تفسير رسالة يعقوب اصحاح 5 جـ3 Print
٤. موقف المؤمن في كل الظروف

أولاً: في حالة الحزن

"أعَلَىَ أحد بينكم مشقات فليصلِ" ]١٣[.

ربنا يسوع المسيح هو المركز الذي تتجه إليه أنظارنا في كل الظروف والأحوال، سواء الضيق أو الفرح أو المرض أو سقوط أخ وانحرافه، في كل أمورنا نتجه نحو الرب.

ففي الضيق نرفع أنظارنا بالصلاة. وكما يقول الأب نيلس: [الصلاة هي دواء الغم وانقباض النفس.]

المؤمن المتعقل يُحوِّل آلامه إلى لقاءات مع الرب، فقد جاء في سيرة القديس باخوميوس إنه إذ كان يجمع الحطب متى دخلت في قدمه شوكة كان يذكر شوكة الخطيّة ويتأمل آلام الرب، وكثيرًا ما كان يُستغرق في صلاته بدموع ناسيًا إخراج الشوكة من قدمه.

ومن إحسانات الله علينا أن يسمح لنا بالتجارب ولا يستجيب لطلباتنا سريعًا بل يتركنا في الضيق لِنتعلَّم الوجود في حضرته. وكما يقول الأب نيلس: [لا تضطرب وتحزن إذا لم تحصل على طلباتك من الله... الله يريد أن يفيدك أكثر بأن يُعَلِّمك الإلحاح في الصلاة مع الصبر في الوقوف أمامه، لأنه أي شيء أسْمَى من الوقوف أمام الله في حديث معه والدخول في شركته؟]

ثانيًا: في حالة الفرح

"أمسرور أحد فليرتل" ]13[.

يَلزمنا ألاَّ ننشغل بفرحنا عن المسيح بل نستخدمه كفرصة لتسبيح الله وشكره. وقد خصص الكتاب أسفارًا وأصحاحات بأكملها للتسبيح مثل سفر المزامير وتسبحة موسى (خر ١٥) وتسبحة الثلاث فتية. وقد رتبت الكنيسة أن يسبح أولادها بتسابيح مقطتفة من الكتاب المقدس أو بروحه، وذلك في مناسبات متعددة منها قبل صلاة القداس الإلهي، وأثناء توزيع جسد الرب ودمه، وفي أثناء الفرح بأعياد القديسين الذين انطلقوا إلى الفردوس.

وقد نَغََّمَتْ الكنيسة المزامير وكثيرًا من التسابيح بنغمات جميلة وقسمتها إلى مقاطع، فكان المؤمن أينما وُجِد يقول مَقْطعًا فيرد عليه الباقون بالمقطع التالي وهكذا أينما وُجِدْتَ، سواء في الحقول أو البيوت أو المتاجر لا تسمع سوى مزامير وتسابيح روحيّة تُشْعِلُ القلب بمحبة الله والصلاة له بحرارة.

يقول الأب إسحق:

[من له القدرة - مهما بلغت خبرته - أن يعدد الأسباب التي تثير القلب فيلتهب مُشتعِلاً بالنار، وتحثه للصلوات الورعة العظيمة الغيرة؟ لكننا نذكر أمثلة قليلة منها...

أحيانًا التغنِّي بمقطع من المزامير يبعث فينا صلاة حارة.

وأحيانًا انسجام التلحين لصوت أحد الإخوة يثير الأذهان الخاملة إلى ابتهالات كثيرة.

كذلك طريقة النطق والوقار الذي للمرنم (بالتسبيح) يلهب غيرة من معه.]

يقول الأب أوغريس:

[صَلِّ في سلام ونقاء، رتل بفهم ولذة وبذلك ستكون كنسرٍ صغيرٍ يُحَلِّق في أعلى السماء.

ترتيل المزامير يُسَكِّن الشهوات ويكبح نبضات آلام الجسد، والصلاة تدفع العقل لأن يكون حكيمًا وسليمًا في أفعاله...

ترتيل المزامير هو صورة لِتَنَوُّع الحكمة الإلهيّة...

إن لم تكن قد أَخَذْتَ عطيّة الله أو ترتيل المزامير اطْلُب بحرارة وإلحاح فستأخذ.]

ثالثًا: سر مسحة المرضى وسر الاعتراف

"أمريض أحد بينكم فليَدْعُ قسوس الكنيسة، فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب. وصلاة الإيمان تَشْفي المريض والرب يقيمه. وإن كان قد فعل خطيّة تُغْفَر له. اعترفوا بعضكم على بعض بالزلات، وصلوا بعضكم لأجل بعض لكي تُشْفَوْا. طِلْبَة البار تقتدر كثيرًا في فعلها. كان ايليا إنسانًا تحت الآلام مثلنا، وصلى صلاة أن لا تمطر، فلم تمطر على الأرض ثلاث سنين وستة أشهر ثم صلى أيضًا فأعطت السماء مطرًا وأخرجت الأرض ثمرها".. ]15- 18[

الكنيسة كأم تترفق بأولادها ومسئولة أن تُشْبِع لهم احتياجاتهم ليس في ترفُّه أو تنعُّم، ولكن بالقدر الذي به يسلكون في طريق الصليب. لذلك إذا مرض الإنسان "فليَدْعُ قسوس الكنيسة". وقد سَلَّمنا الآباء الصلوات التي يصليها الكهنة من أجل المريض. وقد وُضِعَتْ بإرشاد الروح القدس، وقد سبق التعليق عليها، إنما نذكر هنا عنها:

1. إنها توجه أنظار المؤمن المريض جسديًا إلى خلاص نفسه والاهتمام بالشفاء الروحي. وما أكثر الفصول من الكتاب المقدس والصلوات التي يبتهل بها الكاهن من أجل غفران خطايا المريض ومن معه، وخطايا الكاهن نفسه، وجهالات كل الشعب.

2. تشترط الكنيسة أن يُلازم سِرَّ مسحة المرضى سِرَّ الاعتراف "اعترفوا بعضكم على بعض بالزلات"، وهنا واضح أن الذي يعترف هو المريض للكاهن وليس الكاهن للمريض.

يقول القديس أغسطينوس بأنه [هل عندما يُقال "علموا بعضكم بعضًا" نفهم منها أن التلميذ يعلم المعلم أو واضح أن المعلم هو الذي يعلم التلميذ، وهكذا أيضًا عندما نقول "اشفوا بعضكم بعضًا" واضح أن الطبيب هو الذي يَشْفِي المريض. [

3. "ويدهنوه بزيت باسم الرب"... فالسرّ هنا لا يعتمد على برّ الكاهن وصلاحه بل على "اسم الرب". فالعامل فيه هو الروح القدس. غير أن إيماننا شرط أساسي في السرّ "وصلاة الإيمان تَشْفي المريض والرب يقيمه".

فالكنيسة كعروس الرب تطلب بروح عريسها أن يقيم أولادها، لكنها تقدم مشيئته لا مشيئتنا الذاتية، فقد يكون لخير المريض - رغم مغفرة خطاياه - أن يبقى في المرض لأجل تأديبه أو تزكيته أو بحكمة إلهيّة أخرى كما حدث مع بولس الرسول. لذلك تصلي الكنيسة قائلة:

[يا من أقام ابن الأرملة وابنة الرئيس من الموت لما أمرهما بالقيام وأقام لعازر من بعد موته بأربعة أيام من الجحيم بسلطان لاهوته أقِمْ عبدك هذا من موت الخطيّة، وإن أمرتَ بإقامته إلى زمان آخَر، فامنحه مساعدة ومعونة لكي يُرضيك في كل أيام حياته.

وإن أمَرْتَ بأخذ نفسه فيكون ذلك بيد ملائكة نورانيين يخلصونه من شياطين الظلمة - انْقُلْه إلى فردوس الفرح ليكون مع جميع القديسين بدمك الذي سُفِكَ من أجل خلاصنا الذي به اشتريتنا لأنك أنت رجاؤنا...]

4. يقدّم الرسول لنا مثلاً في الإيمان، وهو كعادته يوبخ المؤمنين بأمثلة من رجال العهد القديم. فالسماء خضعت لإيليا حينما أصدر لها أمرًا لكي تمتنع عن المطر (1مل 17: 1) ومن هو إيليا هذا؟ إنه إنسان تحت الآلام مثلنا، أي تحت الضعف مثلنا!

ونلاحظ أن النبي صلى من أجل السماء لكي تمتنع عن إسقاط المطر، ليس انتقامًا لنفسه، بل تأديبًا للشعب الذي ترك عبادة الله الحي وعبد إله الصيدونيين، فاستجاب الله له، فكم بالأكثر تكون قوة صلاة الكنيسة عروس المسيح في سرّ المسحة من أجل شفاء المريض، روحيًا أولاً ثم جسديًا.

يقول العلامة ترتليان: [اسْتُخْدِمَتْ صلوات العهد القديم من أجل الخلاص من النيران (دا ٣) والوحوش (دا ٦) والمجاعات (يع ٥) مع أنهم لم يكونوا قد استلموا الصلاة من السيد المسيح، فكم بالأكثر تكون فاعليّة الصلاة المسيحيّة قويّة جدًا إذ لا تأتي بالملائكة لكي تُهدِّيء من عمل النار ولا تُبْكِم الأسود ولا تُقدِّم للجائع خبزًا طازجًا (٢ مل ٤: 42-44). إنها ليس لها نعمة نَزْع مشاعر الألم (أي نزع التجارب) بل تَهَب الألم والشعور به والحزن، هذا كله مع الاحتمال. إنها تُغَذِّى الهبة بالفضيلة.]

رابعًا: في حالة انحراف أحد الإخوة

"أيها الإخوة إن ضل أحد بينكم عن الحق فَرَدَّه أحد. فليعلم أن من رَدَّ خاطئًا عن ضلال طريقه، يخلص نفسًا من الموت، ويستر كثرة من الخطايا" ]19- 20[.

ختم الرسول رسالته بهذه العبارة. ومع أنه عالج في الرسالة أمورًا كثيرة تكشف عن ضعفات الذين أرسَلَ إليهم الرسالة، مثل محبة التعليم وحب الظهور وكثرة الكلام والمحاباة للأغنياء في أماكن العبادة والقسم، إلاَّ أنه يختم الرسالة بألا يكفوا عن أفعالهم هذه، إذ سبق أن أرشدهم إلى ذلك، بل أن يبحثوا عن الخروف الضال.

والسبب في هذا أنه بهذا "يخلص نفسًا من الموت" هي نفس الذي ضل، "ويستر كثرة من الخطايا" أي خطايا الباحث عن الضالين. لأنه كما نستر على الضالين بِرَدِّهم إلى طريق الحق، يستر الله أيضًا علينا من جهة خطايانا الكثيرة. ففي تَرَفُّقْنَا بالساقطين يقيمنا الرب معهم ويتراءف علينا.

ويقول القديس بينوفيوس: [وأيضًا مع الرحمة والإيمان تُمْحَى الذنوب إذ "بالرحمة والحق يُسْتَر الإثم" (أم ١٦: ٦)... وذلك كما بواسطة شوقنا نحو خلاص الذين ضلوا وسَعْيِنا وتَعَبِنا بإنذاراتنا ووعظنا.]

ويقول القديس غريغوريوس: [إن كان الذي يخلِّص إنسانًا من الموت الجسدي - مع أنه لم يمت اليوم يموت غدًا - فإنه يستحق مكافأة عظيمة، فأية مكافأة يستحقها من يخلِّص نفسًا من الموت الأبدي، ويُسَبِّب لها مجدًا أبديًا لا تخسره أبدًا!]

ويقول القديس يوحنا الدرجي: [التقرب بنفس واحدة إلى الله بالتوبة أفضل عند الله من جميع القرابين، إذ ليس في العالم عند الله أفضل من النفس الإنسانيّة، لأن كل ما في العالم يزول إلاَّ النفس المذكورة فإنها خالدة.]

ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [لِنُوِلْوِلْ عليهم أشدَّ من ولولة النساء النادبات، لأنهم يجهلون خلاصهم، لأن المرأة لا تحب رجلها هكذا كما نحب نحن كافة الناس لنجذبهم للخلاص.]

[إن رأيتَ أعمى يسقط في هوة، أما تمد يدك إليه وتسنده حالاً. فكيف إذن يسوغ لنا أن نرى إخوتنا ساقطين في مثل هذه المخاطر ولا نمد إليهم يد الإغاثة، وهم مشرفون على السقوط في الحفرة الجهنميّة الخالدة؟]

[متى رأيتَ إنسانًا محتاجًا إلى شفاء روحي أو جسدي، لا تقل في نفسك إن هذا من عمل فلان أن ينقذه من شره ويَشفيه. فإنني أنا علماني ولي زوجة وأولاد، وهذا من عمل الكهنة والرهبان. أجبني يا هذا هل لو وجدتَ وعاءً مملوءًا ذهبًا تقول في نفسك لِمَ لا يأخذ هذا الوعاء فلان أو فلان... بل تبادر كالذئب الخاطف وتأخذه قبل أي إنسان. ليكن لك هذا الاشتياق بالنسبة لإخوتك الساقطين، واضعًا في نفسك أنك وجدتَ كنزًا ثمينًا جدًا وهو اعتناؤك بأمر خلاص أخيك. هوذا الله نفسه يقول على فم رسوله إنك إن أنقذتَ إنسانًا من الضلالة تخلص نفسًا من الموت!]

1 هلم الان ايها الاغنياء ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة
2 غناكم قد تهرا و ثيابكم قد اكلها العث
3 ذهبكم و فضتكم قد صدئا و صداهما يكون شهادة عليكم و ياكل لحومكم كنار قد كنزتم في الايام الاخيرة
4 هوذا اجرة الفعلة الذين حصدوا حقولكم المبخوسة منكم تصرخ و صياح الحصادين قد دخل الى اذني رب الجنود
5 قد ترفهتم على الارض و تنعمتم و ربيتم قلوبكم كما في يوم الذبح
6 حكمتم على البار قتلتموه لا يقاومكم
7 فتانوا ايها الاخوة الى مجيء الرب هوذا الفلاح ينتظر ثمر الارض الثمين متانيا عليه حتى ينال المطر المبكر و المتاخر
8 فتانوا انتم و ثبتوا قلوبكم لان مجيء الرب قد اقترب
9 لا يئن بعضكم على بعض ايها الاخوة لئلا تدانوا هوذا الديان واقف قدام الباب
10 خذوا يا اخوتي مثالا لاحتمال المشقات و الاناة الانبياء الذين تكلموا باسم الرب
11 ها نحن نطوب الصابرين قد سمعتم بصبر ايوب و رايتم عاقبة الرب لان الرب كثير الرحمة و راوف
12 و لكن قبل كل شيء يا اخوتي لا تحلفوا لا بالسماء و لا بالارض و لا بقسم اخر بل لتكن نعمكم نعم و لاكم لا لئلا تقعوا تحت دينونة
13 اعلى احد بينكم مشقات فليصل امسرور احد فليرتل
14 امريض احد بينكم فليدع شيوخ الكنيسة فيصلوا عليه و يدهنوه بزيت باسم الرب
15 و صلاة الايمان تشفي المريض و الرب يقيمه و ان كان قد فعل خطية تغفر له
16 اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات و صلوا بعضكم لاجل بعض لكي تشفوا طلبة البار تقتدر كثيرا في فعلها
17 كان ايليا انسانا تحت الالام مثلنا و صلى صلاة ان لا تمطر فلم تمطر على الارض ثلاث سنين و ستة اشهر
18 ثم صلى ايضا فاعطت السماء مطرا و اخرجت الارض ثمرها
19 ايها الاخوة ان ضل احد بينكم عن الحق فرده احد
20 فليعلم ان من رد خاطئا عن ضلال طريقه يخلص نفسا من الموت و يستر كثرة من الخطايا




السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ اصحاح 5 من رسالة يعقوب +
+ عودة لتفسير رسالة يعقوب +