إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

المسيح على الصليب أكثر جمالاً وجلالاً من كل أصحاب التيجان فلنغنى له ونقول " الرب قد ملك لبس الرب الجلال "

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى اصحاح 3 جـ2 PDF Print Email
هذه النصوص لو اقتطفت من الكتاب المقدس منفصلة من غير ربطها ببقية السفر أو ما يسبقها أو يليها، ربما تدفع بالإنسان إلى فهم أن كل إنسان يخطئ أية خطية (لأنه من أخطأ في واحدة كسر الناموس كله) ليس ابنًا للَّه بل لإبليس، مما قد يدفع به إلى اليأس.

عندما تطلع إليها البعض منفصلة عن بقية الكتاب المقدس سقطوا في بدعة وجود معموديتين: إحداهما معمودية الماء الشكلية من يصطبغ بها يبقى معرضًا للخطية ولا يتمتع بالخلاص. والثانية معمودية الروح، ومن يتمتع بها يتحصن من الخطية ولا يخطئ ولا يستطيع أن يسقط في تجربة. ويبررون قولهم هذا بأنه لو كان في معمودية الماء يولد الإنسان ميلادًا جديدًا، فلماذا يتعرض المعمدون للخطية، ويسقطون مع أن أولاد اللَّه لا يخطئون؟ ففي نظرهم محتاجون إلى معمودية الروح.

لكننا نتساءل لماذا لم يذكر السيد المسيح في حديثه مع نيقوديموس عن المعمودية هكذا، إذ لم يقل: "إن كان أحد بعد عماده بالماء لا يولد من الروح" بل قال: "يولد من الماء والروح" دون أن يفصلهما عن بعضهما البعض؟ ولم يرد في الكتاب المقدس ولا في تاريخ الكنيسة أن التلاميذ والرسل وخلفاؤهم كانوا يعمدون بالماء ثم يعودوا ليعمدوا بالروح؟!

ثم لو كان حديثهم صحيحًا فهل كل من يتعرض للسقوط أو يسقط فعلاً يكون محتاجًا إلى معمودية الروح لأنه لم يصطبغ بها بعد؟! وعلى هذا يكون يوحنا الحبيب أثناء كتابته للرسالة قائلاً: "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا" لم يعتمد بعد بالروح؟! وبولس الرسول الذي قال: "ليس ساكن فيّ أي في جسدي شيء صالح" (رو 7: 18)، لم يعتمد أيضًا بالروح؟

ولماذا لم يطلب ربنا يسوع من أساقفة أو ملائكة كنائس آسيا الذين حذرهم في سفر الرؤيا طالبًا منهم التوبة أن يعتمدوا بالروح؟!

لكن كما يقول القديس مرقس الناسك:

[العماد المقدس عمل كامل ويهبنا الكمال، إلاَ أنه لا يكمل إنسانًا... يفشل (يهمل) في تنفيذ الوصايا...

والإنسان يتوجه بإرادته حيثما يحب، حتى بعد المعمودية، إذ لا تسلبنا المعمودية حريتنا. فعندما يقول الكتاب المقدس "ملكوت السماوات يغتصب" (مت 11: 12)، إنما يتكلم عن الإرادة الخاصة بكل شخصٍ، حتى لا يعود يلتفت كل منا - بعد ما تعمد - إلى الشر، وإنما يثبت في الخير.

والذين نالوا قوة لتنفيذ الوصايا، يوصيهم الرب كمؤمنين أن يجاهدوا فيها حتى لا يرتدوا عنها...

"لقد لبستم المسيح بالمعمودية" (غل 3: 27)، "وملكتم قوةً وسلطانًا لهدم ظنون" (٢ كو 10: 5). ولكن إذ نلتم هذه القوة للغلبة عليها، مع ذلك لم تعملوا على هدمها منذ اللحظة الأولى التي تخطر الظنون فيها على بالكم، فمن الواضح أنكم محبون للشهوات في عدم إيمان حتى أنكم قبلتموها وتصادقتم معها.]

لكن ما هو تفسير الآيات السابقة؟

1.رأي القديس أغسطينوس

[يقول الرسول: "كل من هو مولود من اللَّه لا يفعل الخطية"... وفي نفس الرسالة يقول: "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا" فماذا يفعل الإنسان إزاء هذين القولين في نفس الرسالة؟ فإن اعترف أنه خاطئ يخشى لئلا يقال عنه أنه ليس مولود من اللَّه، وإن قال أنه صالح ولا يخطئ يواجه القول الثاني "نضل أنفسنا"...

فالرسول يقصد خطية معينة لا يستطيع المولود من اللَّه (كابن للَّه) أن يرتكبها. هذه الخطية متى ارتكبها صار الإنسان مخطئًا في الكل... ألا وهي كسر الوصية؟ "وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضًا" (يو 13: 34).]

وهكذا يرى القديس أغسطينوس أنه يستحيل على الإنسان كابن للَّه ألا يحب إخوته، فإن لم يحب إخوته يكون قد انحرف عن السمة التي وهبت له وهي المحبة.

هذا أيضًا ما نادى به الأب شيريمون مطالبًا المعتمدين أن يتشبهوا باللَّه بأن يظهروا محبة هادئة داخلية نحو الصالحين والطالحين...

2. رأي البابا أثناسيوس الرسولي

يرى القديس أن [الكلمة ارتدى جسدًا مضمدًا كل لدغة الحية، نازعًا كل شرٍ ينبع عن عواطف الجسد، مبطلاً أيضًا الموت المصاحب للخطية... وكما كتب يوحنا: "لأجل هذا أظهر ابن اللَّه ينقض أعمال إبليس".]

هذه هي الإمكانية المعطاة لنا كأولاد للَّه، فصار لنا أن نهزم أعمال إبليس بالرب يسوع لكن ليس قهرًا بل حسب إرادتنا، أي إن ثبتنا فيه وتمسكنا به.

3. رأي العلامة ترتليان

[يؤكد الرسول أننا لا نخطئ قط، وقد عالج هذا بتوسع حتى لا نذعن للخطية، موضحًا لنا أن الخطايا قد نقضها السيد المسيح فصار لنا أن نسلك في النور... غير أن هناك بعض الخطايا اليومية التي يرتكبها الإنسان ونخضع جميعًا لها... فإن لم نجد عفوًا عنها يصير الخلاص مستحيلاً بالنسبة للجميع.]

4. رأي القديس إيرونيموس (چيروم)

[أما المنطق الثاني لجوفنيانوس فهو أن الإنسان الذي اعتمد لا يقدر الشيطان أن يجربه (يسقطه). ولكي ما يهرب جوفيانوس مما يتهم به بأن قوله هذا سخيف، يضيف قائلاً: "ولكن متى جرب أحد فإنه بهذا يظهر أنه قد اعتمد بالماء وليس بالروح، وذلك كما في حالة سيمون الساحر. وفي هذا يقول يوحنا "كل من هو مولود من اللَّه لا يفعل خطية لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من اللَّه. بهذا أولاد اللَّه ظاهرون وأولاد إبليس" [٩-١٠]. وفي النهاية يقول الرسول "كل من ولد من اللَّه لا يخطئ بل المولود من اللَّه يحفظ نفسه والشرير لا يمسه" (1يو 5: 18).]

هذا يمكن أن يكون صعبًا بحق ويعجز الإنسان عن حل المشكلة تمامًا لو لم يكمل الرسول قائلاً: "أيها الأولاد احفظوا أنفسكم من الأصنام" (١ يو 5: 21). فلو كان المولود من اللَّه لا يخطئ قط ولا يقدر الشيطان أن يجربه فكيف يأمرهم محذرًا إياهم من التجربة؟!

كذلك نقرأ في الرسالة: "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا، ويطهرنا من كل إثم. إن قلنا أننا لم نخطئ نجعله كاذبًا وكلمته ليست فينا" (١ يو 1: 8-10).

إنني افترض أن يوحنا قد اعتمد وكتب لأناس معمدين، وإني أتصور أن كل خطية هي من الشيطان، فإننا نجد يوحنا يعترف هنا بنفسه أنه خاطئ ويترجى الغفران بعد عماده.

ماذا أقول يا صديقي جوفيانوس؟! هل الرسول يناقض نفسه؟ حاشا! إنما يوضح الرسول سبب حديثه هذا بقوله: "يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. إن أخطأ أحد فلنا شفيع... بهذا نعرف أننا قد عرفناه إن حفظنا وصاياه..." (١ يو 2: 1-6).

إن سبب حديثي لكم يا أولادي بأن المولود من اللَّه لا يخطئ، هو لكي لا تخطئوا، حتى تعرفوا أنه طالما أنتم تخطئون فأنتم غير ثابتين في الميلاد الذي يهبه اللَّه لكم.

نعم. إن الذين يثبتون في ذلك الميلاد لا يخطئون، لأنه "أية شركة للنور مع الظلمة؟! وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟!" (٢ كو 6: 14-15). وكما يتميز النهار عن الليل، هكذا البرّ عن الشر، والخطية عن الأعمال الصالحة، والمسيح عن ضد المسيح.

إن كنا نعطي المسيح مسكنًا في قلوبنا، فلنطرد الشيطان من هناك.

إن كنا نخطئ ويدخل الشيطان خلال باب الخطية، ينسحب المسيح للحال.

وهنا يقول داود "رد لي بهجة خلاصك" (مز 51: 12)، أي رد الفرح الذي فقدته بالخطية.

أيضًا "من قال قد عرفته ولا يحفظ وصاياه، فهو كاذب وليس الحق فيه" (١ يو 2: 4). والمسيح هو الذي يدعي بالحق (يو 14: 6)، فباطلاً نفتخر به ذاك الذي لا نحفظ وصاياه...

يلزمنا ألا نظنه أمرًا عظيمًا أن نعرف اللَّه الواحد، إن كان حتى الشياطين تؤمن وترتعب. "من قال أنه ثابت فيه ينبغي أنه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضًا" (1 يو 2: 6).

فلخصمنا (جوفيانوس) أن يختار بين أمرين: هل هو ثابت في المسيح أم لا؟!

إن كان ثابتًا فيه فليسلك كما سلك المسيح. ولكن إن كان هناك استهتار بالتمثل بفضائل ربنا، يكون غير ثابتٍ في المسيح، لأنه لا يسلك كما سلك المسيح "الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر الذي إذ شُتم لم يكن يشتم عوضًا" (١ بط 2: 22)... وإليه جاء رئيس هذا العالم ولم يجد فيه شيئًا...

أما بالنسبة لنا، فنتطلع إلى ما جاء في رسالة يعقوب "في أشياء كثيرة نعثر كلنا" (يع 3: 2)، لأنه ليس أحد طاهرًا من دنس ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض.

ولكي لا نسقط في اليأس المطبق فنظن أننا إن أخطأنا بعد المعمودية لا يمكننا أن نخلص، قال: "وإن أخطأ أحد فلنا شفيع (محام)... "

لقد وجه هذا القول للمؤمنين الذين نالوا العماد، وهو يعدهم بالرب كمحامٍ يدافع عنهم من جهة خطاياهم، وهو لا يقول: "فلكم شفيع" بل "فلنا شفيع" حتى لا يظن أحد أنه يقول هذا عمن عماده مفتقر إلى الإيمان الحقيقي...

باطلاً يكون لنا محام هو يسوع المسيح، لو أن الخطية مستحيلة بالنسبة لنا...

إننا نقول في الصلاة الربانية: "واغفر لنا ذنوبنا... ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير". فلو أننا نعد العماد لا نخطئ لما طلبنا الغفران عن خطايا غفرت فعلاً في المعمودية! لماذا نصلي لكي لا ندخل في تجربة وننجو من الشرير لو أن الشيطان لا يستطيع أن يجربنا؟!

بولس الإناء المختار يقمع جسده ويستعبده لئلا بعد ما كرز للآخرين هو نفسه يكون مرفوضًا (1 كو 9: 27).ويخبرنا أنة أُعطى شوكة في الجسد رسول الشيطان ليلطمه لئلا يرتفع (2 كو 12: 7). ويكتب إلى أهل كورنثوس "ولكنني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح" (٢ كو 11: 3). وفي موضع أخر يقول "لئلا يطمع فينا الشيطان لأننا نجهل أفكاره"(2 كو 2: 11). وأيضًا "وإن من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" (١ كو 10: 12)... ويحدث المتزوجين قائلاً: "ثم تجتمعوا أيضًا لكي لا يجربكم الشيطان بسبب عدم نزاهتكم" (١ كو 7: 5).

ويكتب إلى أهل أفسس: "فإن مصارعتنا ليس مع لحم ودم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات" (أف 6: 12)، فهل يظن أحد أننا في أمان ويلزمنا أن ننام بعد ما نعتمد؟!

ويقول في رسالته إلى العبرانيين: "لأن الذين استنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية وصاروا شركاء الروح القدس. وذاقوا كلمة اللَّه الصالحة وقوات الدهر الآتي وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضًا للتوبة إذ هم يصلبون لأنفسهم إبن اللَّه ثانية ويشهرونه" (عب 6: 4-6). ونحن لا نقدر أن ننكر أن الذين استناروا هم معمدين... فلو أن المعمدين لا يخطئون فكيف يقول عنهم الرسول هنا "سقطوا"؟

إن فونتنيانوس ونوفاتيوسيبتسمان لهذا قائلين بأنه يستحيل التجديد (الذهني) مرة أخرى خلال التوبة بالنسبة للذين صلبوا ابن اللَّه وشهروا به...

ولكن يصحح هذا الخطأ (في الفهم) ما جاء بعد ذلك "ولكننا قد تيقنا من جهتكم أيها الأحباء أمورًا أفضل ومختصة بالخلاص، وإن كنا نتعلم هكذا. لأن اللَّه ليس بظالمٍ حتى ينسى عملكم وتعب المحبة التي أظهرتموها نحو اسمه، إذ قد خدمتم القديسين وتخدمونهم" (عب 6: 9-10). فلو أن اللَّه يعاقب على الخطية ولا يهتم بالأعمال الصالحة لنسبنا بهذا للَّه ظلمًا عظيمًا. لكن كأن الرسول يقول لهم إنني أتحدث معكم بهذا لكي أسحبكم من خطاياكم وأجعلكم أكثر حرصًا خشية اليأس. ولكنني أيها الأحباء إنني أتتبع أمورًا أفضل بالنسبة لكم، وأمورًا فيها خلاص. فإنه لا يليق مع بر اللَّه أن ينسى أعمالكم الصالحة إذ بالحقيقة خدمتم القديسين وتخدمونهم من أجل اسمه، فيتذكر خطاياكم وحدها.

وإذ يعلِّم يعقوب الرسول أن المعمدين يمكن أن يجربوا ويسقطوا في تجربة اختيارهم يقول: "طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة. لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه" (يع 1: 12). ولئلا نظن أننا نجرب من اللَّه كما جاء عن إبراهيم في سفر التكوين، أضاف قائلاً: "لا يقل أحد إذا جرب أني أجرب من قبل اللَّه. لأن اللَّه غير مجرب بالشرور. وهو لا يجرب أحدًا. لكن كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية، والخطية إذ أكملت ننتج موتًا"

لقد خلقك اللَّه بإرادة حرة، فلا نلزم قسرًا تجاه الفضيلة أو الرذيلة، وإلاَ ما كان يوجد إكليل....]


السابق 1 2 3 التالى
+ إقرأ إصحاح 3 من رسالة يوحنا الرسول الأولى +
+ عودة لتفسير رسالة يوحنا الرسول الأولى +
 


13 توت 1737 ش
23 سبتمبر 2020 م

تذكار الأعجوبة التي صنعها القديس باسيليوس الكبير أسقف قيصرية
نياحة البابا متاؤس الثاني "90"

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك