إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لا تيأس ولا تقلق اللَّـه يبحث عن خلاص الخطاة الذين يقدرون والذين لا يقدرون ، فهو يشفق عليك ويمنحــك التوبــة ويقويــك

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 7 جـ2 PDF Print Email

"وقال له: أخرج من أرضك، ومن عشيرتك، وهلُمّ إلى الأرض التي أُريك". [3]

قدم إبراهيم أقوى مثل في الإيمان (عب 11: 8-9)، صورة حية لبساطة الثقة في الله. إن كان إبراهيم قد ترك بالإيمان أرضه وعشيرته وبيت أبيه لينطلق إلى حيث لا يعلم، فإنه يليق بأبناء إبراهيم ألا يرتبطوا بأمرٍ زمنيٍ بطريقةٍ حرفيةٍ كالإنتساب الجسدي لإبراهيم أو ممارسة العوائد اليهودية أو الافتخار بمبنى الهيكل.

خرج إبراهيم ليزحف إلى بلاد لا يعرف طبيعتها ولا سمات سكانها، وليس له جيش أو أسلحة ليغزو المناطق، كل سلاحه وإمكانياته هو "الوعد الإلهي".

جاءت دعوة الله لإبراهيم بالطاعة له، بالخروج من أرضه ومن عشيرته وبيت أبيه. وكأنه يقول لهم: أنتم لستم مثل أبيكم إبراهيم، لأنكم عوض الطاعة "دائمًا تقاومون الروح القدس" [51].

"فخرج حينئذ من أرض الكلدانيين، وسكن في حاران، ومن هناك نقله بعدما مات أبوه إلى هذه الأرض، التي أنتم الآن ساكنون فيها". [4]

إن كان اللَّه قد دعا إبراهيم أب المؤمنين ليتحرّك من أرض الكلدانيّين "ما بين النهرين" إلى حاران، ثم إلى كنعان؛ وكان إبراهيم مطيعًا للدعوة، لذا يليق بنا ألا نتشبّت بأرض معيّنة، بل نخضع لخطة اللَّه قائدنا، ليحركّنا كيفما يشاء وليس حسب فكرنا البشري.

يليق بنا كأبناء لإبراهيم أن ندخل مع اللَّه في عهدٍ، فنرتفع معه فوق العالم، ونحيا بالإيمان في طاعة للَّه، فنتمتّع باللقاء مع إله المجد.

أبرز القدّيس أن إبراهيم لم يتحرّك إلى أرض الموعد إلا بعد موت أبيه في حاران، وكأن تحرّكات إبراهيم لم تكن حسب تحرّكات أسرته، بل حسب خطّة اللَّه بالنسبة له شخصيًا. وكأنّه يدعوهم أن يتحرّكوا هم أيضًا ليست حسب ما نال آباؤهم، أي الارتباط بكنعان، بل حسب خطّة اللَّه للخلاص في العالم كلّه.

كان إبراهيم أداة طيعة في يد الله، وقد نقله إلى "هذه الأرض التي أنتم الآن ساكنون فيها". لم يقل الأرض التي امتلكتموها أو ورثتموها، فقد قتلوا ابن صاحب الكرم الوريث الحقيقي والوحيد، وصاروا سكانًا مُعرضين للطرد، إذ يُنزع عنهم الكرم ليُسلم لمؤمني العهد الجديد، كما سبق فأعلن السيد المسيح نفسه.

"ولم يعطه فيها ميراثًا، ولا وطأة قدم، ولكن وعد أن يعطيها ملكًا له ولنسله من بعده، ولم يكن له بعد ولد". [5]

لا يُحسب تجديفًا إن كان السيّد المسيح يعلن عن نقض هذا الموضع لكي يقودنا إلى كنعان السماويّة، إنّما هذه حركة إلهيّة تكملة لخطته في تحرّك إبراهيم من كور الكلدانيّين إلى حاران ثم إلى كنعان، واستعباد نسله في مصر ودعوتهم للخروج إلى كنعان. الآن يطلب المخلّص الخروج من الارتباط الحرفي بكنعان للعبور إلى كنعان السماويّة.

عاش إبراهيم متجولاً كمن ليس له موضع إقامة دائم يستقر فيه. كل ما امتلكه المقبرة التي أصر أن يدفع ثمنها، ليدفن فيها زوجته سارة (تك 23). هذه اشتراها بماله ولم ينلها وعدًا من الله، لكن الله وهبه نعمة في أعين بني حث.

إذ ورثها أبناؤه حُسبت الأرض ملكًا له، فما يناله الابن يحسب الأب المحب أنه قد تمتع هو به.

نال الوعد بأن يرثها أبناؤه حين كان شيخًا وزوجته عاقرًا، لكنه آمن بالوعد الذي تحقق تمامًا.

كانت بركة إبراهيم تكمن، لا في الأرض التي وُعد أن يرثها أبناؤه، وإنما في الوعد الإلهي نفسه. لم ينل إبراهيم وطأة قدم في كنعان، بل نال وعدًا أن يملكها ولنسله من بعده. ملكها إبراهيم بالإيمان، وأعطاها لنسله اسحق الذي قدمه محرقة. فالميراث مشروط بالإيمان، كإيمان إبراهيم، والطاعة الباذلة لله، كطاعة اسحق. إنه ميراث مشروط: "إن شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض، وإن أبيتم وتمردتم تؤكلون بالسيف، لأن الرب تكلم " (إش 1: 20).

- أنظروا كيف يرفع أفكارهم بعيدًا عن (امتلاكهم) للأرض... فقد جاء (لإبراهيم) وترك كلاً من أقربائه والأرض. لماذا لم يعطه الأرض؟ حقًا كانت رمزًا لأرضٍ أخرى.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وتكلم اللَّه هكذا أن يكون نسله متغربًا في أرض غريبة، فيستعبدوه، ويسيئوا إليه، أربعمائة سنة"". [6]

لكي يتمتع نسل إبراهيم بالميراث يلزمه أولاً أن يتحمل الغربة، ويختبر العبودية، فيتوق إلى الحرية، ويقّدر قيمة الميراث المجاني.

يذكرهم القديس استفانوس بتغرب أبناء إبراهيم أربعة قرون في مصر قبل خروجهم إلي البرية ليدخلوا أرض الوعد. وقد ذكر 400 سنة كرقمٍ تقريبيٍ لرقم 430 كما جاء في غل 3: 17. تبدو خطّة اللَّه للخلاص بطيئة بلا تسرّع، إذ ترك نسل يعقوب أربعمائة عام في الغربة بمصر، لكنّها محكمة وآمنة ويقينيّة.

يرى العلامة ترتليان أن الناموس الذي سُلم لموسى هو ناموس الله القائم قبل موسى، وأن هذا الناموس يفتح باب الإيمان للأمم، إذ يتنبأ عن ذلك.

- نحن نفهم أن ناموس الله سابق حتى لموسى، لم يُعط أولاً في حوريب، ولا في سيناء، ولا في البرية، بل هو أقدم من هذا بكثير، إذ وجد أولاً في الفردوس، وأعيد تشكيله بعد ذلك من أجل الآباء البطاركة، ثم أُعيد مرة أخرى لليهود في أوقات أخرى.

العلامة ترتليان

"والأمة التي يستعبدون لها، سأدينها أنا يقول اللَّه، وبعد ذلك يخرجون، ويعبدونني في هذا المكان". [7]

إن كان الله يسمح باستعباد نسل إبراهيم إلى حين ليتمتعوا بالميراث فإن فرعون وجيشه الذي يتشامخ على الله وعلى شعبه يسقط تحت الدينونة والهلاك، بينما يخرج الشعب ليعبد الله.

- ذاك الذي وعد بأن يهب الأرض هو نفسه سمح بالشرور (الضيقات). الآن أيضًا يعد بالملكوت، ومع هذا يسمح لنا أن نُختبر بالتجارب. إن كان في ذلك الوقت لم تُعطَ الحرية إلاَّ بعد أربعمائة سنة فأي عجب (إن سمح بالضيقات) من أجل الملكوت؟ مع هذا حقق وعده؛ انتظار الوقت لم يبطل كلمته.

- الله غني في طرقه ووسائله ليخرجنا من الضيقات. لقد أظهر فوق كل شيء أن الأمة تزايدت جدًا بالمقاومة ضدها، بينما اُستبعدت وأُسيء معاملتها لكي تفنى. وهذا هو عظمة الوعد. فلو أنها نمت في أرضها لم يكن الأمر عجيبًا. ولم يكن هذا لفترة قصيرة حين كانت في أرضٍ غريبة، بل لمدة أربعمائة عام. هنا نتعلم درسًا عظيمًا لفلسفة الاحتمال. لم يعاملهم كسادةٍ بل كعبيدٍ. بل وكأعداء وطغاة، وقد سبق فأخبرهم أنهم ينالون حرية عظيمة، هذا ما يعنيه بالقول: "يخرجون ويعبدونني في هذا المكان" [٧] في حصانةٍ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"وأعطاه عهد الختان، وهكذا ولد اسحق، وختنه في اليوم الثامن، واسحق ولد يعقوب، ويعقوب ولد رؤساء الآباء الاثنى عشر". [8]

إن كان اليهود يتهمون القديس استفانوس بالتجديف على الله وعلي موسى وأنه سيغير عوائدهم، فإن إبراهيم أباهم نال الوعد الإلهي قبلما ينال الوصية بالختان، التي يحسبها اليهود صلب العوائد اليهودية وعمودها الفقري. لقد تبرر إبراهيم بالإيمان قبل أن يُختتن. لم يقدم الله لإبراهيم وصية أخرى سوى "عهد الختان"، فلم نسمع عن وصية حفظ السبت، ولا طقوس للتطهيرات، ولا إقامة بيت خاص بالله (خيمة الاجتماع أو الهيكل). ومع هذا حُسب إبراهيم واسحق ويعقوب محبوبي الرب، وظل اسم الله بعد موتهم يُدعى: "إله إبراهيم وإله اسحق، وإله يعقوب".

هكذا يود القديس استفانوس أن يسحب قلوبهم إلى الوصية الإلهية أو العهد الإلهي، ألا وهو ختان القلب والآذان.

"ورؤساء الآباء حسدوا يوسف، وباعوه إلى مصر، وكان اللَّه معه". [9]

يوضح لهم القديس استفانوس أن ما يعانون به من غيرة شريرة وحسد ليس بالأمر الجديد، بل هو قديم قدم الإنسان نفسه. في بدء خلقة الإنسان تسلل الموت إلى آدم وحواء بحسد إبليس، وها هو في بدء تكوين شعب الله سلم رؤساء الآباء (أبناء يعقوب) أخاهم يوسف خلال الحسد. وعندما جاء ربنا يسوع المسيح سلمه الرؤساء للموت بحسدهم له. والآن يقف استفانوس في المجمع ليحاكم لحسدهم إياه. فالذين يطلبون قتله الآن هم حفدة رؤساء الآباء الذين باعوا أخاهم عبدًا بحسدهم له.

- أيها الأخ المحبوب إن حسدك لما هو خير، وغيرتك ممن هم أفضل منك يبدوان في نظر البعض كما لو كانا خطأ تافهًا وطفيفًا. وإذ يُنظر إليه (الحسد) كما لو كانا تافهًا وليس ذا قيمة لا يُخشى منه. وإذ لا يُخشى منه يُستهان به. وإذ يُستهان به يصعب تحاشيه. ولهذا فإن الحسد ضرر مظلم وخفي. فإذ لا ندرك أنه ينبغي على الحكيم أن يتحاشاه، يتسرب خفية إلى العقل غير الحذر ويجعله مضطربًا.

أضف إلى هذا، أمرنا الرب أن نكون حكماء، وأوصانا أن نلاحظ باهتمام بالغ لئلا يتسرب ذلك العدو، الذي يقف متربصًا دائمًا، فيزحف خفية إلى صدورنا، ويشعل من الشرارات لهيبها، ويضخم الأمور الصغيرة. وهكذا بينما نستنشق الهواء اللطيف والنسيم الناعم بلا حذر، إذ بالعواصف والزوابع تهب، فتعمل على إفساد الإيمان، وتدمير الخلاص والحياة.

لهذا ينبغي علينا أيها الأخ الحبيب، أن نكون حذرين متسلّحين بكل القوة، مراقبين بدقة كاملة، حتى نطرد العدو الثائر الذي يصوب أسهمه إلى كل جزء من أجزاء جسدنا الذي يمكن أن يضرب أو يجرح، وذلك كما يحذرنا الرسول بطرس، ويعلمنا في رسالته قائلاً: اصحوا واسهروا، لأن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه هو" (1 بط 8:5).

في كل الأمثلة الذي أصيب بالضرر الحاسد نفسه، أما الذي حسده فكان الرب معه، لا يقدر الحسد أن يبث سمومه فيه.

- لو نظر أي إنسان بدقة إلى (سهام الحسد)، فسيجد بأنه ليس هناك ما ينبغي أن يُحذر منه ويراعيه أكثر من أن يؤخذ أسيرًا بواسطة الحسد والحقد. فليس أحد يسقط في الأشراك الخفية للعدو الخبيث بحيث يرتد من الحسد إلى الكراهية، إلا ويهلك بسيفه هو شخصيًا دون أن يعلم.

- يكون الضرر تافهًا والخطر بسيطًا عندما تًجرح الأطراف بسيفٍ، فيكون الشفاء هيّنًا مادام الجرح واضحًا، ويُستخدم الدواء. فالقرحة التي تُرى يمكن علاجها بسهولة. أما جراحات الحاسدين فهي مخفيّة وسرّية، ولا تقبل علاجًا لشفائها، فتغلق على نفسها آلامًا مخفية داخل مكامن الضمير.

- منذ بداية العالم كان الشيطان هو أول من أهلك نفسه ودمًر الآخرين. لقد انكسر بالغيرة مع الحسد المملوء ضغينة ذاك الذي كان في العظمة الملائكية، مقبولاً أمام الله ومحبوبًا عنده.

إنه لم يرشق الآخرين بغريزة الغيرة قبل أن يرشق نفسه بها، ولا بالأسر قبل أن يؤسر هو، ولا بالدمار قبل أن يهلك. وفي إغرائه بالغيرة، أفقد الإنسان نعمة الخلود الموهوبة له، وهو نفسه فقد تلك التي كانت له سابقًا.

يا لها من شرور عظيمة أيها الأخوة الأحباء، فقد أسقط الحسد الملاك، وأزال مجد عظيم وبهي، فذاك التي خدع به الآخرين هو نفسه خُدع به.

الشهيد كبريانوس

"وأنقذه من جميع ضيقاته، وأعطاه نعمة وحكمة أمام فرعون ملك مصر، فأقامه مدبرًا على مصر، وعلى كل بيته". [10]

بينما يبيع رؤساء الأسباط أخاهم عبدًا ليتخلصوا منه، إذا بالله ينقذه من جميع ضيقاته ويعطيه نعمة وحكمة ويهبه مجدًا في أرض مصر. فمقاومة الرؤساء لم تهز شخصية يوسف، بل تحولت لمجده. وكأنه يحذرهم من مقاومته له في الحق الإلهي، فسيؤول هذا حتمًا لمجد الله، ومجد خادمه الأمين.

- يُظهر أن القديسين غير مستثنيين من التجربة، لكنهم ينالون عونًا في ذات التجارب... فالتجارب جعلت يوسف أكثر مجدً، وكما فعل الملك مع موسى بأمره قتل الأطفال لكي يُقتل موسى. فلو لم يصدر الأمر هكذا لما انسحب موسى إلى البرية وتمتع بالرؤيا وتأهل لها. هكذا الذي بيع كعبدٍ جعله الله ملكًا هناك بينما ظنوا أنه عبد. هكذا فعل المسيح في موته مؤكدًا سلطانه، فإنه يملك كملكٍ حيث هم باعوه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

ما تمتع به يوسف لم يكن إلا نعمة مجانية لله، إذ وهبه نعمة في أعين الكثيرين، كما وهبه حكمة، ففسر الأحلام في السجن كما بالنسبة لفرعون (تك 41).




 


16 توت 1737 ش
26 سبتمبر 2020 م

تكريس كنيسة القيامة بأورشليم على يد القديس أثناسيوس الرسولي سنة 42ش
نقل جسد القديس يوحنا فم الذهب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك