إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

جاهد في شبابك لتفرح في كبرك

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 2 جـ2 PDF Print Email
"وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم". [3]

إذ لا يمكن إدراك طبيعة الروح القدس كما الآب والابن لذلك قدم لنا العهدان القديم والجديد رموزًا كثيرة تكشف عن طبيعة عمل الروح القدس فينا، أهمها:

1- الحمامة: ففي سفر النشيد يمتدح العريس السماوي عروسه، قائلا: عيناكِ حمامتان". يُعجب بعروسه التي تتطلع دومًا إلى روحه القدوس القادر وحده أن يوحدها معه، ويجملها لتحمل أيقونته. يتطلع إلى عينيها، فيرى من تتطلع إليه، لأن العينين تحملان صورة من تنظران إليه. هذا وعمل الروح القدس هو الاستنارة، فإذ يسكن في قلب المؤمن ينير عينيه الداخليتين لكي تستطيعا رؤية عريسها وأمجاده، وتتحقق من وعوده الصادقة.

والسيد المسيح نفسه يطلب من عروسه: "كونوا بسطاء كالحمامة" حيث تحمل العروس سمة بساطة عريسها فلا تقبل تعقيدًا، بل تسلك في طريقه الواحد بلا انقسام في القلب.

- "ها أنتِ جميلة يا حبيبتى (صاحبتي)، ها أنت جميلة؛ عيناكِ حمامتان" (نش 1: 15)...

الآن، وقد ظهر جمالها الكلي امتدح جمال عينيها. يقول العريس إن عينيها حمامتان، وهذا يحمل المعنى الآتي: عندما تكون العينان صافيتين حينئذ تعكس صورة من ينظر إليها بوضوح.

يقول خبراء الظواهر الطبيعية إن العين ترى من خلال استقبال انعكاس الصور المنبثقة من الأشياء المرئية.

لذلك يُمتدَح جمال العروس، لأن صورة الحمامة منطبعة في عينيها.

عندما يتطلع إنسان ما إلى أي شيءٍ، يستقبل في ذاته صورة هذا الشيء.

الإنسان الذي قد تخلى عن الحياة الملموسة، أي اللحم والدم يتطلع إلى الحياة الروحية، فيسلك في الروح، وبالروح يميت أعمال الجسد. هذا الإنسان قد صار بالكلية في الروح، فلا يعود الإنسان إلى الطبيعة الجسدانية. لهذا تُوصف النفس التي تخلصت من أهواء الجسد أن صورة الحمامة تظهر في عينيها، وهذا يعنى أن خاتم الحياة الروحية يشع نورًا من داخلها؛ تصبح العين نقية. النفس التي حصلت على صورة الحمامة قادرة على رؤية الجاذبية الروحية للعريس. تنظر العروس إلى عريسها، عندما تكون صورة الحمامة في عينيها، فترى جماله الروحي.

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

2- المياه،
خاصة الأمطار، فالمطر المبكر يشير إلى عمل الروح القدس في العهد القديم حيث قدم كثير من النعم الإلهية، خاصة نعمة النبوة عن شخص السيد المسيح وعمله الخلاصي، والمطر المتأخر يشير إلى عمله في العهد الجديد حيث يقطن ويستقر في النفس، فلا يُحسب ضيفًا كما في العهد القديم، بل يقيم من الإنسان الداخلي هيكلاً مقدسًا له، يسكن فيه. يحول المطر البرية إلى فردوس يفيض بثمارٍ إلهية لا حصر لها.

ربط السيد المسيح بين الإيمان به والتمتع بالروح القدس الذي يشبه ينبوعًا إلهيًا يفيض في أحشاء المؤمن الروحية، فتجري منه أنهار مياه حية (يو 7: 38).

- الروح القدس هو النهر الذي يفيض - حسب العبرانيين - من المسيح إلى الأراضي. وقد قبلنا هذا كما تنبأ فم إشعياء (إش 12:66). هذا النهر العظيم الذي يفيض على الدوام ولن يتوقف، ليس فقط نهرًا، بل هو أيضًا أحد المجاري الغزيرة التي تفيض عظمة، كما قال داود: "مجرى النهر يفرح مدينة اللَّه" (مز 4:46). فلا ترتوي تلك المدينة، أورشليم السماوية، بقناة، أي بنهرٍ أرضيٍ، بل بالروح القدس المنبثق من مصدر الحياة. المجرى الذي يصدر عن ذاك الذي يشبعنا، يبدو أنه يفيض بوفرة بين العروش السماوية والسيادات والقوات والملائكة ورؤساء الملائكة، جاريُا في أكمل نصيب لفضائل الروح السبع.

القديس أمبروسيوس

3- الريح: وكما نسمع هنا عن الريح العاصف الذي هزّ البيت عند حلول الروح القدس على التلاميذ.

4- النار: حل الروح القدس على التلاميذ في شكل ألسنة من نار. فقد تحقق قول القديس يوحنا المعمدان عن حمل الله أنه يعمد بالروح القدس ونار. هذه هي النار التي جاء السيد المسيح لكي يرسلها إلى البشر (لو ١٢: ٤٩).

ظهر الروح القدس على شكل ألسنة نارية منقسمة على كل واحدٍ منهم، إشارة إلى ما يقدمه لهم من تنوع للألسنة واللغات حتى يتمكنوا من الكرازة بين الأمم، ولكي يدرك اليهود أن الله ليس إله العبرانيين وحدهم، إنما هو إله كل البشر، يتحدث مع كل أمةٍ بلغتها التي تتفاهم بها.

شعروا بالروح القدس أنه أشبه بريح خفي، "الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها، لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب، هكذا كل من وُلد من الروح" (يو 3: 8). ظهر كألسنة منقسمة كأنها من نار وهي ليست نارًا مادية، إنما نار تحرق الخطية، وتبدد كل ما هو مقاوم لله وبرِّه، حتى يتحقق فينا برّ المسيح وقداسته وحقه وعدله الإلهي.

يرى البعض أن الروح القدس ظهر أولاً على شكل ومضات نارٍ متلألئة، صادرة من الأعالي، سرعان ما انقسمت إلى ألسنة واستقرت على رؤوس الرسل. وقد جاء في النسخ السريانية وأيضًا في الأثيوبية القديمة "جلست عليهم". وكأن الروح القدس جلس واستقر متربعًا على رؤوس الرسل بكونها عرش الله وهيكله الإلهي، بعد أن فارق الروح الإنسان زمانًا طويلاً. لم يعد الروح زائرًا مؤقتًا بل جلس ليملك ويجدد ويقود كنيسته عاملاً فيها عبر الأجيال حتى يدخل بها إلى السماء كعروسٍ مزينة لعريسها السماوي. استقرار الألسنة النارية يؤكد أن ما يروه ليس وهمًا وتخيلات.

لقد ظهر الله لموسى النبي في شكل نارٍ متقدة في العليقة دون أن تحترق (خر ٣: ٢-٣)، وظهر له على الجبل وسط رعود وبرق ونارٍ ودخان علامة حضرته وقوته (خر ١٩: ١٦-٢٠).

"استقرت على كل واحد منهم"، أي من الإثني عشر، إذ ارتاح في كيانهم الرسولي ليقيم منهم هيكلاً مقدسًا يسكن فيه (1 كو 3: 16)، يعمل فيهم وبهم، إذ صاروا منتسبين لله، مكرسين له وحده.

ما شغل التلاميذ ليس الريح ولا الصوت ولا النار، وإنما سكنى الروح فيهم ليعمل بهم لحساب ملكوت الله وبنيانه.

- إن كان اللَّه نارًا، فهو نار لكي ينتزع برد الشيطان.

القديس جيروم

- يليق بخادم الرب أن يكون مجتهدًا وحذرًا. نعم وأكثر من هذا يكون ملتهبًا كاللَّهيب، حتى أنه بروح غيورة يدمر كل خطية جسدانية، فيستطيع الاقتراب من اللَّه، الذي بحسب تعبير القديسين يُدعى "نارًا آكله".

البابا أثناسيوس الرسولي

[بخصوص الروح القدس الذي حلّ على شكل ألسنة نارية]

- كانت (الألسنة) من النار، وذلك ربما لقوته المطهرة (لأن كتابنا المقدس يعرف النار المطهرة، يجدها كل شخصٍ يطلبها)، أو ربما لأجل جوهره. لأن اللَّه نار آكلة، نار تحرق ما هو شرير.

القديس غريغوريوس النزينزي

- إن كانت تلك النار تمسك بنا، ليتها تجدنا صلدين لا تقدر على إبادتنا. بالأحرى ليتنا نصلي أن تحرق هذه النار فينا أشواك خطايانا المدمرة والمبيدة.

الأب قيصريوس أسقف آرل

- لا تعجب عندما تقرأ أن اللَّه الآب يقول: "أنا هو نار آكلة". مرة أخرى يقول: "تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة" (إر 13:2). وأيضًا الرب يسوع مثل نارٍ يلهب قلوب سامعيه، ومثل ينبوع مياه... فقد قال بنفسه في إنجيله إنه جاء ليُلقي نارًا على الأرض (لو 49:12)؛ ويهب ينبوع مياه حية للعطشى (يو 37:7-38).

- يُظهر إشعياء النبي أن الروح القدس ليس فقط نورًا بل أيضًا هو نار، قائلاُ: "وتصير نور إسرائيل نارًا" (إش 17:10). هكذا يدعوه الأنبياء نارًا حارقة... لأننا نرى عظمة اللاهوت؛ والتقديس الذي له، والإنارة كسمة للنور والنار، لهذا عادة يُشار إلى اللاهوت ويُرى في شكل نارٍ، وكما يقول موسى: "اللَّه نار آكلة".

فإن موسى نفسه رأى النار في العليقة، وسمع اللَّه عندما جاء الصوت من لهيب النار يقول له: "أنا إله إبراهيم، وإله اسحق، وإله يعقوب" (خر 6:3). خرج الصوت من النار، وكان الصوت في العليقة، والنار لم تؤذها. فالعليقة كانت ملتهبة لكنها لم تُستهلك، إذ كان سرّ الرب مُعلنًا، أنه يأتي ليُنير جسدنا، وليس أن يهلك من كانوا في بؤسٍ، بل يزيل بؤسهم. إنه ذاك الذي يعمّد بالروح القدس ونارٍ، فيُعطي نعمة ويحطم الخطية (مت 11:3). هكذا في رمز النار يحفظ اللَّه قصده.

- بحق تُستهلك الذبيحة (بالنار) لأنها عن الخطية، بحق كانت النار رمزًا للروح القدس... الذي يغفر خطايا الجميع، والذي مثل نار يًلهب ذهن المؤمن وقلبه كذلك. لهذا فإن إرميا بعد قبوله الروح يقول: "صار في قلبي كنارٍ ملتهبة في عظامي، وأنا لم أحتملها".

القديس أمبروسيوس

- أنت أيها الرب نار آكلة، تحرق اهتماماتهم التي بلا حياة، وتجددهم أبديًا.

- عندما يرسل الرب جمره (الملتهب نارًا) نطلب الوحدة، ويتحطم ما قد بُني فينا للشر. وعندما يتطهر هذا الموقع (القلب) يقوم بناء الهيكل، المسكن، حيث يفيض فيه نوع من السعادة تنبع عن الأبدية.

لكنني لست أريد أن تفقدوا ما يعنيه المرتل بالحديث عن "الجمر" (مز ١٢٠: ٤). فالرجوع إلى الرب هو عبور من الموت إلى الحياة. قبل أن يشتعل يلزمنا القول أنه ميت. وإذ يلتهب بالنار ندعوه حيًا. هذه صورة رائعة للتغير الذي يحدث حين يعود رجل أو امرأة إلى الرب بعد أن كان ميتًا.

نسمع الناس يقولون أحيانًا بتعجبٍ: "يلزمك أن تراه كما كان عليه قبلاً. لقد كان سكيرًا، حياته كانت مخجلة". أو "لقد أحب الحياة الصالحة". أو "كان أكبر مخادعٍ التقيت به". ثم يضيف بعد ذلك: "لست أصدق ما هو عليه الآن. إنه يخدم الله بكل غيرة، إنه يعيش في جوٍ من البراءة. كأن كل ما قد حدث قبلاً لم يكن له وجود". ما هو وجه العجب؟ فقد كان الخاطئ ميتًا، والآن هو جمر حي.

يبكي الروحيون الذين يعرفون تلك الحقائق الروحية الخاصة بمثل هذا كمن على ميتٍ، والآن إذ يرونه حيًا يُبتلعون بالفرح!

في هذا المثال يوجد أمر أود أن تطبقوه على أنفسكم. لقد صرنا مبتهجين نسبح الله، إذ نرى أحدًا قد صار جمرًا أمسكت به النار. لكننا إن كنا حكماء يلزمنا أن نبحث في غيرة عما في داخلنا وقد انطفأ.

كن مستعدًا ومتسلحًا بكلمة الله.

لكي تتحولوا إلى الله يلزمكم أن تحاربوا طريقكم القديم، تتحولوا عن الصوت المخادع في داخلكم.

- قال الرب نفسه: جئت لألقي نارًا على الأرض" (لو 12: 49). ومن ثمة يقول الرسل أيضًا: "حارين في الروح" (رو 10: 11)، لأن منه تأتي غيرة الحب، "لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطي لنا " (رو 5: 5). وعلى نقيض هذه الغيرة ما قاله الرب: "تبرد محبة الكثيرين" (مت 24: 12). فإن الحب الكامل هو العطية الكاملة للروح القدس.

القديس أغسطينوس


 


20 توت 1737 ش
30 سبتمبر 2020 م

نياحة القديسة ثاؤبستى
نياحة البابا أثناسيوس الثاني 28
استشهاد القديسة ميلاتيني العذراء

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك