إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الضمير الصالح هو الذى يستنير بإرشاد الروح القدس ، فهو لا يرشد الإنسان من ذاته ولا يعمل بمجرد معرفة بشرية وإنما يرشده روح الله ويكون أيضاً تحت إرشاد كلمة الله الصالحة وتعليمه الإلهى

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 5 جـ2 PDF Print Email
ثالثًا: الارتفاع فوق الضيقات

ربّما يتساءل البعض: إن كان الإيمان بالمسيح يدخل بنا إليه لنحمل برّه فينا فننعم بالسلام مع الله، وإذ نقيم في هذه النعمة ينفتح قلبنا على رجاء المجد الإلهي، فما هو عمل هذا البرّ في حياتنا وسط الضيقات التي لا تنقطع؟

يجيب الرسول على هذا التساؤل معلنًا أن السيد المسيح ببرّه الذي يهبه لنا لا ينزع عنّا الضيقات، بل يرفعنا فوق الضيقات، فنجتازها أو تعبر هي بنا، ونحن في اعتزاز نراها سرّ تزكيتنا أكثر فأكثر، فلا يتحطم رجاؤها باليأس، بل بالعكس يلتهب رجاؤنا في المجد، خلاص صبرنا في الضيقات، إذ يقول: "وليس ذلك فقط بل نفتخر (نتمجد) أيضًا في الضيقات، عالمين أن الضيق ينشىء صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاء" [4].

كأن عمل المسيح لا يمس المجد الأبدي فحسب وإنما يمس حياتنا اليومية لا بتغيير الظروف المحيطة بنا لننعم بسلامٍ زمنيٍ، وإنما بتغيير القلب الداخلي والفكر، فنسمو فوق الآلام، إذ نراها طريق الشرّكة مع المسيح المتألم، وسبيل التمتّع بالتزكية خلال الصبر. وكما يقول القدّيس بطرس: "لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني مع أنه يُمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد" (1بط 1: 7)، ومعلمنا يعقوب: "طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكي ينال إكليل الحياة" (يع 1: 12).

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:

[فإنه حتى في الضيقات الحاضرة تعطينا (نعمة الله) القدرة على تلألؤ ملامحنا، وتجعلنا بالأكثر مستحقّين لمكافأتنا...

الآن، لنتأمل عظمة الأمور المقبلة، فإنه حتى بالنسبة للأمور المسبّبة الحزن نفرح. عظيمة هي عطيّة الله، ليس فيها شيء كريه، لأنه في الخيرات الخارجية يسبّب الجهاد من أجلها تعبًا وألمًا وضيقًا كمرافق لها، لكن الأكاليل والمكافآت تردّ البهجة معها. أمّا هنا فالحال مختلف، لأن نكهة الضيقات فيها بالنسبة لنا لا تقل عن نكهة المكافآت. ففي هذه الأيام توجد تجارب ثانوية، لكن يوجد رجاء في الملكوت؛ يحل الرعب الآن لكن يوجد توقع للخيرات... أنه يعطي جزاء هنا قبل نوال الأكاليل بالقول أنه يجب أن "نتمجد (نفتخر) بالضيقات"... مقدمًا نفسه مثلاً لهم لتشجيعهم... يتمجّدون فيها ليس فقط من أجل الأمور المقبلة، وإنما أيضًا من أجل الحاضر، فإن الضيقات صالحة في ذاتها، كيف هذا؟ لأن الضيقات تعطينا مسحة "الصبر"، لذلك بعد قوله أننا نتمجّد بالضيقات قدّم السبب هكذا: "عالمين أن الضيق ينشئ صبرًا"...

"والصبر تزكية، والتزكية رجاء". فالضيقات التي هي (بالطبيعة) بعيدة عن الرجاء تصير تزكية للرجاء ومؤكدة له. فإنه قبل نوال الأمور المقبلة ينشئ الضيق ثمرًا عظيمًا جدًا هو "الصبر"، فيجعل من الإنسان المُجرٌب صاحب خبرة؛ وفي نفس الوقت يساهم إلى درجة ما في الأمور المقبلة، إذ يهب رجاءً ملتهبًا فينا، فإنه ليس شيء يجعل الإنسان يميل إلى الرجاء في البركات مثل الضمير الصالح... نعم يهب رجاءً، لكنه ليس رجاءً بشريًا غالبًا ما يزول، ويُخزى من يتوقعه... لا، فإن نصيبنا ليس هكذا، إنما رجاؤنا أكيد وثابت، لأن مقدم الوعد حيّ إلى الأبد، ونحن الذين نتمتع به، وإن كنّا نموت لكنّنا سنقوم ثانيًا، فلا يخزى رجاؤنا.]

يشعر القدّيسون ببركة الضيق في هذا العالم، إذ يمجّدهم داخليًا في عيني الله، لكي يتجلّى هذا المجد بالأكثر في الحياة العتيدة، لذلك يقول القدّيس جيروم: [لا يطلب القدّيس الراحة بل الضيق.]

إن رجعنا إلى كلمات القدّيس يوحنا الذهبي الفم نلاحظ نظرته الإنجيليّة العجيبة لتعبير "الصبر"، فإنه لا يتطلّع إليه كجهادٍ بشريٍ مجرّد أو قُدرة إنسانية على احتمال الضيق، وإنما يراه "مكافأة"... كيف يكون هذا؟ لأن "الصبر" هو سمة تمس حياة السيد المسيح، الذي قيل عنه: "احتمل الصليب مستهينًا بالخزي... فتفكّروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه، لئلاّ تكلّوا وتخوروا في نفوسكم" (عب 12: 2-3). مرة أخرى يقول الرسول: "الرب يهدي قلوبكم إلى محبّة الله وإلي صبر المسيح" (2 تس 3: 5). إذًا فالصبر هو عطيّة إلهية، أو هو شركة في "صبر المسيح" تعطي عذوبة للنفس وسط الآلام، أو قل مجدًا خفيًا وسط الضيقات. هذا ما أكّده القدّيس يوحنا الحبيب بقوله: "شريككم في الضيقة وفي ملكوت يسوع المسيح وصبره" (رؤ 1: 9).

إذن الضيق ينشىء صبرًا، هو شركة في صبر المسيح!

رابعًا: عطيّة الروح واهب الحب

إن كان السيد المسيح يُعلن برّه فينا برفعنا داخليًا فوق الآلام وجعلها مصدر مجد حتى في هذا الزمان الحاضر، لنحتمل الضيقات بصبر المسيح على رجاء المجد الأبدي، فإنه من جانب آخر يهبنا بروحه القدوس "محبة الله" منسكبة في قلوبنا لكي تسندنا فلا يخزى رجاؤنا. بمعنى آخر صبرنا في التجارب واحتمالنا للألم لا يقف عند قوّة عزيمتنا أو إمكانيّاتنا البشريّة، إنما على عمل الله فينا، إذ يسكب حُبّه بفيض على المجاهدين روحيًا لأجل اسمه وبقوّة نعمته.

يقول الرسول: "والرجاء لا يخزى لأن محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" [5]. سرّ القوّة في الضيق، وانفتاح الرجاء في قلوبنا عطيّة الروح القدس الساكن فينا، إذ يهبنا محبّة الله غير المتغيّرة بفيض، قائلاً: "انسكبت" وكأنها تُعطى بلا حساب كمن تنسكب من السماء لتملأ القلب.

- لم يقل الرسول "قد أعطيت" بل قال: "انسكبت في قلوبنا" ليظهر فيضها.

هذه العطيّة هي العظمى، فإنه لم يهبنا السماء ولا الأرض ولا البحر، إنما ما هو أثمن من هذه كله، جعلنا نحن البشر ملائكة، نعم بل أبناء الله وإخوة المسيح. لكن ما هي هذه العطية؟ الروح القدس!

لو لم يكن يريد أن يقدّم لنا أكاليل عظيمة على جهادنا لما وهبنا مثل هذه العطايا القادرة أن تسندنا في جهادنا. هنا يُعلن دفء محبته التي يكرمنا بها لا تدريجيًا ولا شيئًا فشيئًا، وإنما يسكبها بفيض بكونها ينبوع بركاته، وذلك قبل صراعنا.

هكذا وإن كنت لست مستحقًا بالمرة، لكنه لم يزدرِ بكَ، بل وهبكَ حب ديّانك كمعين قدير يسندك، لهذا يقول الرسول: "والرجاء لا يخزي"، ناسبًا كل شيء لمحبّة الله وليس لأعمالنا الذاتية الصالحة.

بعدما أشار إلى عطيّة الروح القدس عاد ليتحدّث ثانية عن الصليب.

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

- كأنه يقول أن محبّة الله قد انسكب في قلوبنا بالروح القدس الساكن فينا...

سامية هي فضيلة الحب المبجّلة، إذ يُعلن الرسول الطوباوي يوحنا أنها ليست فقط تُنسب لله بل هي الله: "الله محبّة، ومن يثبت في المحبّة يثبت في الله والله فيه" (1يو 4: 16) .

الأب يوسف

- بهذا (القول الرسولي) نفهم أن الروح القدس ليس عملاً وإنما هو المدبر وينبوع الحب الإلهي الفائض.

القدّيس أمبروسيوس

- كما أن جسدك إن صار بلا روح، أي بدون نفسك يكون ميتًا، هكذا نفسك بدون الروح القدس، أي بدون المحبّة، تُحسب ميّتة.

- إن كان حب الله المنسكب في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا يجعل النفوس الكثيرة نفسًا واحدة، والقلوب الكثيرة قلبًا واحدًا، فكم بالأحرى يكون الآب والابن والروح القدس الله الواحد، النور الواحد، والبدء الواحد؟

- إذ نكون أعضاء تربطنا الوحدة معًا؛ ما الذي يقيم هذه الوحدة إلا الحب الذي يربطنا معا؟

- ليكن لك حب فيكون لك الكل؛ وبدونه كل ما يمكن أن يكون لك لا ينفعك شيئًا. إنما ما يجب أن تعرفه هو أن الحب الذي نتكلم عنه يُشير إلى الروح القدس. اسمع ما يقوله الرسول: "محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا".

القدّيس أغسطينوس

- [عن عمل الروح القدس في قلوب الشهداء بسكب حب الله فيهم.]

لقد جعلهم شهداءه بالروح القدس الفعُال فيهم، إذ يجعلهم يحتملون أتعاب الاضطهادات من كل نوع، ويصيرون متلألئين بالنار الإلهية، فلا يفقدون دفء محبتهم للكرازة.

القدّيس أغسطينوس

- إنه يقول: "محبّة الله المنسكبة في قلوبكم"؛ ولكي لا يظن أحد أن محبّة الله هي من عندياته يضيف: "بالروح القدس المُعطى لنا". لذلك لكي تحب الله دعْ الله يسكن فيك، فيكون "الحب" ذاته فيك، بمعنى أن محبته تحركك وتلهبك وتنيرك.

- لا تتقبل الملائكة ولا البشر الحكمة إلا بالشركة في هذه الحكمة التي نتّحد بها بالروح القدس الذي يسكب الحب في قلوبنا.

القدّيس أغسطينوس

- [الحب الإلهي المنسكب في قلوبنا بالروح القدس يهبنا لا قدرة على تحقيق الوصايا الناموسية فحسب وإنما لذّة في تحقيق الوصايا الإنجيليّة التي تبدو صعبة ومستحيلة:]


السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 5 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


11 توت 1737 ش
21 سبتمبر 2020 م

استشهاد القديس واسيليدس الوزير في عهد الملك نوماريوس قيصر
استشهاد الثلاثة فلاحين بإسنا (سورس ، أنطوكيون ،مشهوري)

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك