إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لقد كان هناك رجاء ليونان وهو في بطن الحوت هل إنسان يكون في جوف الحوت ويكون له رجاء ؟ ولكن يونان ركع على ركبتيه وصلَّى وقال للرب : أعود فأرى هيكل قدسك

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 9 جـ1 PDF Print Email

اختيار الأمم أيضًا


المشكلة الرئيسية في حياة اليهود هي شعورهم بأنهم شعب الله المختار، لذلك ترك معالجتها بعد تفنيد الحجتين السابقتين الخاصتين بانتسابهم لإبراهيم واستلامهم للناموس.

عالج الرسول هذه الحُجّة بحكمة عجيبة، إذ لم ينكر اختيارهم كشعب الله، إنما أكدّ أنه لا يقوم على امتياز فيهم أو عن استحقاق خاص بهم، إنما عن محبّة الله الذي "يرحم من يشاء". خلال هذا الفهم أعلن الله أيضًا حُبّه للأمم فاختارهم هم أيضًا.

1. تقدير الرسول لليهود 1-5.

2. اختيار الله للآباء 6-13.

3. اختيار الأمم أيضًا 14-29.

4. تعثر إسرائيل 30-33.

1. تقدير الرسول لليهود

إذ ختم الرسول حديثه السابق مؤكدًا أنه لا يمكن حتى للملائكة أو خليقة ما أن تفصله عن محبّة المسيح، ولئلاّ يظن اليهود المتنصّرون أنه تحدّث بهذا ليُعلن أنه مستعدّ أن يتخلّى عن شعبه بني جنسه من أجل إيمانه بالسيد المسيح، أراد أن يوضّح بقوّة أن إيمانه بالسيد المسيح يلهب بالأكثر قلبه بالحب نحو بني جنسه، ويتّسع قلبه لاحتوائهم في الإيمان حتى ولو كان قبولهم يلتزم حرمانه هو! لهذا يفتتح الرسول حديثه هنا بقوله:

"أقول الصدق في المسيح، لا أكذب وضميري شاهد لي بالروح القدس، أن لي حزنًا عظيمًا ووجعًا في قلبي لا ينقطع، فإني كنت أودّ لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد" [1-3].

حُبّه لخلاص شعبه يؤكّد بالأكثر محبته للسيد المسيح، وشوقه لخلاصهم يثبت بالأكثر علاقته به، أمّا حديثه هنا فمن قبيل تأكيد مدى محبته لهم في الرب واهتمامه بهم، ومدى بذله لنفسه لحسابهم.

كان الرسول بولس أشبه بإبراهيم أب الآباء الذي رفع ابنه، الذي أخذ فيه المواعيد على مذبح المحبّة، حاملاً السكّين كصليب ليذبحه، مؤمنًا أن الله قادر أن يُقيمه له حيًا ويحقّق مواعيده فيه. هكذا يرفع الرسول بولس نفسه كما إسحق على مذبح الحب من أجل أنسبائه حسب الجسد ممسكًا بالصليب، مؤمنًا أن محبته لبني جنسه لن تحرمه من المسيح ولا تفقده خلاصه، بل بالعكس تزيد نفسه بهاءً ومجدًا في عيني الله، لأنه إنما يمارس حب المسيح ويقبل عمل روحه فيه. فإن أعلن الرسول أنه مستعدّ أن يخدم شعبه حتى النهاية، حتى لو كان على حساب نفسه، فإن هذه المشاعر الصادقة لا تكون إلا لحساب نفسه أكثر فأكثر.

لعل الرسول بولس وهو يكتب هذه الكلمات يتمثل بموسى حين أعلن محبته لشعب الله، إذ يصرخ: "والآن إن غفرت خطيتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبته" (خر 32: 32). وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن هذه الصلاة كانت أثمن ما قدّمه موسى النبي إذ يظهر خلالها أكثر بهاءً منه وهو يتمّم المعجزات، لأن الحب أعظم من عمل الآيات. هكذا لا يلوم أحد الرسول بولس في كلماته هذه، إذ يراه يحقّق الوصيّة الإنجيليّة: "بهذا قد عرفنا المحبّة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا، فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة" (1 يو 3: 16).

لقد أُتهم الرسول بولس بخيانته لشعبه وعوائدهم وناموسهم (أع 21: 33؛ 22: 22؛ 25: 24)، لهذا يؤكّد الرسول محبته العميقة لهم مهما بدت الخسارة، معلنًًا ومؤكدًا أنه صادق في كلماته، إذ هو ملتزم أن ينطق "بالحق" لا "الكذب" بسبب اتحاده بالمسيح، مشهدًا الروح القدس الساكن فيه على ضميره الذي لا يدركه إنسان!

يقول الأب إسحق تلميذ القدّيس أنبا أنطونيوس: [أخيرًا إذ امتلأ الإناء المختار بهذه المشاعر رغب لو أمكن أن يكون محرومًا من المسيح من أجل نموّ الشعب المنتمي إليه وخلاص كل أمة إسرائيل لمجد أبيه... (برفضهم الفكر التعصبي وقبول الإيمان المسيحي بدل الجحود)... ويقول أيضًا: "لأننا نفرح حينما نكون ضعفاء وأنتم تكونون أقوياء" (2 كو 13: 9) .]

الآن إذ يُعلن محبته الشديدة لخلاصهم قبل أن يعالج موضوع اختيارهم كشعب الله أراد أن يبرز جانبين:

أولاً: أنه لا يتحدّث كغريبٍ عنهم، أو عدوٍ يقاومهم، إنما يدعوهم هكذا "أنسبائي حسب الجسد" [3]، أي إخوتي خلال رابطة الدم، إذ صار له إخوة أيضًا جدد خلال رابطة الإيمان الجديد والروح، فهو يُحدّث إخوته المحبوبين إليه.

ثانيًا: إنه لا يتجاهل امتيازاتهم، إذ يقول: "الذين هم إسرائيليّون، ولهم التبنّي والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد، ولهم الآباء، ومنهم المسيح حسب الجسد، الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين" [4-5]. وكأنه يقول أنا أعلم أنكم إخوتي شعب الله الذي ميّزكم الله بميزات دون سواكم، وقد أوضح لنا أن هذه الميزات كلها تكمل في شعب الله الجديد، إذ يقول:

أ. هم إسرائيليّون: فقد نال يعقوب هذا اللقب إسرائيل بأمرٍ إلهيٍ، لأنه "جاهد مع الله والناس وغلب" (تك 32: 8). فإن كان كلمة "إسرائيل" تعني "يملك كالله"، فإن إسرائيل، وإن كان قد ملك ولكن إلى حين، أمّا إسرائيل الجديد قيقدّم ملوكًا حقيقيّين لا يملكون على الزمنيّات، إنما ينعمون بشركة المجد الإلهي مع ملك الملوك ورب الأرباب، يترنّمون قائلين: "جعلنا ملوكًا وكهنة لله أبيه" (رؤ 1: 6).

ب. ولهم التبنّي: بمعنى أن الله اشتاق أن يتبنّاهم له ليكونوا كأهل بيته وخاصته؛ فعندما دعا الله موسى للعمل وسط شعبه قال له: "فتقول لفرعون: هكذا يقول الرب، إسرائيل ابني البكر، فقلت لك أطلق ابني ليعبدني فأبيت أن تطلقه، ها أنا أقتل ابنك البكر" (خر 4: 22-23). وعندما قدّم الله لشعبه وصايا تميّزهم عن الوثنيّين كان قول الرب: "أنتم أولاد الرب إلهكم" (تث 14: 1)، وحين أعلن الله خلاصه لهم عند رجوعهم إليه، قال: "لأني صرت لإسرائيل أبًا وافرايم هو بكري" (إر 31: 9). لكن إسرائيل لم يستطع أن يمارس البنوّة لله بل مارس العصيان (إش 1: 2) غير مقدم له كرامة الأبوة (ملا 1: 6)... لذا احتاج إلى تغيير شامل لقلبه وطبيعته بسكنى روح التبنّي فيه، فيمارس بنوّته لله، ويحق له التمتّع بالميراث مع المسيح الابن وحيد الجنس (رو 8: 14-17).

ج. لهم المجد [4]، وكان علامته ظهور عمود السحاب والنار في البرية وأيضًا في الخيمة والهيكل، إذ قيل: "ثم غطت السحابة خيمة الاجتماع وملأ بهاء الرب المسكن" (خر 40: 34). وكان وجود تابوت العهد علامة وجود المجد الإلهي، لذلك عندما سمعت امرأة فينحاس باستيلاء الفلسطينيين عليه: قالت "زال المجد من إسرائيل، لأن التابوت قد أُخذ" (1 صم 4: 21). أمّا بالنسبة لإسرائيل الجديد فصار "المسيح" نفسه هو مجده، يسكن وسط شعبه ويحل في قلوبهم، ويملأهم بروحه القدوس.

د. لهم العهود [4]، إذ أراد الله أن يرفع مؤمنيه دخل معهم في عهود مستمرة ليُقيم منهم شعبًا له، لكن هذا الشعب لم يلتزم بالعهود بل تجاوزها (هو 8: 1) ونقضها (حز 17: 18) وحُسب حانثًا للعهد وخائنًا له. لذا صار المؤمنون في حاجة إلى الالتقاء مع الله على مستوى عهد جديد، لا ليُنقش على حجارة كما في العهد القديم، وإنما داخل القلب بالروح القدس، يُعلن حب الله الباذل خلال دم ابن الله المبذول على الصليب (عب 12: 24).

ه. لهم الاشتراع [4]، إذ امتازوا بنوال الشريعة، لكنهم لم يحفظوها في حياتهم العمليّة، بل حُسبوا كاسرين لها.

و. لهم العبادة [4]، وقد جاءت الشريعة تقدّم الكثير من الطقوس الخاصة بالعبادة، كانت في الحقيقة ظلاً للعبادة الروحيّة.

ز. لهم المواعيد [4]، خاصة المواعيد التي تتنبأ عن مجيء المسيّا، هذه التي اهتم الأنبياء بإعلانها.

ح. ولهم الآباء [5]، إذ جاءوا من نسل الآباء البطاركة إبراهيم وإسحق ويعقوب.

ط. ومنهم المسيح حسب الجسد [5]. يكفيهم فخرًا أن السيد المسيح، كلمة الله، الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد قد جاء متجسدًا منهم.

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه الحديث الرسولي بقوله:

[ما يقوله الرسول لا يتحدّث به على المكشوف، فإنه إذ كان الكل يتكلّمون متهمين الله أنه بعد أن حسبهم أهلاً لاسم "الأبناء"، ولاستلام الشريعة، ولمعرفتهم له أكثر من كل البشر، والتمتّع بمجد عظيم كهذا، وخدمتهم له أكثر من كل العالم، وتقبّل المواعيد، ومنهم الآباء كأصدقاء له، وما هو أعظم من الكل أن من نسلهم جاء السيد المسيح، الآن قد صاروا مطرودين ومرذولين وحلّ محلّهم أناس لم يعرفوه من قبل قط، هم من الأمم.

إذ نطقوا بهذا كله وجدّفوا على الله، سمع بولس ذلك، فانعصر قلبه وغار على مجد الله واشتهى لو أمكن أن يُحرم هو ليخلصوا هم، وينقطع هذا التجديف، فلا يظهر الله كمخادعٍ لنسل أولئك الذين سبق فوعدهم بالنعم. ولكي تنظروا أنه للأسف وعد الله الذي قدّمه لإبراهيم "أعطيك الأرض ولنسلك" لا ليسقط... قال: "ولكن ليس هكذا أن كلمة الله قد سقطت" [6].]

هكذا جاء الحديث في بقية الأصحاح أشبه بدفاع للرسول عن عدم سقوط كلمة الله أو مواعيده للآباء، إنما تتحقق ليس حسب المفهوم الحرفي الضيّق الذي التزم به اليهود إنما بالمفهوم الروحي العميق.

هذا وإذ أعلن لهم امتيازهم لم يداهنهم على حساب الحق، مؤكدًا أن الذي تجسد منهم هو "الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد" [5]. وكما يقول القدّيس هيبوليتس: [هذه الكلمة تعلن سرّ الحق باستقامة ووضوح، فإنه ذاك الكائن على الكل هو الله، القائل بدالة: "كل شيء قد دُفع إلىّ من أبي" (مت 11: 27). الكائن على الكل هو الله المبارك وقد وُلد إذ صار إنسانًا، لكنه هو الله إلى الأبد. في هذا يقول يوحنا أيضًا: "الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء" (رؤ 1: 8). حسنًا دُعي المسيح بالقادر، إذ بهذا ينطق بما شهد به المسيح عن نفسه.]


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 9 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


17 توت 1737 ش
27 سبتمبر 2020 م

تذكار الاحتفال بالصليب المجيد بكنيسة القيامة سنة 43 ش في عهد الملك قسطنطين البار
استشهاد القديس قسطور القس
نياحة القديسة ثاؤغنسطا
نياحة القديس المعلم جرجس الجوهري

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك