إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

أحب الكل وأنت بعيد عن الكل
الأنبا ارسانيوس

تفسير رسالة يعقوب اصحاح 1 جـ2 PDF Print Email

ويلاحظ أن الصبر هنا لا يحمل المعنى السلبي الذي فيه يستسلم الإنسان بخنوعٍ أو يخضع للألم بشجاعة بشريّة وكبت على حساب أعصابه، فإن هذا حتمًا يدفع إلى الانفجار. وإنما الصبر هنا يعني الجانب الإيجابي، وهو الصبر المملوء حبًا،حيث يرمي الإنسان بآلامه على الرب المتألم بفرح في حب ورضا، بل يسعى هو بنفسه للألم لأن خلاله يتمثَّل بالرب المتألم.

"وأما الصبر فله عمل تام".

التجربة في ذاتها مرّة، لكن الصبر الذي تنشئه له غاية كاملة وهي: "لكي تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين في شيء" ]٤[.

1. نكون تامين أي ناضجين روحيًا، فكما أنه لا يكفي لزراعة شجرة أن نلقي البذرة ونرويها ونعتني بها، لكن مع اهتمامنا بها يلزم أن نصونها من الرياح في بدايتها، ثم نعرضها لها قليلاً قليلاً حتى تنضج، هكذا لا يكفي أننا نؤمن بالمصلوب، وإنما يلزمنا بعد ولادتنا بالمعموديّة أن نشترك مع الرب في آلامه حتى ينمو فينا الإنسان الجديد، وينضج يومًا فيومًا في رجولة روحيّة.

ويُشبِّهنا القديس يوحنا ذهبي الفم بالطفل الذي يتعلم المشي. فإن المُربية تمد يديها وتمسك بيديه، وتسير به قليلاً قليلاً، وفي خلال سيره تترك يديه إلى حين. قد يبكي، وقد يسقط، لكن قلبها وعينيها وكل أحاسيسها معه! هكذا يمسك الله بيدينا ويترفق بنا، لكن لابد أن يسحب يده قليلاً دون أن يتخلى عنا. يسمح لنا بالتجارب لكي نتدرب في طريق النضوج الروحي.

لذلك كتب العلامة ترتليان إلى المتألمين المسجونين بسبب الإيمان يقول لهم: ]أيها الطوباويون، احسبوا كل ما يصيبكم تداريب للتقوية، حتى تنالوا إكليلاً أبديًا ملائكيًا، فتصيروا سكانًا للسماء، ممجدين إلى الأبد... إن سيدكم يسوع المسيح الذي مسحكم بروحه وقادكم إلى حلبة المصارعة (للتدريب) يرى أن هذا مفيد لكم... فيُلزمكم بتداريب قاسية لتنمو روحيًا... فالفضيلة تُبنَي فينا بالجهاد وتزول وتتحطم بالانزلاق في الشهوات.]

2. كاملين وغير ناقصين في شيء... أي ليس فقط تامين، ولكن هذا النضوج يشمل كل جوانب الحياة الروحيّة.

حقًا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا (يع ٣: ٢)، لكننا كأولاد لله قدر ما نخضع لمدربنا الرب يسوع، مجاهدين نسمع كلمات الرسول: "بعدما تألمتم يسيرًا هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويُمَكِّنكم" (١ بط ٥: ١٠).

كيف نحتمل التجربة؟

أولاً: باقتناء الحكمة السماوية

"إن كان أحد تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير، فسيُعطَى له" ]٥[.         

بالحكمة السماوية يقف الإنسان على إرادة الله ويدرك مواعيده للصابرين إلى المنتهى، فيفرح بالتجارب كمن وجد غنيمة. لهذا لا نكف عن طلبها قائلين: "هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك. فإني أنا عبدك وابن أمتك، إنسان ضعيف، قليل البقاء وناقص الفهم" (حك ٩: ٥٦).

وإنه "يعطي الجميع" أي يهب كل من يطلب، لأنه لا يحابي أحدًا، وهو يعطي بسخاء، أي بفيض، مجانًا بلا قيد ولا شرط. يقدّم ولا يعيّر، لأنه أب، والأب يفرح بعطائه لابنه كل شيء. لكن لماذا لا ننال أحيانًا؟

ليس السبب في الله، بل فينا نحن الذين توقّف فيض عطاياه علينا بسبب عدم إيماننا، لذلك يقول الرسول: "ولكن ليطلب بإيمان". وكما يقول الأب إسحق: [هكذا تستجاب صلاة الإنسان عندما يؤمن أن الله مهتم به وقادر أن يعطيه سؤاله، إذ لا يخيب قول الرب: "كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم" (مر ١١: ٢٤).]

ليطلب الحكمة "غير مرتاب البتة"، أي من غير أن ينقسم قلبه بين التجائه إلى الله واهب الحكمة واعتماده على حكمته الذاتيّة، أو بين محبة الله ومحبة الأمور الزمنيّة.

"لأن المرتاب يشبه موجًا من البحر تخبطه الريح وتدفعه" ]٦[ فيكون كالموجة التي تدفعها الريح على الصخر فتصير رذاذًا. "فلا يظن ذلك الإنسان أنه ينال شيئًا من عند الرب.  رجل ذو رأيين متقلقل في جميع طرقه" [7-٨[. وكما يقول القديس يوحنا كاسيان: [قد تأكد تمامًا أن صلاته لن تُستجاب! من هو هذا البائس؟ الذي يصلي ولا يؤمن أنه سيحصل على جواب!]

ثانيًا: باقتناء التواضع

تنزع الحكمة السماوية عن الإنسان ذاتيته، فيختبر التواضع الحقيقي. إذ ينحني منسحقًا يلتصق بصليب الرب، فيرتفع مبتهجًا غالبًا بقوة القيامة. لذلك يقول الرسول: "وليفتخر الأخ المتضع بارتفاعه" ]٩[."وأما الغني فباتضاعه". 

يوجه حديثه هنا للغني، دون أن يقول "الأخ" حتى لا يظنوا أنه يداهنهم بسبب غناهم. إنه يجدر به ألاَّ يفتخر بغناه بل بتواضعه. بهذا يقدر أن يحتمل التجربة!




السابق 12345التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +
 


18 توت 1737 ش
28 سبتمبر 2020 م

اليوم الثانى لعيد الصليب المجيد
استشهاد القديس بروفوديوس الخيالي قرن الأول للشهداء
استشهاد القديس اسطفانوس القس والقديسة نيكيتي

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك