تفسير رسالة يعقوب اصحاح 5 جـ2 Print

وحلل القديس يوحنا ذهبي الفم آلام أيوب وكيف احتملها بصبر وقد سبق ترجمة تحليله هذا في كتيب عن "رد عن القائلين بأن للشيطان سلطان علينا"، مكتفيًا هنا بذكر مقتطفات منها:

[1. افتقر أكثر من الشحاذين... هؤلاء لهم ثوب ممزق، أما هو فجلس عريانًا، بل كان له ذلك الثوب الذي أمدته الطبيعة به أي الجسد، وحتى هذا الثوب مزقه الشيطان من كل جانب، بل أصابه بالقروح.

هذا القطيع الفقير له على الأقل أن يستظل تحت سقفية في الطرقات ولهم مأوى، أما أيوب فبقى لياليه في العراء ولا سقف له يأويه!...

هؤلاء لهم (شرور) يوبخون بها أنفسهم، وهذه تساهم بتعزية ليست بقليلة في أثناء الكارثة... أما أيوب فنزعت عنه كل تعزية!

هؤلاء فقراء من مولدهم فاعتادوا الفقر، أما هو فاحتمل كارثة لم يقدر عليها!

لقد حُرم من الأرض المجردة بل جلس في مزبلة...

2. آلام الجسد: من بلغ به العجز مثله! من احتمل أمراضًا هكذا؟... الرائحة الكريهة تحيط به من كل جانب بعنف، والجسد يتحطم قليلاً قليلاً وتصيبه العفونة... ولم يكن قادرًا على التمتع بالقوت المُعْطَى له.

3. احتماله موت أولاده: لقد فقد أولاده العشرة. الكل اُِكتُسِحُوا دفعة واحدة والجميع في ريعان شبابهم. والعشرة كانوا فضلاء، ولم يموتوا موتًا طبيعيًا بل موتًا قاسيًا يُرثى له.

4. احتماله سُخرية البشر: وكان أيضًا هروب أصدقائه منه واستهزاؤهم وسخريتهم وتهكمهم وتجريحهم له أمرًا لا يُطاق (أي ١٩: ١). فإن آلام الكارثة لا تعادل تلك التي تنبع من أولئك الذين يوبخوننا أثناء الكارثة...

لقد دعاهم غير رحماء بقوله "أقاربي قد خذلوني والذين عرفوني نزلاء بيتي وإمائي يحسبونني أجنبيًا. صرتُ في أعينهم غريبًا. عبدي دعوتُ فلم يُجِبْ. بفمي تضرعت إليه" (أي ١٩: ١٤-١٦).

5. أهوال الليل: لم يجد راحة بالليل، فإن أهوال الليل المرعبة كانت أقصى من مصائبه بالنهار... "تُرِيعُنِي بالأحلام وتُرْهِبُني بِرُؤى" (أي ٧: ١٤).

ولكن إن قلتَ: إنه أيوب!... (أقول) إنه كان الأجدر بك أن تحتمل أكثر منه... لأن أيوب كان في عهد ما قبل النعمة وقبل الناموس، حيث لم تكن هناك حياة محدودة ولا أُعْطِيَ نعمة الروح العظيم، عندما كان يصعب محاربة الخطيّة، وكانت اللعنة سائدة والموت مرعبًا

٣. عدم القسم

"ولكن قبل كل شيء يا إخوتي لا تحلفوا لا بالسماء ولا بالأرض ولا بقسم آخر، بل لتكن نعمكم نعم، ولاكم لا، لئلا تقعوا تحت دينونة" ]١٢[.

القسم معناه اشهاد الله على عمل معين أو على تعهد معين، أو أنك تقول الصدق. وإذ كل الخليقة من أعلى السماء إلى أسفل الأرض، من عرش الله إلى الشعرة البيضاء أو السوداء جميعُها تحكمها العناية الإلهيّة، فمن يُقْسِمُ بالسماء أو الأرض أو أورشليم أو رؤوسهم يرتبطون بالقسم أمام الله.

لكن قد يسأل أحد: لقد جاء في الشريعة "أوفِ للرب أقسامك" فلماذا منع الرب (مت ٥) ويعقوب الرسول القسم؟

1. رأي القديس يوحنا ذهبي الفم:

يوضح القديس خطورة القسم في:

ا. إن الشيطان يستغله لِنُقْسِمَ أثناء غضبنا، فإذا ما عدنا إلى هدوءنا نَلتزِم بما أقسمنا به في غضبنا، فننجذب إلى الخطيّة قسرًا.

ب. في لحظات اللذة والشهوة يفقد الإنسان اتزانه فَيُقْسِم، كما فعل هيرودس حينما أَقْسَمَ في فترة خنوعه للشر أن يُعطِي لابنة هيروديا ما تطلبه ولو كان نصف المملكة... والْتَزَمَ بقطع رأس يوحنا المعمدان.

ج. من أجل تحقيق هدف سامً يُقْسِمُ الإنسان من غير أن يدرك ما يُقْسِمُ من أجله، كما فعل يفتاح إذ صار قاتلاً لابنته بسبب قسمه (قض ١١).

2. رأي القديس أغسطينوس، أن القسم ليس خطيّة في ذاته، ولكن الرب منعنا من القسم:

ا. لأنه لا يليق أن نقسم بالله من أجل أمورٍ زمنيّة.

ب. أن من يعتاد على القسم فيما هو صِدْقٌ لا يقدر أن يمتنع فيما هو كَذِبٌ.

ج. إن الرسول بولس قد أقسم كما في (٢ كو ١١: ٣١)... وذلك بشروط:

أولاً: أن يكون من أجل خلاص الناس، وليس من أجل ربحٍ زمنيٍ له أو لهم.

ثانيًا: موضوعه الكرازة والبشارة وليس أمرًا زمنيًا.

ثالثًا: أن يُشْهِدَ الله على حق أكيد...

رابعًا: إن هذه الشهادة أو القسم من أجل ضعف السامعين، وليس تأكيدًا لكلامنا.

ومع هذا فإذ يعتاد اللسان على القسم لا يدرك أو يميز بين القسم الحقيقي وغير السليم لهذا يمنعنا الرب منه بتاتا




السابق 1 2 3التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +