على العهد المقدس ويعمل ويرجع ويصغي إلى الذين تركوا العهد المقدس" (دا 11: 30).

ثانيًا: يجلس إنسان الخطية في هيكل الله كإله، ويقوم الملك المضطهد بتدنيس الموضع المقدس: "تقوم منه أذرع وتنجس المقدس الحصين" (دا 11: 31).

ثالثًا: يقاوم إنسان الخطية كل ما يدعى إلهًا أو معبودًا [4]، ويقف الملك المضطهد ضد الله، أو كما يقول دانيال النبي: "ويفعل الملك كإرادته، ويرتفع ويتعظم على كل إله، ويتكلم بأمورٍ عجيبة على إله الآلهة" (دا 11: 36).

هكذا يظهر أن ما ورد في سفر دانيال (ص 11) عن الملك المضطهد إنما يعني "إنسان الخطية" الذي يتحدث عنه الرسول بولس في أكثر وضوح.

إنسان الخطية كما أعلنه الرسول

لعل الصورة الخاصة بإنسان الخطية قد وضحت الآن، فظهر أنه إنسان حقيقي يظهر قبيل مجيء السيد المسيح، ليقيم نفسه إلهًا، فيقاوم الكنيسة المسيحية، كضربة نهائية من قبل الشيطان قبل أن يحتضر بإعلان ملكوت الله الأبدي.

والآن نشرح عبارات الرسول بولس عنه فيما عدا ما تعرضنا له في الصفحات السابقة:

لقد طالبهم الرسول ألا ينخدعوا على طريقة ما، فلا يظنوا أن مجيء السيد المسيح الأخير قد حضر، وإنما يلزم أولاً أن يأتي الارتداد [3]، وقد دعاه بالارتداد، إنسان الخطية، ابن الهلاك، المقاوم، المرتفع [3-4] الأثيم [8].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [دعاه الارتداد لأنه سيهلك كثيرين ويجعلهم يرتدون، إن أمكن حتى المختارين أن يضلوا (مت 24: 24). ودعاه إنسان الخطية، لأنه يصنع شرورًا بلا حصر، ويثير الآخرين لفعل ذلك ودعاه ابن الهلاك لأنه هو نفسه أيضًا يهلك]، يدعى المقاوم لأنه يقف ضد اللَّه، والمرتفع إذ يقيم نفسه إلهًا، والأثيم لأنه ما يثيره الشيطان من إثم عبر العصور يتجلى علانية في إنسان الخطية.

يقول الرسول: "أما تذكرون إني وأنا بعد عندكم، كنت أقول لكم هذا" [5].

يظهر من هذا القول أن الرسول سبق فحدثهم عن إنسان الخطية حين كان حاضرًا عندهم يكرز بالإنجيل، مع أن فترة كرازته كانت قليلة للغاية، ربما عدة أسابيع أو على الأكثر بعض الأشهر. وكأن الحديث عن مجيء إنسان الخطية المقاوم يمثل جزءًا لا يتجزأ من كلمة الكرازة. ففي الوقت الذي فيه يعلن الكارز عن بركة التمتع بالخلاص في استحقاقات الدم المقدس يلهب شوق السامعين لمجيء المخلص بقصد التمتع بشركة الأمجاد معه وفيه. لكن هذه العطية ليست بدون أتعاب أو آلام، وإنما يوجد الشيطان المضلل عبر العصور والذي يكتِّل كل طاقاته في الأيام الأخيرة بقصد إفساد النفوس. إذن، الحديث عن إنسان الخطية مرتبط بالإنجيل المقدس، تحدث عنه السيد المسيح نفسه، قائلاً: "حينئذ إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدّقوا، لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضًا. ها أنا قد سبقت وأخبرتكم" (مت 24: 23 -25). ورأينا القديس يوحنا يتحدث في رسائله عن ضد المسيح، وفي سفر الرؤيا عن الوحشين البحري والبرّي (رؤ 13) وعن النبي الكذّاب (رؤ 16: 13؛ 19: 20؛ 20: 10).

"والآن تعلمون ما يحجز حتى يستعلن في وقته، لأن سرّ الإثم الآن يعمل فقط إلى أن يرفع من الوسط الذي يحجز الآن" [6-7].

كأنه يقول لهم بأنه إذ كان حاضرًا عندهم أخبرهم عنه موضحًا أن الإعلان عنه محتجز، أي أن ظهوره يتأخر إلى الوقت المناسب. إن سرّ الإثم يعمل الآن بطريقة خفيّة، لكنه حين يأتي زمان إنسان الخطية يُنزع الحاجز ليظهر الشيطان بكل طاقاته مجاوبًا الحق علانية. بظهور إنسان الخطية وإثارة الحرب ضد الحق تحسب كل مقاومة سابقة مهما اشتدت أنها مقاومة خفية! إن بشاعة ما يفعله ضد المسيح علانية تتضاءل أمامه كل أعمال الشيطان السابقة.

شدة الهجوم الذي يشنّه إنسان الخطية تجعل البعض ينظر إليه أنه الشيطان بعينه، لذلك يتدارك القديس يوحنا الذهبي الفم ذلك بقوله: [هل هو الشيطان؟ لا، إنما هو إنسان يبث فيه الشيطان كل أعماله.]

ربما تثير فينا كلمات الرسول بولس السابقة [6-7] التساؤلات التالية:

ما هو هذا الحاجز الذي يعوق استعلان إنسان الخطية؟

ولماذا كتب الرسول بأسلوب غامض؟

وكيف يرفع من الوسط؟

يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم بأن في عصره ساد رأيان:

الرأي الأول: الحاجز هو الروح القدس الذي يعوق قيام إنسان الخطية حتى يحل الوقت المحدد. هذا الرأي يرفضه القديس يوحنا الذهبي الفم.

الرأي الثاني: أن الحاجز هو "الدولة الرومانية" التي تقف عائقًا عن ظهوره. وقد قبل القديس هذا الرأي متطلعًا إلى نبوة دانيال التي يفسرها هكذا: أن الدولة البابلية قامت على أنقاض بني مادي، وقام الفرس على أنقاض بابل، والمكدونيون (الدولة اليونانية) على أنقاض سابقتها، والرومانية على أنقاض اليونانية، وأخيرًا يأتي ضد المسيح ليملك على العالم عوض الدولة الرومانية، ويكون ذلك قبل مجيء المسيح يسوع ربنا ليملك على كنيسته في السماوات إلى الأبد. ففي رأيه أن الرسول أخفى ما هو الحاجز لكي لا يثير الإمبراطور الروماني ضد الكنيسة بكونها تتنبأ عن نهاية الدولة الرومانية وحلول ضد المسيح مكانها.

إن أخذنا بروح التفسير لا حرفه يمكننا القول أن إنسان الخطية محتجز الآن بأمر إلهي، إذ الشيطان مقيد حيث يملك السيد المسيح على قلوب مؤمنيه. ويبقى محتجزًا حتى تنمو كنيسة السيد المسيح وتتشدد، وقبيل مجيء السيد المسيح الأخير يفك الشيطان من قيوده فيصب كل جامات غضبه، كمن هو يحتضر بظهور إنسان الخطية أو النبي الكذّاب أو ضد المسيح. هذا الذي يجند قوات بعض الأمم لحسابه، ويقيم نفسه إلهًا في أورشليم، ويحارب الكنيسة علانية، فيهرب المؤمنون أمام شدة الضيقة، وإن أمكن حتى المختارون أن يضلّوا (مت 24: 24). هكذا يعلن الشيطان حربة العلانية لمدة ثلاث سنوات ونصف. وفي النهاية يرسل اللَّه نبييه إيليا وأخنوخ اللذين يستشهدان، ويقيمهما الرب من الموت لمقاومة إنسان الخطية، فيبيدا مملكته وينقذا الكثيرين. عندئذ يأتي السيد المسيح على السحاب لترتفع كنيسته إلى الأمجاد الأبدية. إنها المعركة الأخيرة التي فيها يسمح اللَّه للشيطان أن يدخل فيها ضد كنيسته حتى لا يحتج بعد، محددًا له مدة المعركة، وفي نفس الوقت يسند الكنيسة بنبييه إيليا وأخنوخ، وبهزيمة إنسان الخطية تنهزم مملكة الشيطان تمامًا.

إذن الحاجز المؤقت إنما هو "الأمر الإلهي" الذي يحدد الأزمنة. يمكننا أن نشبّهه بما يحدث في الطبيعة كأن يقتنص الأسد غزالاً حيًا ويأتي به وسط أشباله الصغار، فلو ترك الأسد الغزال لقتل الأشبال، لكنه يقف كحاجز له لا يسمح له أن يضرب الأشبال ضربات قاتلة، تاركًا الفرصة لصغاره أن تتعلم الافتراس. وإذ تنمو الأشبال وتتعلم الهجوم يطمئن عليها ويتركها للغزال. هكذا يهتم الله بكنيسته، حافظًا إيّاها من ظهور إنسان الخطية، تاركًا الإثم ليعمل بطريقة خفية، لكن في الوقت المناسب إذ يطمئن الرب على مؤمنيه يرفع أمره من الوسط، فيظهر إنسان الخطية على الحلبة واضحًا.

نستطيع تطبيق ذلك عمليًا في حياة المؤمن العادي. فإن المسيحي في بداية توبته يكون، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم، كطفل يتعلم المشي، يحتاج إلى يديّ مربيته لتسنده، لكن يلزمها بعد فترة معينة أن تسحب يديها من يديه فجأة لتتركه يمشي، معتمدًا على نفسه ولو إلى ثوانٍ. وتكون عيناها محدقتين نحوه، وقلبها يحوط به. هكذا يعاملنا الله في بداية حياتنا الروحية، مقدمًا لنا تعزيات كثيرة، ويحوّط حولنا، حافظًا إيّانا من التجارب، ولكن إذ يتشدد ساعدنا الروحي يسمح لنا بالضيقات والحروب الروحية كمن قد رُفع عنه الحاجز لكي نتشدد ونتزكى بعمل نعمته الخفيّة فينا.

يمكننا أيضًا تفسير "إنسان الخطية" هنا بالأفكار الإلحادية والفلسفات المضادة للحق، فإنه إذ يسمح الله بها في العالم، تدخل هذه الأفكار والفلسفات في حرب ضد الحق الإنجيلي لكي تحتل القلب "هيكل الله" وتتربع فيه عوض الإيمان. هذه هي سمة العصر الحديث، حيث تقوم هذه الأفكار المتشامخة كإله يسيطر على القلب.

والأمر الذي لا يمكن تجاهله هو ظهور شاب هندي يدَّعي الألوهية. ففي عام 1977 جاءتني سيدة مصرية مثقفة، حين كنت أخدم في أستراليا، وصارت تحدثني عن هذا الشاب. لقد روت لي أنها اعتادت على الحضور في الاجتماعات التابعة له، وكيف كانت في البداية تستهزئ بتعبدهم له، وكانت أحاديثهم عن القوة الداخلية المشرقة في القلب والعاملة فيه. وبعد عدة اجتماعات، كما قالت لي، وجدت نفسها بين جماعة المتعبدين قد ركعت أمام صورته لتقول بالإنجليزية "It is my Lord"، وظنت أن إشراقة نورانية قد ملأت قلبها. وبعد مناقشات معها سألتها أن تركع أمام اللَّه كل يوم تسأله أن يعلن لها الحق، وبالفعل عادت إلى بيتها وبدأت تصلي، وبعد الصلاة فتحت إنجيلها لتقرأ الفصل الذي بين أيدينا. رَجَعت إليّ في اليوم التالي لتقول لي في ندامة صادقة: لقد أحسست بحق أنه إنسان الخطية الذي سيطر على قلبي، هيكل الله، وأقام نفسه إلهًا في أعماقي!" في توبة حقيقية عادت السيدة إلى مسيحها ليملك من جديد في هيكله.

يمكننا أن نقول أن "إنسان الخطية" يظهر في أكثر من صورة ليغتصب الهيكل المقدس بحيلٍ كثيرة. لذلك أكد السيد المسيح أنه سيظهر مسحاء كذبة كثيرون (مت 24).

أخيرًا، يليق بنا أن نعرض أحد الآراء اللاهوتية الخاصة حيث ينظر إلى المحتجز هنا على أنه كنيسة الأمم التي تحجز حتى تكمل، أما رفع الحاجز من الوسط فيعني عند أصحاب هذا الرأي اختطاف كنيسة الأمم مع عريسها لكي يأتي الارتداد ويستعلن إنسان الخطية. عندئذ يقبل اليهود الإيمان في آخر الأزمنة كقول الرسول بولس: "إن القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم، وهكذا سيخلص جميع إسرائيل" (رو 11: 25-26). يؤكد أصحاب هذا الرأي اختطاف كنيسة الأمم قبل الارتداد مستندين على قول السيد المسيح: "حينئذ يكون اثنان في الحقل، يؤخذ الواحد ويترك الآخر، اثنتان تطحنان على الرحى، تؤخذ الواحدة وتترك الأخرى" (مت 24: 40-41).

لكن هذا الرأي لا يقبله كثير من اللاهوتيين، للأسباب التالية:

أولاً: القول بأن الاختطاف يتحقق قبل مجيء السيد المسيح الأخير، بل وقبل ظهور إنسان الخطية إنما يعني ظهور السيد ثلاث دفعات: أولاً عند تجسده لتتميم الخلاص على الصليب، والثاني قبل ظهور إنسان الخطية لاختطاف كنيسة الأمم، والثالث للدينونة.

لقد اهتم البعض بهذه العقيدة حتى لقّبوا أنفسهم بالأدفنتست أي المجيئيين، مع أنه يليق ألا تقوم عقيدة أساسية هكذا على مجرد تفسير شخصي لنص أو نصّين من الكتاب المقدس، بينما في عشرات المرات يتحدث الكتاب المقدس عن مجيء السيد المسيح بكونه المجيء الأخير، وللدينونة العامة النهائية.

ثانيًا: إن كان اليهود يقبلون الإيمان بالسيد المسيح عند دخول ملء الأمم، فهذا لا يعني انعزالهم ككنيسة مستقلة أو جماعة مستقلة، إنما يصيرون أعضاء متفاعلة معًا في الجسد الواحد. هذا ولا يمكننا أن نقول بأن الكنيسة كما هي الآن كنيسة الأمم. فإن كان كثيرون من اليهود قد رفضوا الإيمان، لكن كثيرين منهم أيضًا قبلوه وكرزوا به، واندمج المسيحيون سواء من أصل أممي أو يهودي معًا كقول الرسول: "لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع، لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح، ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع" (غل 3: 26-28).

ثالثًا:
إن كان الاختطاف لكنيسة الأمم يتحقق قبل ظهور إنسان الخطية، فمن هم الذين يقاومهم إنسان الخطية؟ هل اليهود؟ وكيف يقبلون الإيمان والكنيسة مختطفة؟ إن سفر الرؤيا يروي لنا الحرب المريرة التي ستعانيها الكنيسة في أيام ضد المسيح، هذه التي سبق فأنبأ بها حزقيال النبي.

رابعًا:
لو أن كنيسة الأمم تُختطف قبل يوم الدينونة، فهل تعود مرة أخرى في اليوم الأخير؟ إن كان الكتاب يروي لنا اليوم الأخير حيث يظهر فيه فئتان: جماعة الراقدين في الرب الذين يقومون، وجماعة الأحياء الذين يختطفون في ذلك الحين (1 تس 4: 13-18)، فمن أي فئة تكون كنيسة الأمم المختطفة؟ إنهم بلا شك ليسوا براقدين لأنهم اختطفوا أحياء، ولا هم بالأحياء في ذلك الحين إذ يكون الأحياء هم اليهود الذين قبلوا الإيمان بعد اختطاف كنيسة الأمم! فلو صح تفسيرهم لظهرت فئات ثلاث: الراقدون في الرب، المختطفون أي كنيسة الأمم المختطفة، الأحياء من كنيسة اليهود، وهذا أمر لا يتفق والفكر الإنجيلي.

خامسًا:
إن كان أصحاب هذا الرأي يعتمدون على قول السيد أنه يؤخذ الواحد ويترك الآخر (مت 24: 40-41)، فهذا حديث رمزي يكشف عن تمتع الإنسان الروحي بالانطلاق إلى السيد المسيح في مجده ليكون معه في الميراث، بينما يبقى الآخر كمن في مكانه أي في حرمانه من التمتع بالمجد الأبدي. هذا هو أسلوب السيد نفسه حين يلتقي مع البشرية. فإنه يقول للأشرار "إني لا أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 7: 23)، مؤكداً ذلك في أكثر من موضع (لو 13: 25-27؛ مت 25: 12). فهل يختفي هؤلاء عن معرفة الله؟ يستحيل لكنه لا يعرفهم كأولاد له أو أحباء وورثة للمجد! لقد أراد السيد بقوله يؤخذ الواحد ويترك الآخر تأكيد عنصر المفاجأة في الدينونة، فينعم الواحد بالميراث، ويحرم الآخر منه، دون أن تكون له بعد فرصة لاستدراك الأمر، وذلك كعرضه لهذا اليوم في مثل العذارى الحكيمات والجاهلات، فإنه لا يوجد باب حقيقي يُغلق ولا مصابيح أو زيت مادي وإنما هي رموز يقدمها الرب ليثير فينا حياة الاستعداد لملاقاته. لهذا بعدما تحدث عن أخذ الواحد وترك الآخر، قال: "اسهروا إذن لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم" (مت 24: 41). وواضح أن حديث السيد في هذا المجال كله هو عن اليوم الأخير والدينونة، وليس عن اختطاف يسبق مجيء ضد المسيح. لقد جاء حديثه عن ظهور ضد المسيح سابقًا لأخذ الواحد وترك الآخر (مت 24: 23- 24، 40).


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى اصحاح 2 جـ3 PDF طباعة البريد الإلكترونى
حديثه الختامي عن إنسان الخطية

يختم الرسول بولس حديثه عن إنسان الخطية بقوله:

"حينئذ سيستعلن الأثيم الذي الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه، الذي مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة، وبكل خديعة الإثم في الهالكين، لأنهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا، ولأجل هذا سيرسل إليهم اللَّه عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب، لكي يدان جميع الذين لم يصدقوا الحق بل سُرّوا بالإثم" [8-11].

ويلاحظ في كلمات الرسول الختامية عن إنسان الخطية الآتي:

أولاً: يقول "حينئذ سيستعلن الأثيم"، وكأن إنسان الخطية الذي يدعى بالأثيم. إذ يثير البشر لارتكاب الإثم وإلى دفع الغير أيضًا لارتكاب ذات الفعل، هذا الأثيم يستعلن. كأنه كان قائمًا في ذهن الشيطان قبل ظهوره، وهو يبذل كل الجهد ويستخدم كل الحيل لظهوره، لكن لا يستعلن إلا حين يسمح الله بظهوره، حين يرفع الحاجز.

يمكننا إن صح لنا أن نقول بأن الشيطان قد أدرك ما كان مخفيًا عنه، إذ أدرك أن تجسد الكلمة وعماد السيد وصلبه وموته وقيامته وصعوده، هذه الأمور جميعها إنما تمثل عمل إلهي متكامل كان في ذهن الله منذ الأزل لخلاص البشرية. وأن الله أعد البشرية لقبول هذا العمل الخلاصي خلال الآباء والأنبياء خلال الشريعة والطقوس، خلال الأحداث والرموز. حتى يقدر البشر أن تتقبل خلاصها بالمسيح يسوع في ملء الزمان. إذ أدرك الشيطان ذلك أعد من جانبه خطة مضادة بطلها "ضد المسيح"، لقد أعد له منذ بدء الكرازة بالإنجيل خلال الهرطقات والبدع والفلسفات الإلحادية والأفكار المادية وكل صنوف التشكك لظهور ضد المسيح. لكن الله لم يسمح به ولن يسمح إلا في الوقت المحدد كفرصةٍ نهائيةٍ لعدو الخير إنه يبقى حاميًا للكنيسة من ظهوره إلى ما قبل مجيئه الأخير حتى يكمل الشيطان كأسه، وتتكلل كنيسته التي تذوق الأمرّين منه.

ثانيًا: ظهور "ضد المسيح" يمثل رعبًا شديدًا وخطرًا على الكنيسة حتى إن أمكن المختارون أن يضلّوا، وقد رأينا ذلك بوضوح أثناء دراستنا لسفر الرؤيا، ومع ذلك يقول الرسول: "الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه".

ماذا يعني الرسول بنفخة فمه التي تبيد ضد المسيح؟ والتي يقول عنها إشعياء النبي: "يضرب الأرض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه" (إش 11: 4).

بلا شك يقصد الرسول بنفخة فم السيد "الروح القدس" الذي هو روحه ونفخة فمه، لا يوهب له كنعمة وعطية، إنما هو واحد معه في الجوهر. يقول القديس أمبروسيوس: أن السيد المسيح يبيد "ضد المسيح" بروحه القدوس... [هنا لا ينال نعمة توهب له، إنما يمثل الوحدة التي بلا انقسام، حيث لا يمكن أن يوجد المسيح بدون الروح، ولا الروح بدون المسيح، إذ وحدة اللاهوت لا تقسم.] هذا الروح الإلهي، الذي هو روح المسيح قد قدمه السيد لكنيسته بكونه نفخة فمه، القادر وحده أن يبدد الظلمة وكل أعمال الشيطان، محطمًا قوة إنسان الخطية. لقد نفخ السيد المسيح في وجه تلاميذه وقال لهم: "اقبلوا الروح القدس، من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" (يو 20: 22-23). لقد وهب كنيسته خلال خدامها الروح القدس غافر الخطية ومبددها، حتى يستطيع المؤمن أن يقول بكل قوة: "أين شوكتك يا موت؟! أين غلبتك يا هاوية؟ أما شوكة الموت فهي الخطية..." (1 كو 15: 55-56). إن كان ربنا يسوع المسيح قد غلب الموت وحطّم الخطية، فإنه وهبنا روحه القدوس الذي يدخل بنا إلى دائرة الصليب، ويثبتنا في المسيح يسوع المخلص، واهبًا إيّانا مغفرة الخطايا، فلا يقدر الشيطان العدو بكل طاقاته أن يقف أمامنا.

إن عمل الروح القدس الأساسي في حياتنا هو أن يدخل بنا إلى الشركة مع الآب في ابنه، إذ يخفينا في الابن الوحيد كأعضاء في الجسد المقدس ويثبتنا فيه، فنوجد غالبين ومنتصرين بالمسيح الذي خرج غالبًا ولكي يغلب (رؤ 6: 2).

ثالثًا: يقول الرسول: "يبطله بظهور مجيئه". يرى العلامة أوريجينوس أن إنسان الخطية وهو يحمل أعمال الشيطان بكل عنفها وخداعاتها يمثل الكذب الذي لا يمكن أن يكون له وجود بإعلان ظهور مجيء المسيح، أي ظهور الحق. فظهور المسيح يسوع شمس البرّ في أواخر الدهور يقضي تمامًا على ظلمة عدو الخير، ويدفع بها إلى العذاب الأبدي، وإعلان الحق يحطم الكذب.

نستطيع أن نقول أن ما يحدث في أواخر الدهور إنما هو امتداد لما يتحقق يوميًا في حياة الكنيسة، فبقدر ما يتجلّى العريس السماوي في حياتها ويعلن بهاؤه، لا يقدر عدو الخير عليها ولا تستطيع الخطية أن تجد لها مكانًا فيها. وكأن عمل الكنيسة كجماعة وكأعضاء هو الاختفاء في المسيح الحق ليتجلّى فيها، فتباد أعمال الظلمة، وتنتهي الجهالة. هذا هو سرّ غلبتنا ونصرتنا، لذا يقول الرسول "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقوّيني" (في 4: 13)، كما يقول السيد نفسه: "الذي يثبت فيّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5).

رابعًا: يقدم الرسول بولس تعليلاً لظهور إنسان الخطية قبل مجيء السيد الأخير. إذ يقول: "وبكل خديعة الإثم في الهالكين، لأنهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا، لأجل هذا سيرسل إليهم اللَّه عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب، لكي يُدان جميع الذين لم يصدقوا الحق، بل سرّوا بالإثم" [10، 11]. لقد سبق فجاء الحق متجسدًا ولم يعد للإنسان عذر في جهالته، ومع ذلك فقد وُجد أناس لا يصدقوا بل يفرحوا بالإثم. هؤلاء أسلموا أنفسهم للجهل والظلمة، فيسمح اللَّه بإرسال المضلل لا ليضلهم، وإنما ليفضح أعماقهم الشريرة، ويمتلئ كأسهم. وكما يقول الرسول بولس: "وكما لم يستحسنوا أن يبقوا اللَّه في معرفتهم أسلمهم اللَّه إلى ذهن مرفوض" (رو 1: 28). وكأن مجيء إنسان الخطية لا يحطم مجيء الحق إنما يزيدهم تزكية وبهاء. إنه يحطم من حطموا أنفسهم برفضهم الحق وسرورهم بالإثم. بهذا يتحقق قول السيد: "لأن كل من له يعطى فيزداد، ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه" (مت 25: 29).

2. ثباتهم في الرب

"وأما نحن فينبغي لنا أن نشكر الله كل حين لأجلكم أيها الإخوة المحبوبون من الرب أن الله اختاركم من البدء للخلاص بتقديس الروح وتصديق الحق" [13].

ربما خشي الرسول بولس أن يرتعب السامعون عند سماعهم عن إنسان الخطية، وما يحمله من أعمال شيطانية وخداعات، لهذا أراد أن يبعث فيهم روح الرجاء، معلنًا التزامه بتقديم ذبيحة شكر لله غير منقطعة من أجل خطته الأزلية نحونا، وحبه الإلهي، واختياره لنا، وتقديسنا بروحه القدوس، وتقديم الحق (المسيح) فنقبله!

هذا هو دور الراعي الواعي، إذ يبعث الرجاء في حياة المخدومين، فلا ترعبهم حروب الشيطان، ولا هجمات الخطية، ولا كثرة الضيقات القاسية، متطلعين بالحق إلى الله الذي أحبهم فاختارهم مقدمًا الخلاص لهم، ومقدسًا إيّاهم بروحه القدوس ليصدقوا الحق فيهمّ!

وكأن الرسول قد سحب بصيرتهم الداخلية من التطلع إلى مرارة الحرب الروحية إلى اكتشاف خطة الثالوث القدوس نحو المؤمنين، مؤكدًا الآتي:

أنهم محبوبون من الرب يسوع الذي قدم لهم الخلاص،

وأن الآب اختارهم منذ البدء لهذا الخلاص،

وأن الروح القدس يقوم بتقديس أرواحهم فتتقبل الحق فيها.

لا أريد الدخول في تفاصيل لاهوتية، لكنني أود تأكيد أن عمل كل أقنوم ليس منفردًا ولا منعزلاً عن الأقنومين الآخرين، ولتوضيح ذلك أقول:

أولاً: إن كنا محبوبين من الرب يسوع الذي أسلم نفسه لأجلنا (غل 2: 20) فإن الآب "أحبنا وأرسل ابنه كفّارة لخطايانا" (1 يو 4: 10). محبة الله الفاقة جعلته يقدم ابنه مبذولاً عنا، وبذات الحب قدم الابن نفسه طاعة للآب (عب 5: 8) وتحقيقًا لإرادته التي هي واحدة معه.

ثانيًا: اختارنا الآب إذ وجدنا أبناء له خلال اتحادنا معه في ابنه الوحيد، فرآنا مقدسين باختفائنا فيه، وبلا لوم قدامه، وكما يقول الرسول: "اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قديسين، وبلا لوم قدامه في المحبة" (أف 1: 14). إن كان الآب بحبه اختارنا في ابنه، فإن الابن أيضًا بذات الحب الإلهي اختارنا أبناء لأبيه. يقول السيد نفسه: "ليس أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم" (يو 15: 16). هنا يتحدث عن الاختيار للعمل الكرازي الخاص بتلاميذه ورسله، لكنه ينطبق بالأولى على المؤمنين في اختيارهم للبنوة لله والتمتع بخلاصه المجاني.

ثالثًا: تحدثنا في الرسالة السابقة عن تقديس الروح، بكونه خاص بأقنوم الروح القدس، لكن دون انفصال عن الأقنومين الآخرين. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [الآب يقدس (1 تس 5: 23، يو 17: 17)، والابن أيضًا يقدس (1 كو 1: 30)، والروح القدس يقدس. لكن التقديس واحد، فإن المعمودية واحدة ونعمة السر واحدة.]

يكمل الرسول حديثه عن عمل الثالوث القدوس في حياة المؤمنين كمختارين للخلاص ومقدسين في بالروح القدس، قائلاً: "الأمر الذي دعاكم إليه بإنجيلنا، لاقتناء مجد ربنا يسوع المسيح" [14] لقد قدم لنا الوسيلة كما الغاية. فليس من طريق لتحقيق هذا الهدف الإلهي فينا كمختاري الرب المقدسين إلا الإنجيل، أي الكرازة بالخلاص خلال الصليب. ويدعوه الرسول "إنجيلنا"، مع أنه لم يكتب أي سفر من الأناجيل الأربعة. لكنه يعتبر كلمة الكرازة التي ينطق بها ويعيشها في حياته إنما هي إنجيله الحيّ الذي ينعم به. أما الغاية فهي اقتناء مجد ربنا يسوع المسيح الذي ننعم بعربونه خلال جهادنا الروحي، لكي ندخل إلى كماله عند مجيئه الأخير.

إن كان الله لم يبخل علينا بشيء، فقد أحبنا واختارنا ووهبنا تقديس الروح مقدمًا لنا "الحق" ذاته يسكن فينا، واهبًا إيّانا إنجيل الخلاص كطريقٍ للتمتع بمجد ربنا يسوع المسيح، فان هذا كله إنما يدفعنا للجهاد متمسكين بالتقاليد الحيّة التي قدمت لنا خلال الرسل، إذ يقول الرسول: "فاثبتوا إذن أيها الإخوة، وتمسكوا بالتعاليم (التقاليد) التي تعلمتموها، سواء كان بالكلام أم برسالتنا" [15].

ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا النص بقوله: [ليتنا نفكر في تقليد الكنيسة أنه مستحق كل تقدير، إنه تقليد فلا نفكر في شيء آخر.] لنتمسك بالتقاليد الشفوية والكتابية التي تسلمها الرسول وسلّمها لهم، ليعيشوا إنجيل ربنا يسوع كحياة إيمانية عملية تترجم خلال العبادة والسلوك.

التقليد أو التسليم الذي تسلمناه ليس "محاكاة للماضي" لمجرد أنه ماضٍ. لكنه هو وديعة الإيمان الحيّ المعلن خلال "الاتحاد مع الله الآب في ابنه يسوع المسيح خلال الروح القدس". هذا الإيمان يترجم عمليًا خلال القوانين الكنسية غير الجامدة وطقس العبادة الروحية والسلوك الداخلي والتصرف مع الآخرين. إنه يُترجم عمليًا في أعماق النفس وأفكار الذهن وتصرفات الجسد.

يختم الرسول وصيته لهم بالثبات في الرب والتقليد الكنسي بصلاة قصيرة يقدمها عنهم لكي تسندهم، إذ يقول: "ربنا يسوع المسيح والله أبونا الذي أحبنا، وأعطانا عزاء أبديًا، ورجاء صالحًا، بالنعمة يعزي قلوبكم، ويثبتكم في كل كلام وعمل صالح" [16-17]. إنه يرفع قلوبنا إلى الآب أبينا وربنا يسوع المسيح الذي يعمل في القلب كما في الفم وفي التصرف، لنحيا كما يليق بإنجيل السيد المسيح الذي ننعم به خلال التقليد، مقدسين في الفكر والأحاسيس، كما في الكلام والعمل.

1 ثم نسالكم ايها الاخوة من جهة مجيء ربنا يسوع المسيح و اجتماعنا اليه
2 ان لا تتزعزعوا سريعا عن ذهنكم و لا ترتاعوا لا بروح و لا بكلمة و لا برسالة كانها منا اي ان يوم المسيح قد حضر
3 لا يخدعنكم احد على طريقة ما لانه لا ياتي ان لم يات الارتداد اولا و يستعلن انسان الخطية ابن الهلاك
4 المقاوم و المرتفع على كل ما يدعى الها او معبودا حتى انه يجلس في هيكل الله كاله مظهرا نفسه انه اله
5 اما تذكرون اني و انا بعد عندكم كنت اقول لكم هذا
6 و الان تعلمون ما يحجز حتى يستعلن في وقته
7 لان سر الاثم الان يعمل فقط الى ان يرفع من الوسط الذي يحجز الان
8 و حينئذ سيستعلن الاثيم الذي الرب يبيده بنفخة فمه و يبطله بظهور مجيئه
9 الذي مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة و بايات و عجائب كاذبة
10 و بكل خديعة الاثم في الهالكين لانهم لم يقبلوا محبة الحق حتى يخلصوا
11 و لاجل هذا سيرسل اليهم الله عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب
12 لكي يدان جميع الذين لم يصدقوا الحق بل سروا بالاثم
13 و اما نحن فينبغي لنا ان نشكر الله كل حين لاجلكم ايها الاخوة المحبوبون من الرب ان الله اختاركم من البدء للخلاص بتقديس الروح و تصديق الحق
14 الامر الذي دعاكم اليه بانجيلنا لاقتناء مجد ربنا يسوع المسيح
15 فاثبتوا اذا ايها الاخوة و تمسكوا بالتعاليم التي تعلمتموها سواء كان بالكلام ام برسالتنا
16 و ربنا نفسه يسوع المسيح و الله ابونا الذي احبنا و اعطانا عزاء ابديا و رجاء صالحا بالنعمة
17 يعزي قلوبكم و يثبتكم في كل كلام و عمل صالح


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 2 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى اصحاح 3 جـ1 PDF طباعة البريد الإلكترونى

وصايا عملية


حديث الرسول عن حركة الارتداد العظيم التي يثيرها ابن الهلاك قبل مجيء السيد المسيح لا تحطم نفسية الرسول بولس، بل بالعكس تلهب قلبه للعمل الروحي الجاد لحساب الملكوت السماوي، طالبًا مساندة الشعب بالصلاة والسلوك حسب الطقس اللائق بهم، لهذا جاء هذا القسم من الرسالة يعرض الآتي:

1. طلب صلواتهم 1- 5.

2. تجنب السلوك بلا ترتيب 6- 16.

3. ختام الرسالة 17- 18.

1. طلب صلواتهم

الحديث عن "إنسان الخطية" يخص المؤمنين في عصر ما قبل مجيء السيد المسيح الأخير، لكنه في نفس الوقت هو إعلان لحرب الشيطان في أشد صورها، هذه التي انطلقت وتنطلق للمقاومة، حيثما يوجد عمل المسيح. لهذا يوصي الرسول شعبه "أخيرًا أيها الإخوة صلوا لأجلنا، لكي تجري كلمة الرب، وتتمجد كما عندكم أيضًا" [1].

في هذه الوصية الرسولية نكتشف دور العلمانيين في الكنيسة، فهم ليسوا مجرد مستمعين لكلمة الرب، وإنما كأعضاء أحياء في جسد المسيح يدركون غاية الرأس، ويعملون لحساب هذه الغاية. إن كانوا غير قادرين على الكرازة بكلمة الوعظ، لكنهم مطالبون بالصلاة من أجل كلمة الله لكي تجري في البشرية وتتمجد فيهم. هذه الصلوات لها فاعليتها في حياة الخدام، وفي الكرازة بكلمة الوعظ، كما في المستمعين، لا تقل أهمية عن كلمة الوعظ ذاتها.

كان الرسول بولس ملتزمًا بالصلاة من أجل شعب الله ليتمتعوا بشركة مجد ربنا يسوع المسيح (2: 14)، ومن جانب آخر يدرك مدى احتياجه إلى صلواتهم عنه من أجل نموه الروحي وتدبير العمل الرسولي. إن كان الرسول بولس قد أفرز من بطن أمه لهذا العمل الرسولي (غل 1: 15)، كما أمر الروح القدس الكنيسة صراحة: "افرزوا لي برنابا وشاول (بولس) للعمل الذي دعوتهما إليه" (أع 13: 2)، لكن هذا كله لا يغني الرسول عن صلوات الشعب من أجله. لست أقول أن هذا ينبع عن روح التواضع فحسب الذي ينبغي أن يتسم به كل مسيحي، وبالأكثر كل راعٍ، وإنما هو علامة الحب العملي الفعال بين أعضاء جسد الكنيسة الواحد. فيصلي الكل عن بعضه البعض، لينجح الرب طريق الكل حسب خدمته ومواهبه. هذه الطلبة تكشف عن إيمان الرسول بعمل الصلاة وفاعليتها.

يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [حقًا كان يصلي من أجلهم لتثبيتهم، والآن يسألهم الصلاة من أجله، لا لكي لا يحل به خطر، فإنه موضوع لهذا (أي احتمال الآلام 1 تس 3: 3)، وإنما لكي تجري كلمة الرب وتتمجد.]

هذا هو الموضوع الذي يشغل ذهنه، ويجاهد من أجله، ويطلب من الكل أن يصلوا لأجله، وهو أن تجري كلمة الرب في كل الأرض وتتمجد، فتكون كالشمس التي تشرق على المسكونة وتبهجها (مز 19: 4)، أو كما يقول المرتل: "يرسل كلمته في الأرض سريعًا جدًا يجري قوله" (مز 147: 15).

إن كان الرسول قد وجد مقاومين له في الخدمة مثل إسكندر الحداد الذي أظهر شرورًا كثيرة (2 تي 4: 14)، فإنه يطلب منهم الصلاة لكي يبطل الله مقاومتهم وشرهم، إذ يقول: "ولكي ننقذ من الناس الأردياء الأشرار لأن الإيمان ليس للجميع" [2].

أراد الرسول أن يشجعهم بطريقة غير مباشرة للجهاد في الحياة الروحية والخدمة، فكشف لهم أنه مُقاوم من الأردياء الأشرار كما هم أيضًا مُقاوَمون، وهو يتألم كما هم يتألمون. إنه يصلي من أجلهم لكي ينجح الرب طريقهم ويبدد كل مشورة شريرة، وهو محتاج إلى صلواتهم عنه لينجح الرب رسالته. حقًا ما أجمل حياة الشركة والحب المتبادل بين الراعي ورعيته. شركة في الحب، وشركة في العمل، وشركة في الآلام، وشركة في الصلاة.

يعود الرسول فيؤكد أن الالتزام لا يقف عند الصلاة سواء من جانبه أو جانبهم لبعضهم البعض، وإنما يلزم أن تلتحم الصلاة بالعمل، وعمل نعمة اللَّه المجانية بالجهاد، إذ يقول:

"أمين هو الرب الذي يثبتكم ويحفظكم من الشرير، ونثق بالرب من جهتكم أنكم تفعلون ما نوصيكم به وستفعلون أيضًا، والرب يهدي قلوبكم إلى محبة اللَّه، وإلى صبر المسيح" [3-5].

يلزمهم في حياتهم الروحية كما في الشهادة للرب أن يعتمدوا على الرب الذي هو أمين في رعايته لكنيسته واهتمامه بكل أمورها بالرغم من وجود الأشرار، كقول الرسول: "إن كنا غير أمناء فهو يبقى أمينًا لن يقدر أن ينكر نفسه" (2 تى 2: 13). فهو الذي يثبت المؤمنين ويحفظهم من الشيطان الشرير، وهو الذي يهدي القلب، مركز الحياة، ويوجهه نحو الحب الإلهي واحتمال الألم بصبر. ويلزم على المؤمنين أن يقوموا بدور إيجابي إذ يقول: "تفعلون ما نوصيكم به وستفعلون أيضًا". ففي جهادنا نلتزم بالصلاة لطلب نعمة اللَّه المجانية دون أن نهمل الجهاد. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم معلقًا على هذا القول الرسولي [حقًا عظيمة هي فاعلية الصلاة، لكن إن كنا من جانبنا نعمل.] وفي موضع آخر يقول: [الله يريد أن يظهر العبد وكأنه قد ساهم في شيءٍ حتى لا يسقط في الخجل.] وأيضًا: [يطلب اللَّه منا حجة صغيرة لكي يقوم هو بكل العمل.]

يؤكد الرسول العمل الإلهي في حياتنا: "الرب هو الذي سيثبتكم، ويحفظكم من الشرير... والرب يهدي قلوبكم إلى محبة الله وإلى صبر المسيح"، وفي موضع آخر يقول: "الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا لأجل مسرّته" (في 2: 13). إنه هو الذي يعمل فينا، وهو الذي يعطينا الإرادة الصالحة، كما يهب الثبات فيه والنصرة على الشرير، وهو الذي يهب الحب السماوي، ويعطينا سمة الصبر للسيد المسيح. إننا مدينون له بكل شيء! في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا نقدر أن نجرى في طريق الله إلا محمولين على أجنحة الروح.]

يعلن الرسول شوقه أن يهدي الرب قلوب شعبه إلى الحب الإلهي، فيحملون سمة المسيح التي هي "الصبر"، بمعنى آخر بالحب يدخل المؤمن إلى صليب الرب، ويحتمل الآلام بفرح، بكونها شركة مع المصلوب وحمل لسمة الاحتمال الخاصة به.


2. تجنب السلوك بلا ترتيب

"ثم نوصيكم أيها الإخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التعليم (التقليد) الذي أخذه منا، إذ أنتم تعرفون كيف يجب أن يتمثل بنا، لأننا لم نسلك بلا ترتيب بينكم" [6-7].

نستطيع أن نتلمس أهمية السلوك بترتيب من الوصية التي بين أيدينا فمن جهة يقول "نوصيكم باسم ربنا يسوع المسيح" تأكيدًا لخطورتها وأهمية الالتزام بها، ومن جانب آخر، فإنه لا يقف عند تحذيرنا من السلوك بلا ترتيب، وإنما يلزمنا بتجنب كل أخ يسلك هكذا، وإنني لا أريد أن أكرر ما سبق لنا الحديث عنه في الرسالة السابقة عن مفهوم "الترتيب" أو "الطقس" بكونه ليس مجرد ترتيبات أو تنظيمات كنسية، إنما هو "تدبير حياة" يمس عقيدتنا وعبادتنا ومشاعرنا وسلوكنا مع الآخرين.

بقدر ما يوصينا اللَّه بالحب نحو كل إنسان، يطالبنا خلال إنجيله تجنب الساقطين من الإخوة الذين لهم اسم المسيح دون قوته، وشكليات العبادة دون روحها. فيطالبنا بتجنب السالكين بغير ترتيب، كالهراطقة الذين يفسدون طقس الإيمان، والإخوة الزناة الخ. فيقول الرسول بولس: "نقوا منكم الخميرة العتيقة، لكي تكونوا عجينًا جديدًا" (1 كو 5: 7)، كما يقول: "لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين، لأنه أية خلطة للبر والإثم؟ وأية شركة للنور مع الظلمة؟ وأي اتفاق للمسيح مع بليعال"؟ (2 كو 6: 14-15). ويقول القديس يوحنا الحبيب: "إن كان أحد يأتيكم ولا يجيء بهذا التعليم، فلا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام، لأن من يسلم عليه يشترك في أعماله الشريرة" (2 يو 10-11).

في هذا يقول القديس كبريانوس: [لا يمكن أن توجد شركة بين الإيمان وعدم الإيمان، من هو مع المسيح والمقاوم له، الغريب عن الوحدة ومحب السلام لا يجتمعا معًا.] كما يتحدث عن تجنب الأشرار، قائلاً: [يليق بنا أن ننسحب بل بالأحرى نهرب من الساقطين لئلا إذا اجتمع أحد مع السالكين في الشر والمصرين على الخطأ والخطية ينحرف هو أيضًا عن الحق، ويوجد مجرمًا.]

في الوقت الذي فيه يطالب المؤمنين بتجنب من يسلك بلا ترتيب والمنحرف عن التقليد الذي سلمه إليهم، يسألهم أن يتمثلوا به بكونه قد ترجم الطقس الروحي عمليًا في حياته، فصار يسلك بترتيب أو طقس إنجيلي حق، وكأن الترتيب ليس مجرد تعاليم شفوية أو كتابية يكرز بها، وإنما حياة تعلن في حياة الراعي، إذ يقول: "إذ أنتم تعرفون كيف يجب أن يتمثل بنا لأننا لم نسلك بلا ترتيب بينكم" [7].


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
 
تفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى اصحاح 3 جـ2 PDF طباعة البريد الإلكترونى

إذ يقدم الرسول نفسه مثالاً لشعب الله لا يفعل هذا عن كبرياء في قلبه، وإنما خلال أبوته الحانية التزم أن ينطق بهذا، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عظيمة هي الثقة في المعلم الذي يكون بتصرفاته الصالحة عنوانًا يحث تلاميذه.. فإنه يليق به أن يكون معلمًا بالحياة التي يعيشها أكثر من الكلام (الذي يعظ به). لا يظن أحد أن قول الرسول هذا نابع عن افتخار، فقد ألزمته الضرورة أن ينطق بهذا من أجل النفع العام.]

يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن أهمية القدوة في حياة الراعي، قائلاً: [القدوة الحسنة تعطى صوتًا أعذب من أصوات العزف وجميع آلات الطرب، لأن الناس لا يعتبرون ما نقوله بقدر ما نفعله.] كما يقول: [لقد تركنا (الرب) هنا لنكون نورًا، لنعلم الآخرين، لنكون خميرة، نسلك كملائكة بين البشر، كرجال مع أولادهم، كروحيين مع أناس طبيعيين فينتفعون منا، ونكون بذارًا تخرج ثمارً.] ويقول القديس أغسطينوس: [يجب أن تكون سيرة الكهنة وعظًا دائمًا لخلاص القريب.]

يقدم الرسول بولس نفسه مثالاً وقدوة في التزامه بالتقليد الذي سلّمه إليهم، أحد جوانبه هو الالتزام بالعمل. فقد كان الرسول يتعب ليلاً ونهارًا في عمل الخيام، حتى لا يثقل على أحد، ولكي يعلن أن المسيحية بما اتسمت به من صبغة سماوية لا تحتقر العمل اليومي الزمني، بل تقدسه كجزء لا يتجزأ من بناء المؤمن روحيًا.

"ولا أكلنا خبزًا مجانًا من أحد بل كنا نشتغل بتعب وكد ليلاً ونهارًا لكي لا نثقل على أحد منكم، ليس أن لا سلطان لنا، بل لكي نعطيكم أنفسنا قدوة حتى تتمثلوا بنا، فإننا أيضًا حين كنا عندكم أوصيناكم بهذا أنه إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضًا. لأننا نسمع أن قومًا يسلكون بينكم بلا ترتيب، لا يشتغلون شيئًا، بل هم فضوليون. فمثل هؤلاء نوصيهم ونعظهم بربنا يسوع المسيح أن يشتغلوا بهدوء ويأكلوا خبز أنفسهم. أما أنتم أيها الإخوة فلا تفشلوا في عمل الخير" [8-13].

تحدثنا في الرسالة السابقة عن حق الرسول بولس أن يأكل من الإنجيل، لكنه أراد أن يتنازل عن حقه حتى لا يثقل على أحد. فكان يعمل ويكدّ ليلاً ونهارًا (1 تس 2: 9). هذا ما التزم به أيضًا في كورنثوس (أع 18: 3، 2 كو 9: 9)، وفي أفسس (أع 20: 34).

لقد قدم نفسه مثلاً، معلنًا التزامه المسيحي بالعمل كجزء لا يتجزأ من عمله الروحي، واضعًا أمامه هذه الوصية: "إن كان أحد لا يريد أن يشتغل، فلا يأكل أيضًا [10]. من يريد أن يعمل، ولكنه عاجز عن العمل فهذا مستحق أن يأكل، أما من لا يريد فهو غير مستحق أن يأكل. هذا هو قانون الطبيعة الذي وضعه الله للإنسان، إذ جبله في الجنّة ليعمل (تك 1: 15). وقد عرف اليهود المثل: "من لا يعمل لا يأكل"، وأيضًا: "من لا يعمل قبل السبت فلا يأكل يوم السبت". ويقول السيد نفسه: "لأن الفاعل مستحق أجرته" (لو 10: 7).

يأمرهم الرسول لا أن يعملوا بلا كسل فحسب، وإنما ألا يفشلوا في عمل الخير [13]، أي يجاهدوا في كل عمل صالح، مهما كانت العوائق. ولعله قصد بقوله "عمل الخير" أن العمل الذي يمارسه الإنسان إنما هو مقدس، ويُحسب خيرًا حتى وإن كان من الأعمال العادية اليومية. فالمسيحي ينظر إلى كل ما يمارسه كأمرٍ مقدسٍ، خاصة وأن السيد المسيح القدوس قد شاركنا هذا العمل قبل بدء الخدمة.

أخيرًا يحذرهم الرسول:

"وأن كان أحد لا يطيع كلامنا بالرسالة فسمّوا هذا ولا تخالطوه لكي يخجل، ولكن لا تحسبوه كعدو، بل انذروه كأخ" [14-15].

يطالبنا الرسول بالحزم مع الذين في الداخل إن لم يسمعوا الوصية ولا يطيعوا الكلمة الرسولية، حتى أننا مطالبون بتجنبهم وعدم مخالطتهم حتى يخجلوا. وفي نفس الوقت يلزمنا أن نمزج الحزم بالحب، فلا نتطلع إليهم كأعداء نقاومهم، وإنما ننذرهم كإخوة نشتهي خلاصهم، ونطلب عودتهم إلى الحياة المقدسة.

يتحدث القديس أمبروسيوس عن أهمية مزج الحزم بالحب أو الحب بالحزم، قائلاً: [لا يليق بالراعي أن يكون قاسيًا عنيفًا، ولا يكون متساهلاً جدًا، لئلا يكون في الحالة الأولى كمن له سلطان جائر، وفي الحالة الثانية كمن يهين بلا سبب وظيفته التي نالها.]

يختم الرسول هذا التحذير بصلاة يقدمها لله ملك السلام ليهبهم السلام الحقيقي، الذي ينبع في القلب وينعكس على تصرفات الإنسان الخارجية. أما سرّ هذا السلام فهو إعلان حضرة الله نفسه في حياة الإنسان ومعه، إذ يقول: "ورب السلام نفسه يعطيكم السلام دائمًا من كل وجه، والرب مع جميعكم" [16].

3. الختام

يختم الرسول حديثه مع أهل تسالونيكي بقوله:

"السلام بيدي أنا بولس، الذي هو علامة في كل رسالة. هكذا أنا كتبت. نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم. آمين" [17-18].

لقد كتب الرسول هذا الختام بيده ليميز بين رسائله الحقيقية وما نسبت إليه خطأ، أو لكي يعطي البركة الرسولية لشعب الله بيده، طالبًا من ربنا يسوع المسيح أن يهبهم نعمته التي تعمل فيهم وترافقهم باستمرار حتى يكملوا جهادهم بفرح.

1 اخيرا ايها الاخوة صلوا لاجلنا لكي تجري كلمة الرب و تتمجد كما عندكم ايضا
2 و لكي ننقذ من الناس الاردياء الاشرار لان الايمان ليس للجميع
3 امين هو الرب الذي سيثبتكم و يحفظكم من الشرير
4 و نثق بالرب من جهتكم انكم تفعلون ما نوصيكم به و ستفعلون ايضا
5 و الرب يهدي قلوبكم الى محبة الله و الى صبر المسيح
6 ثم نوصيكم ايها الاخوة باسم ربنا يسوع المسيح ان تتجنبوا كل اخ يسلك بلا ترتيب و ليس حسب التعليم الذي اخذه منا
7 اذ انتم تعرفون كيف يجب ان يتمثل بنا لاننا لم نسلك بلا ترتيب بينكم
8 و لا اكلنا خبزا مجانا من احد بل كنا نشتغل بتعب و كد ليلا و نهارا لكي لا نثقل على احد منكم
9 ليس ان لا سلطان لنا بل لكي نعطيكم انفسنا قدوة حتى تتمثلوا بنا
10 فاننا ايضا حين كنا عندكم اوصيناكم بهذا انه ان كان احد لا يريد ان يشتغل فلا ياكل ايضا
11 لاننا نسمع ان قوما يسلكون بينكم بلا ترتيب لا يشتغلون شيئا بل هم فضوليون
12 فمثل هؤلاء نوصيهم و نعظهم بربنا يسوع المسيح ان يشتغلوا بهدوء و ياكلوا خبز انفسهم
13 اما انتم ايها الاخوة فلا تفشلوا في عمل الخير
14 و ان كان احد لا يطيع كلامنا بالرسالة فسموا هذا و لا تخالطوه لكي يخجل
15 و لكن لا تحسبوه كعدو بل انذروه كاخ
16 و رب السلام نفسه يعطيكم السلام دائما من كل وجه الرب مع جميعكم
17 السلام بيدي انا بولس الذي هو علامة في كل رسالة هكذا انا اكتب
18 نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم امين


السابق 1 2 التالى
+ إقرأ اصحاح 3 من رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الثانية الى أهل تسالونيكى +