إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

نحن لا نحطم الطاقة الغضبية إنما نحسن توجيهها ، لأن الطاقة الغضبية يمكن أن تنتج الحماس والغيرة المقدسة والنخوة وإن تحطمت صار الإنسان خاملاً

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 11 جـ3 PDF Print Email
خامسًا: يقدّم لنا الرسول سببين رئيسيين في خدمته للأمم:

أ. التزامه بالعمل كرسولٍ مفرزٍ لخدمة الأمم، يشعر بثقل المسئولية الملقاة على كتفيه من قبل الله نفسه الذي أفرز من بطن أمه وكرّسه لهذا العمل، لذا يقول: "فإني أقول لكم أيها الأمم بما أني رسول للأمم أمجّد خدمتي" [13]. لم يكن هذا الشعور يفارقه، مشتاقًا أن يحتضن العالم الأممي كله بين ذراعيه ليحملهم بالحب إلى الصليب، ويتمتّعوا بعمل الله الخلاصي.

ب. أمّا السبب الثاني، فهو يري في خدمته للأمم ما يثير غيرة اليهود، مشتاقًا أن يقبلوا النعمة التي قدمت لهم ورفضوها: "لعلّي أُغيرّ (أجعلهم في غيرة) أنسبائي وأخلص أناسًا منهم" [14]، وقد جاءت الكلمة اليونانية التي ترجمة "أنسبائي" في حرفيتها "جسدي"، إذ يدعو اليهود جسده!

سادسًا: أراد أن يبرز قوّة عودة اليهود الجاحدين إلى الإيمان بالسيد المسيح، فحسب هذا العمل أشبه بالقيامة من الأموات، إذ يقول: "لأنه إن كان رفضهم هو مصالحة العالم، فماذا يكون اقتبالهم إلا حياة من الأموات؟" [15]، كأن الله سيتمجّد فيهم وتبتهج الكنيسة في العالم كله برجوع الجاحدين، ويتهلل الكل ليراهم كمن هم قيام من الأموات.

سابعًا: لا يتجاهل الرسول بولس الباكورة الأولى، أي رجال العهد القديم من اليهود كإبراهيم وإسحق ويعقوب والأنبياء، هؤلاء الذين يشبههم الرسول بالباكورة المقدّسة أو الأصل المقدس، إذ يقول: "وإن كانت الباكورة مقدّسة فكذلك العجين، وإن كان الأصل مقدّسًا فكذلك الأغصان" [16]. كأنهم سيرجعون في أواخر الدهور ليحملوا ذات التقديس الذي كان لآبائهم.

إن كان القدّيس يوحنا الذهبي الفم قد أخذ هنا بالتفسير الحرفي للعبارة، قائلاً بأن آباء وأنبياء العهد القديم يمثّلون الباكورة المقدّسة التي لابد أن يتقدّس خلالها العجين كله، فإن القدّيس إيريناؤس يرى في الباكورة إشارة إلى كلمة الله الذي اتّخذ لنفسه جسدًا، أي حملنا نحن العجين فيه لتقديسنا. ويقدّم لنا القدّيس غريغوريوس أسقف نيصص نفس المعنى إذ يقول:

[إذ صرتُ بكرًا أُقدّم فيّ كل البشريّة لإلهها وأبيها.

جعل البكر الله الحقيقي إلهًا للبشريّة، والآب الصالح أبًا لها، وصارت الطوباوية مؤكّدة للطبع البشري ككل.

بواسطة البكر صار الله الحقيقي الآب أبًا وإلهًا لكل البشريّة، لأنه: "إن كانت الباكورة مقدّسة فكذلك العجين"

حيث يكون المسيح البكر يكون أيضًا من هم للمسيح].

[يقدَّس العجين كله بواسطة بكره في نفسه].

[ذاك الذي صار لأجلنا شريكًا لنا في الدم واللّحم يشفينا ويردّنا إلى الموضع الذي شردنا منه، وصرنا مجرّد لحم ودم بالخطيّة (عب 2: 14) .]

لنقبل مسيحنا الباكورة القادر أن يقدس عجين حياتنا كلها، أي كمال بشريتنا، فتتحوّل نفوسنا وأجسادنا وأفكارنا وقلوبنا إلى مقدس للرب، ويُعلن ملكوت الله فينا لنقبله أيضًا بكونه الأصل الحامل للأغصان، مقدسًا إيّاها.

بمعنى آخر، السيد المسيح هو سرّ تقديسنا، نحمله فينا كباكورة، ويحملنا فيه بكونه الأصل حامل الأغصان. يختفي فينا لتقديسنا، ونُحمل به لإثمارنا، إذ يقول: "اثبتوا فيّ وأنا فيكم، كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم أيضًا إن لم تثبتوا فيّ. أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت في،ّ وأنا فيه، هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 4-5).

3. الأمم زيتونة برّية

يقدّم الرسول بولس للأمم المتنصّرين تحذيرًا لئلاّ بعد ما طُعموا في شجرة الزيتون الأصليّة وحُسبوا أبناء لإبراهيم بسبب قبولهم الإيمان يسقطون في الكبرياء فينتزعون عن هذه العطية. إذ يقول:

"فإن كان قد قُطع بعض الأغصان، وأنت زيتونة برّيّة طُعمت فيها فصرت شريكًا في أصل الزيتونة ودسمها، فلا تفتخر على الأغصان. وإن افتخرت، فأنت لست تحمل الأصل، بل الأصل إيّاك يحمل" [17-18].

يلاحظ في هذا التحذير الآتي:

أولاً: يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول قال: "قُطع بعض الأغصان"، مع أن الغالبية قد قُطعت عن الأصل، وحُرموا من انتسابهم لإبراهيم برفضهم الإيمان، وذلك لأنه يكتب بلطف لتعزيتهم حتى لا يسقطوا في اليأس.

يشبِّه الرسول كنيسة العهد القديم بالزيتونة، ذات الأصل المقدَّس ولها دسمها الروحي، وإن كانت بعض الأغصان جاءت غير مقدّسة تستحق القطع، بينما يشبه الأمميّين بزيتونة برّية ليس فيها ثمر ولا دسم، بالإيمان تمتعت بعض أغصانها أن تُطعم في الأصل المقدس فحُسب الأمم أبناء لإبراهيم.

ثانيًا: يسأل الرسول الأمم المتنصّرين: "لا تفتخر على الأغصان... لا تستكبر بل خف" [18-20].

بينما يوبخ اليهود على عدم إيمانهم: "حسنًا، من أجل عدم الإيمان قُطعت" [20]، يتحدّث بحزم مع الأمم أن يثبتوا في الإيمان الذي قبلوه خلال "مخافة الرب". يطالبهم ألا يتكبّروا لئلاّ تُنتزع النعمة الإلهية عنهم بل يخافون، لا الخوف النابع عن عدم الإيمان الذي تطرده المحبّة خارجًا (1 يو 4: 18)، وإنما مخافة الرب المقدّسة، إذ قيل: "أجعل مخافتي في قلوبهم، فلا يحيدون عني" (إر 32: 40)، "تمّموا خلاصكم بخوف ورعدة، لأن الله هو العامل فيكم" (أف 2: 12-13).

يقول القدّيس إيريناؤس: [يلزمنا ألا نستكبر ولا نقسو على رجال العهد القديم، بل نخف لئلا بعدما صرنا في معرفة المسيح إذ نرتكب ما يغضب الله لا ننال غفران الخطايا بل نحرم من ملكوته (رو 3: 23).]

إن كان عدو الخير غلب الكثيرين من اليهود برفض الإيمان تمامًا، فإنه لا يلقي بسلاحه أمام الذين يؤمنون، إذ يحاول تحطيمهم بالكبرياء. نوالنا نعمة الله يسندنا في الجهاد لكنه يثير العدو علينا أكثر فأكثر، لذا يليق بنا أن نحذر مجاهدين بالنعمة عينها التي ننالها.

بهذا الروح كتب القدّيس جيروم إلى أوستوخيوم: [أودّك أن تخرجي من نذر البتولية لا بالكبرياء بل بالمخافة. إنك تسيرين حاملة ذهبًا، تحفّظي من طريق اللص (الكبرياء) .]

لقد وهبنا الله نعمته الغنيّة لتعمل فينا إن تجاوبنا معها، فنحمل الثمار الروحيّة في حياتنا. وكما يقول القدّيس جيروم: [كرّامنا يطلب الثمار. فإن كان بالحق قد قطع الأغصان الأولى لأنها كانت عقيمة فسيعاملنا بذات الحكم إن كنّا بلا ثمر. علاوة على هذا فإن الثمر لا يخص الجسد وحده بل والنفس أيضًا، فإنه بالتأكيد إذ يخدم الجسد الرب تخدمه النفس أيضًا مع الجسد].

ثالثًا: إن كان الله يطلب الثمر فإن الرسول يؤكّد أن هذا الثمر يتحقّق بالثبوت في لطف الله [22]، فإن كنّا بالإيمان تمتّعنا بنعمته الغنية، فبثبوتنا في هذا الإيمان المعلن خلال تجاوبنا مع نعمة الله بالحياة العاملة، ندخل بالأكثر في دائرة لطف الله. بمعنى آخر الله هو الأول في طريق حياتنا، وهو الذي يكمل الطريق معنا، وهو النهاية أو الغاية، لكن دون سلبيّة من جانبنا. إذ يقول: "وأمّا اللطف فلك أن ثبت في اللطف، وإلا فأنت أيضًا ستقطع" [22].

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل هنا: "هوذا أعمالك الحسنة، تأمّل أتعابك"، إنما يقول: "هوذا لطف الله" نحو الإنسان، مظهرًا أن ما تتمتّع به، ينبع بكليته عن النعمة التي من فوق فترتعب... خف، لأن البركات لا تقطن فيك بثبات إن صرت متراخيًا، وأيضًا الشّرور لا تثبت فيك إن تغيرت، لهذا يقول: "إن لم تستمر في الإيمان فستقطع".]

في الوقت الذي فيه يحذّر المؤمنين لكي يثبتوا في الإيمان بتمسكهم بنعمة الله وتجاوبهم معها عمليًا حتى لا يُقطعوا، يطلب من الجاحدين ألا يثبتوا في الجحود، بل يتغيّروا بقبولهم الإيمان، إذ يقول: "وهم إن لم يثبتوا في عدم الإيمان سيطعمون، لأن الله قادر أن يطعمهم أيضًا" [23].

هنا أيضًا يؤكّد حريّة الإرادة الإنسانيّة، إذ يستطيع الإنسان أن يثبت في الإيمان أو يتركه، وأن يقبل الجحود أو يرفضه، ليس لأن الإنسان قادر على ذلك بذاته، وإنما لأن الله فاتح أحضانه باستمرار ليسند الكل، حتى في الإرادة الصالحة (أف 2: 13)، دون تجاهل لحرّيته الإنسانيّة. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ها أنت ترى عظم حريّة اختيار الإنسان وعظمة فاعلية ذهنه، فإنه ليس شيء ثابتًا لا الصلاح ولا الشرّ. ها أنت ترى كيف يرفع من نفسيّة الإنسان المحطّم، ويحط من الآخر الواثق في ذاته، فلا تخور عند سماعك عن صرامة الله، ولا تنتفخ عند سماعك عن لطفه.]

رابعًا: ربّما يستصعب الكثيرون عودة اليهود لقبول السيد المسيح الذي صلبوه وقاوموه حتى بعد صعوده؛ هل يمكن لليهودي أن يقبل الإيمان المسيحي ويتخلّى عن تعصّبه؟ يجيب الرسول أنه إن كان الإيمان عمل فائق للطبيعة، إذ طُعّم أغصان الزيتون البريّة في الأصل الدسم المثمر، وحُسب الأمم الذين ورثوا الرجاسات الوثنيّة أبناء لإبراهيم روحيًا، فهل يصعب عليه أن يردّ الأغصان الطبيعية إلى أصلها؟ لأنه إن كنت أنت قد قُطعت من الزيتونة البريّة حسب الطبيعة وطُعِّمت بخلاف الطبيعة في زيتونة جيدة، فكم بالحري يُطعِم هؤلاء الذين هم حسب الطبيعة في زيتونتهم الخاصة؟" [24].


السابق 1 2 3 4 التالى
+ إقرأ إصحاح 11 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


8 توت 1737 ش
18 سبتمبر 2020 م

نياحة موسى النبي عام 1485ق م
استشهاد زكريا الكاهن
استشهاد القديس ديميدس القس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك