إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

حينما نتتبع معاملات السيد المسيح للناس ، نجده حنوناً جداً ورقيقاً جداً على الضعفاء والمساكين ، ونجده شديداً في معاملة العنفاء لم يقف المسيح أبداً ضد إنسان مسكين ، بل كان يجمع الضعفــاء ويحتضنهـم ويشـفق عليهـم

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية اصحاح 14 جـ2 PDF Print Email

سابعًا: في حكمة عجيبة سحب الرسول الطرفين من النقاش في هذا الأمر ليكشف لهما أن أمور الكل تشغل الله نفسه الذي اقتنانا بالدم الكريم، فيحسبنا خاصته، فإن عشنا له بالإيمان حُسِب ذلك ربحًا إلهيًا، وإن متنا بفقدان الإيمان حُسِب خسارة. يقول الرسول: "لأن ليس أحد منّا يعيش لذاته، ولا أحد يموت لذاته، لأننا إن عشنا فللرب نعيش، وإن مُتنا فللرب نموت. فإن عشنا وإن مُتنا فللرب نحن. لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش، لكي يسود على الأحياء والأموات" [7-9].

يقول: القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [بهذا جعل الأمر أكثر وضوحًا. كيف يمكن لمن يعيش لأجل الناموس (مستعبدًا لحرفيّته) أن يعيش للمسيح؟... إننا لسنا أحرارًا بل لنا سيّد يريدنا أن نحيا ولا يشاء لنا الموت، فإن هذه الأمور تخصّه هو أكثر منّا. بقوله هذا يظهر أن الله مهتم بنا أكثر من اهتمامنا نحن بأنفسنا، فيحسب حياتنا ربحًا له وموتنا خسارة. نحن لا نموت لأنفسنا وحدنا بل لسيّدنا. هنا يقصد الموت عن الإيمان. على أي الأحوال هذا يكفي لإقناعنا أنه مهتم بنا، أننا نعيش له ونموت له. لم يكتف الرسول بذلك وإنما يردف، قائلاً: "فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن" عابرًا بنا إلى الموت الجسدي... مقدّمًا إشارة عظيمة عن اهتمامه بنا.]

يكمّل القدّيس يوحنا ذهبي الفم تعليقه قائلاً بأن الله كسيّد مهتم بخلاصنا. لا يحتقر عبيده، مقدمًا حُبّه لهم لا بالمال وإنما بحياته، إذ صار هو نفسه خلاصنا. قدّم دمه فِدْية كثمن عظيم، مظهرًا قوّته غير المنطوق بها... فكيف نتركه بعد هذا كله لنرتدّ إلى أعمال الناموس الحرفيّة؟

لقد مات وقام لكي يهبنا الحياة، فنحسب أنفسنا مدينين له بحياتنا، سواء في وجودنا هنا في هذا الزمان الحاضر أو انتقالنا منه. يقول الرسول: "وهو مات لأجل الجميع، كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام" (2 كو 5: 15).

2. عدم إدانة الإخوة

إن كان الرب قد قدّم دمه الثمين سرّ خلاصنا، به نحيا ونتشدّد في جهادنا، فقد صرنا بكليّتنا في ملكيته. بهذا المفهوم لا يليق بنا إلا أن نسلِّم كل أحاسيسنا ومشاعرنا لذاك الذي افتدانا عِوض الانشغال بإدانة الآخرين، الذين هم أيضًا ليسوا ملك أنفسهم، بل ذاك الذي فدى الكل.

إدانتنا لإخوتنا تفسد حياتنا وتسيء إلى إلهنا كما إلى إخوتنا. فمن جهة تفسد أعماقنا، إذ تحمل ازدراء بالإخوة عِوض اتساع القلب لهم، وتسيء إلى الله بكونه هو الديّان الذي يخضع الكل له، مقدمًا حسابًا عن نفسه وأخيرًا تعثر الآخرين. هذا ما أعلنه الرسول بقوله:

"وأمّا أنت، فلماذا تدين أخاك؟ أو أنت أيضًا لماذا تزدري بأخيك؟ لأننا جميعًا سنقف أمام كرسي المسيح، لأنه مكتوب: أنا حيّ يقول الرب إنه لي ستجثو كل ركبة وكل لسان سيحمد الله. فإذًا كل واحدٍ منّا سيعطي عن نفسه حسابًا لله. فلا نحاكم أيضًا بعضنا بعضًا، بل بالحري أحكموا بهذا أن لا يوضع للأخ مصدمة أو معثرة" [10-13].

إنه يسأل الأخ الضعيف الذي يتشكّك ضميره بخصوص الطقوس اليهوديّة الحرفيّة ألاّ يدين أخاه القوي الذي ارتفع فوق حرفيّة الناموس، كما سأل الأخير ألا يستخف بالأول. فلا ينحصر كل منهما في تصرفات الآخر، بل يتطلّع الكل إلى ذاك الذي يدين الجميع، والذي يخضع له كل حيّ (إش 45: 23).

هنا يقتبس الرسول ما ورد في إشعياء عن الله (45: 23) لينسبه للسيد المسيح بكونه الله الكلمة الديّان.

3. ملكوت الله وعثرة الضعفاء

ينقلنا الرسول بولس من الانشغال بإدانة الآخرين أو الاستخفاف بالإخوة إلى الوقوف أمام كرسي الله، لا لنشعر بمهابة ذلك اليوم فحسب، وإنما لكي ترتفع أفكارنا على الدوام إلى "ملكوت الله" الذي يلزم أن ننعم به جميعًا. خلال هذا الملكوت نهتم بأمر واحد هو شركتنا جميعًا مع الله في المسيح يسوع بروحه القدوس.

يقول الرسول: "إني عالم ومتيقّن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسًا بذاته، إلا من يحسب شيئًا نجسًا فله هو نجس" [14]. هنا يقدّم الرسول تصريحًا واضحًا من قِبل ربنا يسوع إن كل شيء هو طاهر للطاهرين، ويصير نجسًا للنجسين. خليقة الله طاهرة، إن أكلناها بدون تشكّك تُحسب طاهرة، لكن إن تشككنا بسبب الناموس الذي ميّز بين أطعمة محلّلة وأخري نجسة كرموزٍ وقتيّة تحقّقت في الأصل وتلاشت عندئذ تصير الأطعمة نجسة، وأيضًا إن تشكّكنا إنها قُدمت للأوثان كذبائح تصير نجسة لا لسبب إلا لتشكّك ضميرنا. هذا ما أكده الرسول لأهل كورنثوس: "كل الأشياء تحلّ لي، لكن ليس كل الأشياء توافق... كل ما يباع في الملحمة كلوه غير فاحصين عن شيء من أجل الضمير، لأن للرب الأرض وملؤها؛ وإن كان أحد من غير المؤمنين يدعوكم وتريدون أن تذهبوا فكل ما يقدّم لكم كلوا منه غير فاحصين من أجل الضمير، ولكن إن قال لكم أحد هذا مذبوح لوثنٍ فلا تأكلوا من أجل ذاك الذي أعلمكم والضمير... أقول الضمير، ليس ضميرك أنت بل ضمير الآخر" (1 كو 10: 23-29).

إذن ليس شيء في خليقة الله نجسًا، لهذا فإن الكنيسة في أصوامها تؤكد أنها لا تمتنع عن الأطعمة بكونها نجسة وإلا حسب ذلك بدعة وانحراف عن الحق (1 تي 4: 3-4)، إنما يكون الصوم لأجل قمع الجسد وتدبيره حسنًا تحت قيادة الروح القدس.

حقًا إن كل شيء طاهر، لكن الذي يفسده هو روح الإنسان الذي يتشكّك في استخدام الأشياء الصالحة بطبيعتها كأشياء دنسة، فتصير بالنسبة له هكذا. أمّا القوي وإن كان لا يتشكّك بضميره القوي لكنه من أجل المحبّة، حتى لا يهلك أخوه الذي مات المسيح عنه يمتنع عن هذه الأطعمة، كما يوصينا الرسول: "فإن كان أخوك بسبب طعامك يحزن، فلست تسلك بعد حسب المحبّة؛ لا تهلك بطعامك ذلك الذي مات المسيح لأجله" [15]. في موضع آخر يقول الرسول: "الطعام لا يقدّمنا إلى الله، لأننا إن أكلنا لا نزيد، وإن لم نأكل لا ننقص، ولكن انظروا لئلاّ يصير سلطانكم هذا معثرة للضعفاء. إن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحمًا إلى الأبد لئلاّ أُعثر أخي" (1 كو 8: 8-13).

وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [احتفاظ الإنسان بالطعام (دون تشكّك) ليس بالأمر الأهم من حزن أخيك. انظر كيف يركّز (الرسول) على المحبّة، ذلك لأنه يعلم أن المحبّة تفعل كل شيء... أمَا تقدّر أخاك، فتقتني خلاصه بامتناعك عن الأطعمة؟ فإن المسيح لم يمتنع عن أن يصير عبدًا، بل وأن يموت من أجله، أما أنت فلا تستخف بالطعام من أجل خلاصه... إنه لم يمت من أجل الضعيف فقط وإنما من أجل العدوّ أيضًا، أفلا تمتنع عن الطعام من أجل الضعيف؟ قدّم المسيح ما هو أعظم ألا تقدّم ما هو أقل؟]

"فلا يُفتر على خلاصكم، لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشربًا، بل هو برّ وسلام وفرح في الروح القدس" [17].

إن كان أمر خلاص أخيك يشغل كل كيانك لا تنشغل بأمر الأطعمة، بل من أجله أترك الطعام الذي يعثره حتى لا تعطى فرصة أيضًا للغير أن يفتروا على صلاح فكرك (عدم التعثر بالأطعمة)... بمعنى آخر حتى وإن كنت من جهة الصلاح لا تتشكّك في الأطعمة، لكن بعثرتك للضعيف يتعثّر الآخرون فيك، لأن نفس أخيك أثمن من طعامك أو عدمه.

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم بأنه عندما يصارع المؤمن ويتماحك بسبب الأطعمة، فبهذا النزاع يسبّب انشقاقًا في الكنيسة بانتهار الإخوة الممتنعين عن الأطعمة، فينطق الذين في الخارج بالشرّ على الكنيسة وعلى صلاحك، الذي هو المحبّة والوحدة بين الإخوة والسلام واللطف الخ.

إذن لنشهد ملكوت الله لا بانقسامنا في أمور ثانوية، كالطعام وإنما باتحادنا برباط الحب الحقيقي وتجلّي ثمار الروح فينا الذي هو البرّ والسلام والفرح.

- أفضل شيء أن نقتني ملكوت الله... بمجتمع المحبّة المقدّسة، الكنيسة السماويّة؛ فإن المحبّة هي أمر نقي يؤهل لله، عملها الشرّكة.

القدّيس إكليمنضس السكندري

- إن كان ملكوت الله داخلنا (لو 17: 21)، وهو برّ وسلام وفرح (رو 14: 17)، فإن من يتمّم هذه يكون في ملكوت الله. وعلى العكس من يعيش في الشرّ والنزاع والحزن الذي للموت يكون في ملكوت الشيطان وفي الجحيم والموت. بهذا يتميز ملكوت الله عن ملكوت الشيطان.


- لا يتحدّث الرسول عن الفرح بغير تمييز... بل يوضّح مؤكدًا نوعه أنه "في الروح القدس" (رو 14: 7)، إذ يعرف تمامًا الفرح الممقوت الذي نسمع عنه: "العالم يفرح" (يو 16: 20)، "ويل لكم أيها الضاحكون لأنكم ستحزنون وتبكون" (لو 6: 25).

الأب موسى


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 14 من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
+ عودة لتفسير رسالة بولس الرسول الى أهل رومية +
 


14 توت 1737 ش
24 سبتمبر 2020 م

نياحة القديس أغاثون العمودي في سخا
استشهاد القديس فيلكس وريجولا أخته
استشهاد القديس اكسيوبرانتيوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك