إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

صدقوني يا إخوتي ، لو أننا آمنا تماماً بأن اللَّـه يُعطي باستمرار ، مـا كـانت الحيـــاة كلهــا تكفــي لشـكره

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 11 جـ2 PDF Print Email
يلاحظ في هذه العبارات الرسولية الآتي:

أ. البقيّة التي تتمتّع بالخلاص، تتمتّع به خلال نعمة الله المجّانية، وليس خلال حرفيّة أعمال الناموس ولا أعمال البرّ الذاتي. هذه الأعمال تضاد النعمة: أعمال الحرف القاتل التي بلا روح، والأعمال النابعة عن الذات، أمّا الأعمال الروحيّة التي هي من صنيع الروح القدس فينا فليست مضادة للنعمة بل تتجاوب معها.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هنا مرة أخرى يثبت الرسول النعمة ويظهر قوّتها، هذه التي بها يخلص الإنسان على الدوام وبدونها يهلك. لنقدّم التشكّرات أننا ننتسب للذين يخلصون، وليس للذين يحسبون أنهم قادرون على الخلاص بأعمالهم الذاتية بل بعطيّة الله. ونحن بتقديمنا نقدّم التشكّرات لا بالكلام بل بالعمل والتصرفات. لأن هذه التشكّرات أصيلة، إذ نمارس الأمور التي يتمجّد الله بها بالتأكد، ونهرب من الأعمال التي تحرّرنا منها.]

هكذا يحدّثنا القدّيس يوحنا الذهبي الفم بإفاضة عن ارتباط النعمة بالعمل الروحي الذي يضاد أعمال البرّ الذاتي وأعمال الحرف. فإن الشكر الذي نقدمه لله على عطيّة النعمة المجّانية إنما يقدّم خلال الأعمال الروحيّة المقدّسة بالرب والهروب من الشرّ الذي تحرّرنا منه. وكأن العمل الذي نمارسه سواء إيجابيًا بممارسة الحياة الفاضلة بالروح القدس أو سلبيًا برفض الشّرور التي حررتنا منها النعمة الإلهية، هذا العمل لا يضاد النعمة الإلهية بل يمجد الله فينا.

إن كانت النعمة الإلهية تجعل من الإنسان الترابي الأرضي كائنًا سماويًا، فالمرتّل يُعلن "السماوات تحدّث بمجد الله" (مز 19: 1)، لا بالكلام بل بالحياة العاملة المجيدة. هذا هو ما فعلته النعمة في نفس بولس الرسول التي صارت متلألئة بالمجد الإلهي خلال الحياة العاملة بالرب، تجتذب الكثيرين إليها لمجد الله. وكما يقول الذهبي الفم:

[كان لبولس نفسًا لا تقل عن السماء، قادرة أن تجتذب إليها كل البشر. نفوسنا لا تعادل الأرض، إنما كانت نفسه تعادل السماوات!... يتخطى سمو نفسه السماوات كلها لتتدخل في حديث مع المسيح نفسه! جمالها فائق يُعلن عنه الله نفسه!

دهشت الملائكة عندما خُلقت الكواكب (أي 38: 7)، أمّا بالنسبة له فالله يعجب به، إذ يقول: "لأن هذا لي إناء مختار" (أع 9: 15).

السماء تظلِّلها السحب عدة مرات، أمّا نفس بولس فلم تظللَّها تجربة قط! وحتى وسط العواصف كانت نفسه أكثر صفاءً من السماء وقت الظهيرة، تضيء على الدوام قبل أن تلحقها غيوم. فإن "الشمس" الذي يشرق في بولس يبعث بأشعته التي تفوق غيم التجارب لتضيء أكثر بهاءً. لذلك يقول: "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل" (2 كو 12: 9).

إذن لنجاهد متمثّلين به، وعندئذ تصير هذه السماء كلا شيء، بل إن أردنا حتى الشمس والقمر أيضًا، فإن هذه قد خُلقت لأجلنا، ولسنا نحن لأجلها.]

ليتنا نقبل عمل النعمة المجّانية لتصير نفوسنا سماءً للرب، هذه التي تعمل في النفوس المتجاوبة معها بالحب العملي والجهاد الروحي القانوني، في غير اعتداد بالذات ولا حرفيّة قاتلة.

ب. إذ أبرز الرسول قوّة النعمة الفائقة أظهر سرّ جحود غالبية شعب إسرائيل، ألا وهو طلبهم البرّ الذاتي، فلم ينالوا النعمة التي تغيرّ القلب لتفتح بصيرته، وتدرك عمل الله الخلاصي.

يقول الرسول: "فماذا؟ ما يطلبه إسرائيل ذلك لم ينله" [7]، لأنه طلب أن يتبرّر بأعمال الناموس الحرفيّة وسعي ببرّه الذاتي فحُرم من عطيّة البرّ.

"ولكن المختارون نالوه" [7]. هذه القلّة التي قبلت الإيمان بالمسيح ونالت النعمة الإلهية تمتعت بالخلاص كفئة مختارة. ولئلاّ تعترض الأكثرية، قائلة: "ما ذنبنا نحن مادمنا غير مختارين؟ لذلك كشف الرسول عن دورهم في الجحود: "وأمّا الباقون فتقسوا" [7]. إن كانت النعمة هي عطيّة الله المجّانية فإن قسوة القلب هي من عندنا.

لقد قاوموا الحق، ولم يتجاوبوا من نعمة الله المجّانية، لذلك تُركوا لفساد قلبهم القاسي، فانطمست بصيرتهم الداخليّة وعجزوا عن الاستماع لصوته. الأمر الذي سبق فأنبأ عنه الأنبياء، وقد لخّصه الرسول بقوله: "كما هو مكتوب: أعطاهم الله روح سُبات، وعيونًا حتى لا يبصروا، وآذانًا حتى لا يسمعوا إلى هذا اليوم" [8]، إذ جاء في العهد القديم: "اسمعوا سمعًا ولا تفهموا، وأبصروا إبصارًا ولا تعرفوا" (إش 6: 9)، "ولكن لم يعطكم الرب قلبًا لتفهموا، وأعينًا لتبصروا، وآذانًا لتسمعوا، إلى هذا اليوم" (تث 29: 4). "الآن الرب قد سكب عليكم روح سبات وأغمض عيونكم" (إش 29: 10).

هكذا يوضّح لهم الرسول أنهم إذ رفضوا عمله فيهم صاروا إلى حال رديء، إذ صارت نفوسهم لا ترى الحق ولا تسمع له، بل صارت نائمة وخاملة تحمل "روح السبات" الذي يعني عدم التغيير، أو الاستكانة لما هي عليه من شر. أما ثمر هذا فقد أعلنه داود النبي هكذا: "لتصر مائدتهم فخًا وقنصًا وعثرة ومجازاة لهم" [9] (مز 69: 22). بمعنى أنهم وهم مطمئنّون ومستكينون للشر تحلّ بهم النكبات وسط ولائمهم، فيتحوّل فرحهم إلى غمّ، وسلامهم إلى ضيق. تُشير "مائدتهم" هنا إلى رموز العهد القديم ونبوّاته، فإنها مائدة مشبعة إن قدمت بطريقة روحية، إذ تُقدّم لنا "شخص السيد المسيح نفسه"، أمّا وقد تمسّكت هذه الأغلبية بالحرف القاتل فصار ما هو للبنيان علّة هدم لهم، بل وفخًا وعثرة ومجازاة لهم. وربّما تُشير "مائدتهم" بالأكثر إلى ذبيحة الفصح التي غايتها الشرّكة مع الله خلال المصالحة بالدم الكريم، ففي الفصح قام يهوذا، ممثلاً لهؤلاء الجاحدين، بدور الخيانة العامة عِوض قبول المصالحة.

"لتظلم عيونهم"، إذ أبقوا على برقع الحرف ورفضوا إبطاله، كقول الرسول: "لكن حتى اليوم حين يُقرأ موسى البرقع موضوع على قلبهم، ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع، وأمّا الرب فهو الروح، وحيث روح الرب هناك حرية، ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة يتغير إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ كما من الرب الروح" (2 كو 3: 15-18).

"لتنحنِ ظهورهم" علامة الضعف والعجز الروحي والعبوديّة، فإن الخطيّة ثقيلة ومرهقة للنفس، والناموس يعجز عن أن يرفعها خارج النعمة.

ج. يحدّثنا القدّيس أغسطينوس عن سرّ جحود إسرائيل، قائلاً: [لم يستطيعوا أن يؤمنوا لأن إشعياء النبي تنبأ عن ذلك، وقد تنبأ لأن الله سبق فعرف ما سيحدث. إن سألت لماذا لم يستطيعوا؟ أجيب في الحال: لأنهم لم يريدوا، لأنه بالتأكيد كان الله يرى مسبقًا إرادتهم التي فسدت، وقد سبق فأخبر بها النبي لأنه ليس شيء مخفيًا عن الله.]

2. قبولهم خلال توبتهم

سبق فتحدث الرسول عن رجوع اليهود عن جحودهم متى قبلوا ذاك الذي صلبوه وآمنوا به. يقول القدّيس أمبروسيوس أن شمشون اليهودي الذي قتل الأسد، كان رمزًا لليهود الذين صلبوا السيد المسيح الأسد الخارج من سبط يهوذا، وقد عاد شمشون ليجد في أحشاء هذا الأسد مخزنًا لعسل الحكمة (قض 14: 8)، وكأنه يمثّل اليهود الراجعين إلى السيد المسيح بالتوبة ليجدوا فيه كل لذّة الحكمة وشبعها.

يرى القدّيس بولس أن الله سمح بقسوة قلب اليهود لينفتح الباب للأمم، فإن عاد هؤلاء بالتوبة والإيمان إلى الله كم يكون حال الكل؟ إذ يقول:

"فأقول: ألعلّهم عثروا لكي يسقطوا؟ حاشا. بل بزلّتهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم. فإن كانت زلّتهم غنى للعالم، ونقصانهم غنى للأمم، لكم بالأحرى ملؤهم! فإني أقول لكم أيها الأمم إني أنا رسول للأمم أمجد خدمتي. لعلى أغير أنسبائى وأخلص أناسًا منهم؟ لأنه أن كان رفضهم هو مصالحة العالم، فماذا يكون اقتبالهم إلا حياة من الموت؟ وإن كانت الباكورة مقدّسة فكذلك العجين! وإن كان الأصل مقدسًا فكذلك الأغصان!" [11-16].

ويلاحظ في هذه العبارات الرسولية الآتي:

أولاً: لاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس إذ كان في الأصحاحات السابقة يوجّه لليهود اتهامات متتالية لذا كان يستعين بشهادات الأنبياء مرارًا وتكرارًا، مثل إشعياء وإيليا وموسى وهوشع، أمّا الآن إذ يستخدم أسلوب الملاطفة معهم فلا يجد حاجة للاستعانة بشهادات نبوية.

ثانيًا: عجيب هو الله في حُبّه وحكمته، يستخدم عثرة اليهود لخلاص الأمم، ويستخدم خلاص الأمم لإغارة اليهود ليرجعوا إليه بالتوبة. إنه صانع خيرات، يحوّل الشرّ كما الخير لبنيان البشريّة فيه.

ثالثًا: يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على العبارة: "فأقول: ألعلّهم عثروا لكي يسقطوا؟ حاشا! بل بزلّتهم صار الخلاص للأمم لإغارتهم" [11]، قائلاً بأن الرسول أراد أن ينزع عنهم روح اليأس ويهيئهم لقبول النعمة، مظهرًا أن عثرتهم كانت بسماحٍ إلهيٍ لخلاص الأمم. كان يمكن للرسول أن يقول بأنهم تعثّروا أو سقطوا عن الإيمان بسبب غباوتهم، بينما تحقّق خلاص الأمم بقبول الأمم للإيمان، لكن الرسول أراد أن يرفع من نفسيتهم حتى يقوموا من العثرة التي سقطوا فيها، معلنًا أنها سبب خلاص للأمم.

هذه ليست لغة الرسول وحده وإنما جاءت الأمثال في الأناجيل تقدّم ذات المعنى، ففي مّثل العُرس إذ رفض المدعوّون الحضور دُعي الذين في الشوارع والطرقات (مت 22: 9)، وفي مَثل الكرم إذ قتل الكرّامون الوارث جاء صاحب الكرم بكرامين آخرين (مت 21: 38). وإذ قاوم اليهود بولس مناقضين ومجدّفين جاهر قائلاً لهم: "كان يجب أن تُكلّموا أنتم أولاً بكلمة الله، ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقّين للحياة الأبدية، هوذا نتوجه إلى الأمم" (أع 13: 46). من هذا يتّضح أنه كان يجب أن تبدأ الكرازة بهم ثم تتحوّل إلى الأمم، لكنهم إذ رفضوا الإيمان تغيّر الأمر ليصير الأمم أوّلين، جاءهم يسوع فلم يقبلوه ولا اهتمّوا بأعماله وآياته، بل صلبوه، فاجتذب الأمم إليه، وصار الآخرون أوّلين، حتى إذ يقبلوا الإيمان وينالوا المواعيد يغير اليهود فيؤمنوا.

رابعًا: يُعلّق أيضًا القدّيس يوحنا الذهبي الفم على القول الرسولي: "فإن كانت زلّتهم غنى للعالم، ونقصانهم غنى للأمم، فكم بالحري ملؤهم؟!" [12]، قائلاً: [هنا يتكلّم ليعظمهم... لأنه إن كان بتعثّرهم تمتّع كثيرون بالخلاص، وبرفضهم صار كثيرون مدعوّين، ماذا يكون الحال برجوعهم؟]

ويلاحظ في هذه العبارة الرسولية إذ يكتب برقةٍ يرفع من نفسية اليهود بعد أن فنّد حججهم معلنًا جحودهم تحت اسمين آخرين "زلّتهم"، "نقصانهم". فكلمة "زلّة" تحمل التعثّر الذي يمكن أن يصحبه قيام أو اشتياق للقيام، "والنقصان" ربّما يعني أن البعض آمن والآخر لم يؤمن بعد لهذا فهم في حالة "نقص" حتى يكمل الكل أو الغالبية بقبولهم للإيمان. هذا من جانب ومن جانب آخر، إذ يوجّه هذا الأصحاح للأمم يهبهم طمأنينة، إن رفض اليهود قد فتح لهم الطريق وعودتهم للإيمان لا يعني غلقه، بل بالحري اتساعه يفيض من البركات السماويّة.

أمّا قوله "ملؤهم"، وليس "رجوعهم"، "تغيّرهم" فكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم إنما يُشير إلى رجوع الغالبيّة العظمى منهم في أواخر الأيّام لينضمّوا للذين سبقوا أن قبلوه.


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 11 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


13 توت 1737 ش
23 سبتمبر 2020 م

تذكار الأعجوبة التي صنعها القديس باسيليوس الكبير أسقف قيصرية
نياحة البابا متاؤس الثاني "90"

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك