تفسير رسالة يعقوب اصحاح 1 جـ5 Print

رابعًا: مقتلعًا بذار الشر، غارسًا بذار كلمة الله

"لذلك اطرحوا كل نجاسة وكثرة شر، فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة، القادرة أن تخلص نفوسكم" ]٢١ [.

إذ يحدث الرسول يعقوب الذين وُلِدوا "بكلمة الحق" لهذا يوجه أنظارهم إلى "كلمة الحق" القادرة أن تأتي فيهم بثمر كثير.

ولكي تمتليء حياتهم بكلمة الحق ويتجاوبوا معها يَلْزم أن تتم في داخل قلوبهم عمليتان متلازمتان، بل هما عمليّة واحدة لها جانبان، وهي عمليّة طَرْح النجاسة وبَذْر كلمة الله. فبالولادة الثانية صرنا أبناء الله وبسِرّ الميرون حل الروح القدس فينا، وصار لنا بالروح القدس أن نُفْرِغ من قلبنا كل ما هو ليس حقًا (النجاسة) ليملك فينا ما هو حق (كلمة الله).

من أجل هذا توصي الكنيسة الإشبين: [ازرعوا فيهم الخصال الجميلة. ازرعوا فيهم الطاعة والمحبة والطهارة. ازرعوا الرحمة والصدقة والعدل. ازرعوا فيهم التقوى والصبر والصلاح...]

إذن لنطرح عنا كل نجاسة، وربما قُصِدَ بها هنا الغضب السابق ذكره. ولا نقف عند طرح كل روح الغضب، بل لنقبل في وداعة كلمة الله المغروسة القادرة. هذه الكلمة هي البذار التي تأتي بثمر كثير.

نلاحظ أن الرسول يُحَدِّث أناسًا مؤمنين ومُعَمَّدين ومع ذلك يقول: "قادرة أن تخلص نفوسكم" ولم يقل "خلصت نفوسكم"، لأن الخلاص أمر مستمر يعيش فيه المؤمن كل أيام غربته، وليس أمرًا حدث وانتهى. وكأن الرسول ينصحنا أن نخضع بروح الوداعة، لا العجرفة، لكلمة الله، لأنه يلزمنا أن نثابر كل أيام غربتنا حتى لا نفقد الطريق.

هذا الخضوع يلزم أن يكون عمليًا وليس مجرد حفظ للكلمة أو استماع نظري لها، إذ يقول الرسول: "ولكن كونوا عاملين بالكلمة، لا سامعين فقط خادعين نفوسكم" ]٢٢[.

"لأنه ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون" (رو ٢: ١٣). وقد شبه الرب السامعين غير العاملين برجلٍ جاهلٍ يبني بيته على الرمل، فتهب الرياح وتسقط الأمطار فيسقط ويكون سقوطه عظيمًا (مت ٧: ٢٦-٢٧)، ويشبهه الرسول بالآتي:

"لأنه إن كان أحدكم سامعًا للكلمة وليس عاملاً، فذاك يشبه رجلاً ناظرًا وجه خلقته في مرآة . فإنه نظر ذاته وللوقت نسي ما هو" ]23- 24[. يشبهه بالرجل الذي ينظر في مرآة، ومن شيمة الرجال ألا يمعنوا النظر فيها، أما أبناء الله فيليق بهم أن يُمْعِنوا النظر في كلمة الله التي هي كالمرآة تكشف لهم ضعفهم ونقائصهم. وهي أيضًا تُذَكِّرهم بخلقتهم الروحيّة الجديدة أي بميلادهم السماوي، وهذا يبعث فيهم روح الجهاد، ويجعلهم يتجاوبون مع الإمكانيات الإلهيّة الموهوبة لهم. لأنه متى أدرك الإنسان مركزه كابن لله لا يكف عن الالتصاق بأبيه ومناجاته متشبثًا بحقوقه للحياة المقدسة.

"ولكن من اطلع على الناموس الكامل، ناموس الحريّة، وثبت، وصار ليس سامعًا ناسيًا، بل عاملاً بالكلمة، فهذا يكون مغبوطًا في عمله" ]٢٥[.

إذ يُمْعِن النظر في الناموس ناموس الحريّة، أي الإنجيل، الذي حررنا بقوة الدم من سلطان الخطيّة، وَوَهَبْنا حريّة الأبناء، فإنه بهذا تصير كلمة الله بالنسبة له عمليّة، فلا يكون سامعًا ناسيًا بل ثابتة فيه. في أعماق نفسه الداخليّة.

هذا العمل يَهَب لنا عذوبة بالرغم من صعوبة الوصيّة، إذ نحمل نيرها لا بتذمر كعبيد أذلاء، ولا من أجل المنفعة كأجراء، بل نفرح بها كأبناء يتقبلون وصيّة أبيهم، لهذا يكون كل منا "مغبوطًا في عمله". بهذا يقول الإنسان لخالقه: "نيرك هيِّن وحِمْلَك خفيف" رغم ما يجاهد به وثابر فيه ويتحمله ويتخلى عنه من أجل الرب!

خامسًا: "ملجمًا لسانه"

"إن كان أحد فيكم يظن أنه دَيِّنْ وهو لا يلجم لسانه، بل يخدع قلبه، فديانة هذا باطلة" ]٢٦[.

الديانة الحقيقيّة هي التي تنبع من الداخل، من القلب، إذ "مَجْد ابنة الملك من الداخل"، و"الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يُخرِج الصالحات" (لو ٦: ٤٥). على هذا الأساس ظن البعض أنه لا حاجة لضبط اللسان بدعوى أن القلب طيب والعبادة بالروح... لكن الرب الديان يقول: "من فضلة القلب يتكلم اللسان" (مت ١٢: ٣٤).

ويقول الشيخ الروحاني: [من يحذر بلسانه لن يسلب كنزه منه إلى الأبد. فم الساكت يترجم أسرار الله. ومن يتكلم بسرعة يبعد عن خالقه.]

يقول الأب بيمين: [من يضبط فمه فإن أفكاره تموت، كالجرّة التي يوجد فيها حيَّات وعقارب، سِدْ فمها (فوهتها) فإنها تموت.]

[وسأل أخ شيخًا: [يا أبي إني أشتهي أن أحفظ قلبي. فقال له الشيخ: كيف يمكنك أن تحفظ قلبك وفمك الذي هو باب القلب مفتوح سايب؟ ]

إذن من لا يضبط لسانه يخدع قلبه، فبينما يظن أنه دَيِّن إذ بديانته باطلة.

سادسًا: يرحم إخوته

"الديانة الطاهرة النقيّة عند الله الآب هي هذه افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم" ]٢٧[.

لم يقل الرسول "الديانة الطاهرة... هي الإيمان" إنما كشف عن الجانب العملي ليس تجاهلاً أو استهتارًا بالإيمان، لكن تأكيدًا للأعمال المرتبطة بالإيمان. فإذ يقيم الآب نفسه أبًا للأيتام وقاضيًا للأرامل (مز ٦٨: ٥) لهذا فإن من كانت ديانته طاهرة يلزمه أن يتمثل بأبيه.

والجميل في الكنيسة الأولى أنها اهتمت بالأرامل، إذ أعطت للأرامل اللواتي ينذرن أنفسهن للخدمة مكانة خاصة تلي مكانة العذارى مباشرة، حتى أن القديس يوحنا الذهبي الفم عندما أرسل إلى أرملة شابة يعزيها في زوجها هنأها أنها صارت "أرملة".

وقد اهتمت الكنيسة بتحويل طاقات هؤلاء الأرامل إلى العبادة أو الخدمة التي تتناسب معهن، الأمر الذي جعل كثيرًا من القديسين كتبوا بفيض عن "الترمل وشروطه وقوانينهن ونظامهن".

سابعًا: "وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم" ]٢٧[.

بدأ أولاً بالترفق بالمتألمين أي اليتامى والأرامل، لأنه بدون رحمة بالآخرين كيف نستعين برحمة الله لكي تحفظنا من دنس العالم وشهواته؟ إذن لنرحم فيما هو قليل ليرحمنا الله في الكثير.

وإذ يحفظ الإنسان نفسه بلا دنس، لا يعطي لإبليس أي حق للملكيّة في داخله، بهذا تبقى النفس مقدسة للرب وحده.

1 يعقوب عبد الله و الرب يسوع المسيح يهدي السلام الى الاثني عشر سبطا الذين في الشتات
2 احسبوه كل فرح يا اخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة
3 عالمين ان امتحان ايمانكم ينشئ صبرا
4 و اما الصبر فليكن له عمل تام لكي تكونوا تامين و كاملين غير ناقصين في شيء
5 و انما ان كان احدكم تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء و لا يعير فسيعطى له
6 و لكن ليطلب بايمان غير مرتاب البتة لان المرتاب يشبه موجا من البحر تخبطه الريح و تدفعه
7 فلا يظن ذلك الانسان انه ينال شيئا من عند الرب
8 رجل ذو رايين هو متقلقل في جميع طرقه
9 و ليفتخر الاخ المتضع بارتفاعه
10 و اما الغني فباتضاعه لانه كزهر العشب يزول
11 لان الشمس اشرقت بالحر فيبست العشب فسقط زهره و فني جمال منظره هكذا يذبل الغني ايضا في طرقه
12 طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة لانه اذا تزكى ينال اكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه
13 لا يقل احد اذا جرب اني اجرب من قبل الله لان الله غير مجرب بالشرور و هو لا يجرب احدا
14 و لكن كل واحد يجرب اذا انجذب و انخدع من شهوته
15 ثم الشهوة اذا حبلت تلد خطية و الخطية اذا كملت تنتج موتا
16 لا تضلوا يا اخوتي الاحباء
17 كل عطية صالحة و كل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند ابي الانوار الذي ليس عنده تغيير و لا ظل دوران
18 شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه
19 اذا يا اخوتي الاحباء ليكن كل انسان مسرعا في الاستماع مبطئا في التكلم مبطئا في الغضب
20 لان غضب الانسان لا يصنع بر الله
21 لذلك اطرحوا كل نجاسة و كثرة شر فاقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة ان تخلص نفوسكم
22 و لكن كونوا عاملين بالكلمة لا سامعين فقط خادعين نفوسكم
23 لانه ان كان احد سامعا للكلمة و ليس عاملا فذاك يشبه رجلا ناظرا وجه خلقته في مراة
24 فانه نظر ذاته و مضى و للوقت نسي ما هو
25 و لكن من اطلع على الناموس الكامل ناموس الحرية و ثبت و صار ليس سامعا ناسيا بل عاملا بالكلمة فهذا يكون مغبوطا في عمله
26 ان كان احد فيكم يظن انه دين و هو ليس يلجم لسانه بل يخدع قلبه فديانة هذا باطلة
27 الديانة الطاهرة النقية عند الله الاب هي هذه افتقاد اليتامى و الارامل في ضيقتهم و حفظ الانسان نفسه بلا دنس من العالم




السابق 12345التالى
+ إقرأ اصحاح 1 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +