تفسير رسالة يعقوب اصحاح 1 جـ4 Print

٤. الله أبونا، لا يهب إلاَّ الصلاح

"لا تضلوا يا إخوتي الأحباء . كل عطيّة صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند أبي الأنوار" ]16-١٧[.

في كل مرة نصلي نقول: "فلنشكر صانع الخيرات..." لأننا لا نعرف مصدرًا للخيرات غير الله. وهنا يحذرنا الرسول ألاَّ نضل، فنظن أنه يمكن أن يصدر عن الله غير الخير والصلاح، أو نحسب أننا نقدر أن ننال صلاحًا بطريق آخر غير الله. نَسَبُ الشر إلى الله ضلال، لأن الله "أب الأنوار". وطلب الصلاح من غير الله ضلال، لأنه هو "أب" لا يقبل أن يلتجىء أولاده إلى أب غيره!

إذن كل عطيّة صالحة أي لخيرنا، وكل موهبة تامة مُقدَّمة كهبة مجانيّة ليس فيها عيب أو نقصان هي من فوق نازلة، أي يوجد فيض مستمر من السماء تجاه البشر، من الأب نحو أولاده.

يقول الأب شيريمون: [يبدأ الله معنا ما هو صالح، ويستمر معنا فيه، ويكمله معنا. وذلك كقول الرسول "والذي يُقدِّم بذارًا للزارع وخبزًا للأكل سيقدم ويُكَثِّر بذاركم ويُنْمِي غلات برّكم" (٢ كو ٩: ١٠). هذا كله من أجلنا نحن، لكي بتواضع نتبع يومًا فيومًا نعمة الله التي تجذبنا. أما إذا قاوْمنا نعمته برقبة غليظة وآذان غير مختونة (أع ٧: ٥١)، فإننا نستحق كلمات النبي إرميا القائل "هل يسقطون ولا يقومون؟ أو يرتد أحد ولا يرجع؟ فلماذا ارتد هذا الشعب في أورشليم ارتدادًا دائمًا، تمسكوا بالمكر، أبوا أن يرجعوا؟" (إر ٨: 4-5).]

ويؤكد الرسول أنها من عند "أبي الأنوار. الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران".

وكما يُدْعَى إبليس أب الأشرار (يو ٨: ٤٤)، يُدْعَى الله "أب الأنوار" أي القديسين النوارنيين أو الملائكة. إنه النور الحقيقي وواهب النور. إنه ليس كالشمس المنظورة التي تعكس نورها على الكواكب الأخرى، لكنها تتغير ويأتي اليوم الذي فيه تزول، إنما هو شمس البرّ الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران!

أب ينير أولاده، وأبوته المنيرة ثابتة لا تتناقص، يجذب أولاده ليستنيروا منه. كيف يتم ذلك؟ خلال أشعة محبته المعلنة في عطاياه الزمنيّة والروحيّة يجذب أنظارنا وينير عقولنا، فنراه ونعشقه، وعندئذ لا ننشغل حتى بعطاياه الصالحة ومواهبه التامة، إنما نقول له مع القديس أغسطينوس: [قبل هذه الأعمال الجسديّة أعمالك الروحيّة التي هي سماوية ومتلألئة هكذا... لكنني جُعْتُ إليك، وعشطتُ لك... لك أنت بذاتك أيها الحق "الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران".]

عطيّة واحدة خلال كل عطاياه التي بلا حصر ومواهبه التامة يلزم ألاَّ تفارق ذهننا أبدًا، وهي عطيّة الميلاد الجديد الذي نلناه بالمعموديّة، فصرنا له أولادًا وهو أب لنا، إذ:

"شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه" ]١٨[.

يا لها أشرف عطيّة أننا بالرب يسوع "كلمة الحق" الذي مات عنا بالجسد وقام وهبنا بروحه القدوس أن نولد لله والكنيسة ولادة جديدة روحيّة بالمعموديّة.

بهذه الولادة يجدر بنا أن نرتبط بالرب يسوع "البكر"، فنصير نحن أيضًا "باكورة من خلائقه".

وكما كان الله يُلزِم عابديه أن يقدموا له البكور وأوائل الثمار مخصصة له، معتبرًا أنهم بذلك قدموا كل الثمار له. هكذا يقبلنا الله كباكورة من خلائقه، محفوظين ومخصصين لله (عب ١٢: 2٣)، وبهذا نرتبط بكنيسة الأبكار مكتوبين في السماوات.

هكذا انتقل بنا يعقوب الرسول الحديث عن التجارب الخارجيّة كمصدر فرح وتطويب للصابرين إلى الجهاد ضد التجارب الداخليّة، أي التحفظ من الخطيّة، ثم عناية الله بنا وتقديم كل إمكانية لنا، معلنًا حبه فيما وهبنا إياه أن نكون أولادًا له. لكن ما موقفنا نحن كأولاد لله؟ هذا يحدثنا عنه الرسول بطريقة عمليّة.

٥. موقفنا كأولاد لله

أولاً: الإسراع في الاستماع

"إذًا يا إخوتي الأحباء. ليكن كل إنسان مسرعًا في الاستماع" ]١٩[.

يترجم البعض عبارة "إذًا يا إخوتي الأحباء" "أنتم تعرفون هذا. ولكن يا إخوتي الأحباء..." كأن ما قد سبق أن تحدث به هو أمر يعرفه المؤمنون، كتبه الرسول من أجل التذكرة فقط، وإنما يطلب أن نََتَنَبَّه إلى واجبنا العملي والتزامنا كأولاد لله.

وأول واجب نلتزم به هو أننا إذ ولدنا بكلمة الحق بالمعموديّة يليق بنا ألاَّ نفارق "كلمة الحق" بل نسرع دومًا للجلوس عند أقدام ربنا يسوع "كلمة الحق" مع مريم أخت لعازر، مُنْصِتين إلى حديثه العذب المملوء حبًا.

هذا هو واجبنا، وهذا أيضًا هو حقنا، وهذا هو نصيبنا الذي لن يُنْزَع منا إلى الأبد، أن نجلس متواضعين عند أقدام الرب يناجينا ونناجيه. حقًا ما أصعب على الإنسان في وسط دوامة هذه الحياة، أن يهرب! يهرب من أجل نفسه التي هي أغلى ما عنده، لكي يخلع عنه كل اهتمام واضطراب مُنصِتًا بكل جوارحه لعريس نفسه، هذا الذي يبعث صوته في داخل النفس سرورًا وفرحًا وتبتهج عظام الإنسان في تواضع وانسحاق وليس في كبرياء وعجرفة.

ثانيًا: مبطئًا في التكلم

إذ يسرع الإنسان للإنصات إلى كلمة الحق يتشرب بروح أبيه الذي لا يشهد للحق بكثرة الكلام بل بالعمل. وبهذا نتفهم الوصيّة "فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات" (مت ٥: 16). حسن للإنسان أن يشهد للحق، لكن كثرة الكلام والتسرع فيه يكشفان عن نفسٍ خائرة ضعيفة تخفي ضعفها وراء المظهر، من أجل هذا يوصي الحكيم قائلاً "أرأيت إنسانًا عجولاً في كلامه؟ الرجاء بالجاهل أكثر من الرجاء به" (أم ٢٩: ٢٠).

ويقول القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك: [كثيرًا ما تكلمت وندمت وأما عن الصمت فما ندمت قط.]

وكشف لنا مار إسحق مفهوم الصمت أنه ليس مجرد امتناع عن الكلام بل هو حديث سري مع الرب يسوع، لذلك نصح الراغب في الصمت أن يقتني ثلاث خصال: خوف الله، صلاة دائمة، عدم انشغال القلب بأي أمر.

كما يقول أيضًا: [من يريد أن يلازم السكوت من غير أن يقطع علل الآلام فهو أعمى.]

إذن كما يقول الكتاب "للسكوت وقت وللتكلم وقت" (جا ٣: ٧). بوجد ثلاثة أنواع للسكوت وثلاثة أنواع للكلام:

1. الصمت المقدس، وهو أن يصمت الفم ليتكلم القلب مع الله.

2. الصمت الباطل، وهو أن يصمت الفم دون أن ينشغل القلب بالله.

3. الصمت الشرير، وهو أن يصمت الفم وينشغل الداخل بالشر.

1. الكلام المقدس: وهو الحديث الذي يقول عنه القديس باسيليوس الكبير: [يُظهر رائحة بخور تدبيرنا الداخلي المملوءة حكمة.] أي يتكلم الإنسان فيما هو لبنيان نفسه وبنيان الآخرين.

2. الكلام الباطل: وهو الحديث الذي ليس للبنيان وبلا معنى، وهذا نعطي عنه حسابًا (مت ١٢: ٣٦).

3. الكلام الشرير: الذي يهدم النفس ويهدم الآخرين.

من أجل هذا يقول الأب بيمين: [إن الصمت من أجل الله جيد، كما أن الكلام من أجل الله جيد.]

ثالثًا: "مبطئًا في الغضب، لأن غضب الإنسان لا يصنع برّ الله" ]٢٠[.

دُعِيَ الله بطويل الأناة وبطيء الغضب، لهذا يجدر بأولاده أن يتشبهوا بأبيهم، فلا يطلبوا الانتقام ولا ينفعلوا، بل في طول أناة يترفقوا بالجميع.

فغضب الإنسان لا يصنع برّ الله، وكما يقول القديس أغسطينوس أن الإنسان مهما ارتكب من خطيّة يستطيع في نفس اللحظة أن يقف نادمًا ويشعر بمحبة الله طويل الأناة، لكن في لحظات الغضب لا يقدر الإنسان أن يقف للصلاة، بهذا يحرم نفسه من برّ الله.

ويقول أيضًا: [لا تظنوا أن الغضب أمر يستهان به، إذ يقول النبي: "تعكرت (ذبلت) من الغضب عيناي" (مز ٦: ٧)، وبالتأكيد لا يقدر مُتَوَعِّك العينين أن يعاين الشمس، وإن حاول رؤيتها تؤذيه ولا تبهجه.]

ويوضح لنا يوحنا كاسيان خطورة الغضب فيقول:

[يجب أن نستأصل سم الغضب المميت من أعماق نفوسنا. فطالما بقي الغضب في قلوبنا وأَعْمَى بظلمته المؤذية عين الروح (القلب) لا نستطيع الحصول على التمييز والحكم السليم، ولا نستطيع أن ننال النظرة الداخليّة الصادقة أو المشورة الكاملة، ولا أن نكون شركاء للحياة أو نحتفظ بالبرّ، أو حتى يكون لنا المقدرة على النور الروحي الحقيقي "تعكَّرت من الغضب عيناي" (مز ٦: ٧). ولا نستطيع أن نصير شركاء للحكمة، ولو وُجد حكم جماعي بأننا حكماء، لأن "الغضب يستقر في حضن الجهلاء" (جا 7: 9). ولا نستطيع أن ننال الحياة غير المائتة، لأن الغضب يُهْلِك حتى الحكم (راجع أم ١٥). ولا نقدر أن نحصل على القوة الضابطة للبرّ حتى لو ظن البشر فينا أننا كاملون وقديسون، لأن "غضب الإنسان لا يصنع برّ الله". كما لا نستطيع نوال الوقار والكرامة التي تُعطَى حتى في العالميات، ولو ظنوا بنا أننا نبلاء وذوو شرف، لأن "الرجل الغضوب يُحتقر". ولا يمكن أن تكون لنا مشورة صالحة... "لأن السريع الغضب لا يعمل بالحق" (أم ١٤: ١٧). ولا نستطيع التحرر من أي اضطرابات خطيرة أو نكون بلا خطيّة، ولو لم يسبب لنا أحد اضطرابًا... "لأن الرجل الغضوب يهيج الخصام، والسخوط كثير المعاصي" (أم ٢٩: ٢٢).]

 




السابق 12345التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +