إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

اذا اكمل الانسان جميع الحسنات وفي قلبه حقد علي اخيه فهو غريب عن الله

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 12 جـ3 PDF Print Email

رابعًا: "أمّا الوعظ ففي الوعظ " [8].

يقوم التمييز بين الواعظ والمعلم على أساس أن الأول عمله الحثّ على التوبة، خاصة بين الجماهير. أمّا الثاني فيهتم بالفكر الدراسي الروحي. وإن كان غاية الكل هو التقاء كل نفس بالثالوث القدوس. ربّما عني بالوعظ الحديث التأملي العاطفي، أمّا التعليم فيقوم بالأكثر على دراسة موضوع معين.

خامسًا: "المعطي فبسخاء" [8].

بعد أن استعرض المواهب الروحيّة الخاصة بالكرازة والتعليم والوعظ والعمل الرعوي صار يتحدّث عن العمل السلوكي كجزء لا يتجزأ من المواهب الروحيّة، فحين يحث المعطي أن يقدّم بسخاء، إنما يودّ أن يُعلن له أن يكون أمينًا في عطائه. يعطي بحبٍ كما بغير كيلٍ، يعطي بقلبه المتسع. وكما يقول السيد: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" (أع 20: 25)، بمعنى إنه يعطي بفرحٍ وتهليلٍ، ولا ينتظر أجرة؛ يشعر بلذّة وبهجة روحية في عطائه أكثر مما في أخذه.

جاءت الترجمة اليونانية الحرفيّة: "المعطي فببساطة"، لأن الإنسان البسيط يهب بسخاء.

سادسًا: "المدبر فباجتهاد" [8].

ليكن المدبر للأمور الكنسية عاملاً باجتهاد روحي وغيرة مقدّسة.

لا يفصل الرسول بين المواهب الكرازيّة والتعليميّة والرعويّة وبين الخدمات الحيّة (العطاء) أو التدبير. فالكنيسة وإن ضمت أعضاء لهم مواهب متنوعة لكنها ما دامت تقدّم بروح الإنجيل فهي متكاملة.

سابعًا: "الراحم فبسرور" [9].

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لا يكفي أن نظهر رحمة، وإنما يليق بنا أن نقدّمها باتساع، بروح سمِحة، وليس فقط بروح سمِحة بل بروح فرحة مبتهجة... وقد ركّز على نفس النقطة بقوّة عندما كتب إلى أهل كورنثوس ليحثّهم على الاتساع، إذ يقول: "من يزرع بالشح فبالشح أيضًا يحصد، ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضًا يحصد" (2 كو 9: 6). ولكي يصحّح مزاجهم يقول: "ليس عن حزن أو اضطرار" (2 كو 9: 7)... فإنك إن حزنت وأنت تصنع رحمة فأنت قاس وعنيف. إن كنت حزينًا كيف تقدر أن تسند الذين هم في حزن؟... هذا هو السبب في قوله "الراحم فبسرور"، لأنه كيف يكون حزين الملامح من يتقبّل الملكوت؟! من يبقى كئيب النظرة وهو ينال غفران خطاياه؟ إذن لا تفكّر في إنفاقك المال (عمل الرحمة) بل في الفيض الذي تناله خلال الإنفاق. فإن كان الذي يبذر يفرح مع أنه يبذر وهو غير متأكد من جهة الحصاد، كم بالأكثر من يُفْلِح السماوات؟ فإنك تعطي إنما القليل لتنال الكثير... بالفلسين حُسبت الأرملة أنها فاقت من قدّم وزنات كثيرة وذلك بسبب روحها المتسع.]

5. المحبّة الأخوية

إذ حثنا الرسول على العمل، كل حسب موهبته، بروح متواضع، يسألنا أن نسلك بالحب الأخوي مترجمًا عمليًا بحب الخير للآخرين وكره الشرّ، وتقديم الآخرين في الكرامة، إذ يقول:

"المحبّة فلتكن بلا رياء. كونوا كارهين الشرّ، ملتصقين بالخير. وادّين بعضكم بعضا بالمحبّة. مقدّمين بعضكم بعضًا في الكرامة" [9-10].

إن كان التواضع هو الخط الواضح في إضرام المواهب، فإن الحب هو الفكر السائد الذي يربط الكنيسة معًا في الرب كأعضاء حيّة متكاملة، تعيش معًا بروح الكمال، منسجمة معًا، تشارك بعضها البعض.

يوصينا القدّيس باسيليوس الكبير: [يليق بالمسيحي أن يكون هادئًا في صوته، لا يجيب أحدًا أو يتصرف مع أحد بخشونة أو باستخفاف بل في كل شيء يسلك بحلم (في 4: 5) مكرمًا كل أحد.]

حدّثنا الرسول بولس بفيض عن المحبّة (1 كو 13)، مبرزًا قوّتها وفاعليّتها بل وأبديّتها، ويوصينا الرسول بطرس: "لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة" (1 بط 4: 8)، ويرى القدّيس يوحنا أن ممارسة الحب أشبه بتمتّع بالقيامة، إذ يقول: "نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الإخوة" (1 يو 3: 14).

المحبّة ليست عاطفة مجردة إنما هي تمتّع والتصاق بالخير خلال اتحادنا بربنا يسوع "المحبّة" ونفورنا من الشرّ... بهذا تنبع المحبّة من أعماق داخليّة وشركة مع الله، إذ يقول الرسول: "كل من يحب فقد وُلد من الله، ويعرف الله... لأن الله محبّة" (1 يو 4: 7-8). هذا ما يعنيه الرسول بقوله: "المحبّة فلتكن بلا رياء" [9].

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان لك هذه (المحبّة)، فإنك لا تبالي بالخسارة المادية ولا بتعبك الشخصي، ولا بجهادك في الكلام، ومشقاتك وخدمتك بل تحتمل هذا كله بشجاعة... لكي تساعد أخاك... هذا هو الحب، إن اقتناه أحد يقتني كل شيء بعد ذلك.]

هكذا يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم إن من له الحب الذي بلا رياء يمارس الوصايا السابق ذكرها، وأيضًا يبغض الشرّ من أعماقه، إذ يصير غريبًا عن الأعمال الشرّيرة فحسب، وإنما يكون غريبًا عن مجرّد الميل إلى الشرّ؛ يدخل في عداوة وبغضة وحرب ضد الرذيلة. ولا يقف الأمر عند الجانب السلبي أي بغض الشرّ، وإنما يلتصق بالخير.

لقد أوصي الله الإنسان أن يلتصق بامرأته (تك 2: 24) ويكونا جسدًا واحدًا، هكذا يوصينا الرسول أن نلتصق بالخير، وكأنه زوجة نتّحد معها ونصير واحدًا معها.

يترجم الرسول هذه المحبّة عمليًا من جانبين: المودة الأخوية وتقديم الآخرين في الكرامة [10]. ويوصينا القدّيس بطرس بالمودّة النابعة عن الحياة التقوية (2 بط 1: 7)، ويوصينا القدّيس بولس بتكريم الآخرين: "حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم" (في 3: 2).

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [حينما يقول "وادّين بعضكم بعضًا"، يعني كونوا أصدقاء وحارّين أيضًا. لا تنتظر أن يحبك الغير، بل اقفز نحوه بنفسك ولتكن أنت المبتدئ. بهذا تحصد أجرة محبته أيضًا. أظهر السبب لماذا يلزمنا أن نحب بعضنا بعضًا واخبرنا عن الطريق الذي فيه تلتهب المودة الثابتة، إذ أردف قائلاً: مقدّمين بعضكم بعضًا في الكرامة" [10]. هذا هو الطريق الذي يُنتج المودّة، والذي فيه تسكن مودّة بعد إنتاجها. ليس شيء يخلق أصدقاءً مثل السعي بغيرة لتكريم الإنسان قريبه.]

6. حرارة الروح

"غير متكاسلين في الاجتهاد، حارين في الروح، عابدين الرب" [11].

إن كان الرسول بولس قد ركز أنظارنا على عطايا الله الفائقة ونعمته العاملة فينا، لنضرم مواهبه فينا بروح التواضع، ونسلك معًا بروح الحب، فإن الحياة المسيحية جهاد لا ينقطع. هي انتهاز لكل فرصة للعمل بروح الله باجتهاد لنحيا ملتهبين بالروح، عابدين الرب بقوة.

يحثنا على الجهاد، قائلاً: "غير متكاسلين في الاجتهاد" [11]. وكما يقول الحكيم سليمان: "كل ما تجده يدك لتفعله فافعله بقوتك" (جا 9: 10)، "اذهب إلي النملة أيها الكسلان. تأمل طرقها وكن حكيمًا" (أم 6: 6). ويوصينا القديس بطرس الرسول: "وأنتم باذلون كل اجتهاد قدموا في إيمانكم فضيلة … لذلك بالأكثر اجتهدوا أيها الإخوة أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتين، لأنكم إذ فعلتم ذلك لن تزلوا أبدًا" (2 بط 1: 5- 10).

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[كيف نصير "غير متكاسلين في الاجتهاد (في الغيرة)، حارين في الروح"؟... أي نكون حارين ومتيقظين..... إن سكن الروح فيك يجعلك صالحًا لتحقيق تلك الأهداف، ويصير كل شيء سهلاً بالروح والحب، وتتلألأ أنت من كل جانب.

إن كان روح الله نارًا متقدة، فإننا إذ نتجاوب معه يلهب أعماقنا، ويحولنا إلى لهيبٍ متقدٍ، لا تستطيع مياه كثيرة أن تُطفئه. هذا اللهيب الروحي يعلمنا كيف نعبد الرب بالروح والحق، لذا يكمل الرسول حديثه قائلاً: "عابدين الرب" [11].]

يحدثنا القديس جيروم عن الوصية الرسولية: "حارين في الروح"، قائلاً:

[عندما يقول الرسول: حارين في الروح، إنما يعني كونوا صادقين في الحكمة.]

[ليهبنا الله ألا يزحف البرود إلى قلبنا (مت 24: 12)، فإننا لا نرتكب خطية إلا بعد أن تبرد المحبة... "إلهنا نار آكلة " (تث 4: 24)، فإن كان الله نارًا إنما لكي ينزع برودة الشيطان.]

يلهبنا هذا الروح الناري، فنعبد الرب بالروح فوق حدود الزمن والأحداث، لنعيش بالروح في حالة نصرة دائمة وأعظم من نصرة، وكما يقول القديس البابا أثناسيوس الرسولي:

[إن كنت تخشَ الأزمنة وتعمل بجبن فذهنك ليس ناضجًا. يليق بك أن تظهر غيرة نحو المسيح، وتواجه الظروف بشجاعة، مستخدمًا لغة الطوباوي بولس: "في هذه جميعها نحن أكثر من غالبين" (رو 8: 37). الأكثر هنا هو أننا نعبد الرب لا الزمن]. هكذا يرى البابا أثناسيوس في النفوس الضعيفة غير الحارة إنها عبدة الزمن لا الرب، تسلك في العبادة حسب الظروف والأحداث بروح الضعف لا الغلبة.




السابق 1 2 3 4 5 التالى
+ إقرأ إصحاح 12 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


17 توت 1737 ش
27 سبتمبر 2020 م

تذكار الاحتفال بالصليب المجيد بكنيسة القيامة سنة 43 ش في عهد الملك قسطنطين البار
استشهاد القديس قسطور القس
نياحة القديسة ثاؤغنسطا
نياحة القديس المعلم جرجس الجوهري

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك