إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لا توجد ضيقة دائمة تستمر مدى الحياة لذلك في كل تجربة تمر بك قل : مصيرها تنتهي سيأتي عليها وقت وتعبر فيه بسلام إنما خلال هذا الوقت ينبغي أن تحتفظ بهدوئك وأعصابك ، فلا تضعف ولاتنهار ، ولاتفقد الثقة في معونة الله وحفظه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 7 جـ5 PDF Print Email
4. العليقة والأرض المقدسة

"ولما كملت أربعون سنة، في لهيب نار عُلِّيقة". [30]

الآن تبدأ قصة الخروج وموسى في أضعف حالاته كغريبٍ هاربٍ من وجه فرعون. هنا أعلنت السماء تحركها للخلاص، فقد ظهر يهوه على شكل نارٍ متقدة في عليقه، ينزل ليقدس الأرض، ويقود شعبه إلى كنعان. إنها قصة التجسد الإلهي حيث تحمل العذراء مريم في أحشائها جمر اللاهوت، ويقود السيد المسيح البشرية إلى كنعان السماوية، محررًا إياهم من عبودية إبليس.

هنا للمرة الثانية يوضح استفانوس أن ظهور الله لمؤمنيه غير مرتبطٍ بأورشليم؛ ظهر لإبراهيم فيما بين النهرين، وظهر لموسى النبي على جبل سيناء. تقدست الأرض بحلول الله، ليس في هيكل سليمان ولا في قدس الأقداس، وإنما على جبل سيناء... بهذا يدفع استفانوس السامعين إلى عدم التعصب لأرض الموعد ومدينة أورشليم والهيكل، فإن الله يود أن يقدس العالم كله!

- قطن موسى في البرية؛ فبعد أن أكمل 40 عامًا من عمره هرب من مصر، ولمدة أربعين عامًا رعى قطعان يثرون، أما يوحنا فجاء إلى البرية منذ ولادته. "الأعظم بين مواليد النساء" (مت 11: 11)، كان بالحق مستحقًا أن يتمتع بتربيةٍ أعظم. يقول النبي عنه: "ها أنا أرسل ملاكي أمام وجهك" (ملا 3: 1؛ مت 11: 10).

العلامة أوريجينوس

- أزال عنه كرامة الملوكيّة بإرادته (إذ ترك قصر فرعون) كأنّها تراب ينفضه بإزالته من قدميه (عب 11: 24-26). عزل نفسه عن المجتمع البشري لمدّة أربعين عامًا، وعاش منفردًا مركّزًا نظره بثبات على العزلة والتأمّل في غير المنظورات (عب 11: 27). بعد هذا استنار بنورٍ لا يعبّر عنه، وحرّر الأجزاء السفليّة التي لنفسه من الثوب الميّت المصنوع من الجلد.

القدّيس غريغوريوس النيسي

يرى القدّيس غريغوريوس النيسي في انطلاق موسى النبي إلى البرّيّة ليعيش فيها أربعين عامًا راعيًا للغنم، رمزًا لانطلاق النفس إلى حياة السكون، ترعى حركاتها الداخليَّة كقطيع، كما كان موسى يرعى الغنم هناك. [بنفس الطريقة سنحيا حياة توحد، فلا نعود نسقط في أشراك أعداء ولا أن نوجد في وسطهم، بل سنحيا بين الذين هم مثلنا في ميولنا وفكرنا التي نقوتها، فترعى كل حركات نفوسنا مثل غنم وتتغذّى على الإرادة التي للفكر المُهتدى.]

"فلما رأى موسى ذلك تعجب من المنظر، وفيما هو يتقدم ليتطلع، صار إليه صوت الرب". [31]

ما أدهش موسى النبي هو منظر العليقة التي بها لهيب نار ولم تحترق. إنه منظر عجيب يحمل صورة حية لكلمة الله المتجسد، فقد تجسد ولم يحترق الناسوت بنار اللاهوت الذي لا يُمكن الاقتراب إليه.

يمثل هذا المنظر أيضًا كنيسة الله سواء في العهد القديم أو الجديد؛ فقد كان إسرائيل وسط نار الاضطهاد في مصر ولم يحترق، لأن الله نفسه أرسل لهم موسى، رمز السيد لمسيح، مخلصًا. وتبقى الكنيسة في العهد الجديد وسط نيران الضيقات التي تعجز عن أن تحرقها.

يشير هذا المنظر أيضًا إلى القديسة مريم بكونها حملت كلمة الله في أحشائها، هذا الذي يُدعى نارًا آكله، لكنها لم تحترق، إذ قدسها روحه القدوس، وهيأها لحلول الكلمة فيها وقبول جسدٍ منها.

لم يرَ موسى النبي الجوهر الإلهي، لكنه رأى العليقة الملتهبة نارًا بكونها رمزًا للتجسد الإلهي، لكنه سمع صوت الرب وتعّرف عليه.

"أنا إله آبائك، إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، فإرتعد موسى، ولم يجسر أن يتطلع". [32]

يتحدث الله مع موسى النبي معلنًا: "أنا إله آبائك، إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب". وكأنه يرجع بذاكرة موسى إلي الوعد الإلهي لهؤلاء الآباء المحبوبين لديه! وقف موسى في رعدةٍ، لا يجسر أن يرفع عينيه ليرى وجه الرب.

كأن الله يعلن لموسى النبي: "أنا هو إله آبائك، إله إبراهيم، وإله اسحق، وإله يعقوب؛ كما إني أنا هو إلههم واهب الوعود ومقيم العهد معهم، أنا هو إلهك الذي يقيم معك العهد. موت إبراهيم واسحق ويعقوب لم يعطل العهد، لأنه وإن مات هؤلاء فأنا حي أهبهم الحياة. إنهم في عيني ليسوًا أمواتًا بل أحياء".

صارت الأرض مقدسة، مؤهلة للسجود عليها لله، وليس للدوس عليها بالنعلين. تمتع موسى بالسجود بالروح والحق، وليس في حرفية العبادة وشكلياتها.

ارتعد موسى، ولم يجسر أن يتطلع إلى المنظر، فقد أدرك أن المتحدث هو صوت الرب واهب الوعود لآبائه إبراهيم واسحق ويعقوب. تمتع موسى النبي بصوت الرب، وأدرك ان خلاله يحقق الله إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب وعوده.

لقد أُتهم القديس استفانوس أنه يجدف على الله وعلى موسى (6: 11) وقد كاد اليهود أن يؤلهوا موسى النبي، لهذا مع تقديم القديس استفانوس كل توقيرٍ واحترامٍ لموسى النبي، يكشف هنا أنه إنسان مجرد، عاجز عن التطلع حتى إلى العليقة الملتهبة نارًا، ويرتعد حين يسمع الصوت الإلهي، إنه يخضع للآلام، خاصة للخوف عندما يتجلى مجد الله وينكشف جلاله أمامه.

يرى القدّيس غريغوريوس النيسي في العلّيقة المتّقدة بلهيب نار إشراق النور الإلهي علينا خلال تجسّد الكلمة. فقد صار جسدًا لكي يلقي بنوره على البشر. يقول أيضًا: [لئلاّ يظن أحد أن البهاء لم يصدر عن مادة، لم يشرق النور من نجمٍ من بين الكواكب، بل صدر عن علّيقة أرضيّة، فاق في بهائه كل الكواكب السماويّة. نتعلّم من هذا أيضًا سرّ العذراء: النور الإلهي الذي أشرق منها خلال الميلاد على الحياة البشريَّة لم يحرق العلّيقة الملتهبة، كما أن بتوليّتها لم تتحطّم بإنجابها.]

"فقال له الرب: اخلع نعل رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة". [33]

خلع الحذاء يحمل معنى رمزيًا سبق لنا الحديث عنه في دراستنا لسفر الخروج (ص 3) وفي سفر التثنية (25: 7-10). إذ يرى العلامة أوريجينوس في هذا إشارة إلى التخلي عن محبة الأمور الزمنية الميتة، لأن الأحذية كانت تصنع من جلود الحيوانات بعد ذبحها، وخلع محبة الظهور، لأن الجلد يُستخدم في الطبول التي تعطي أصواتًا عالية بلا عمل إشارة إلى حب المظاهر.

أيضًا جاء في الشريعة أنه إن رفض إنسان الزواج بأرملة أخيه ليقيم له منها نسلاً يخلع حذاءه ويسمى "بيت مخلوع النعلين" (تث 5:25-10)، وكأن موسى عند خلعه الحذاء أعلن أنه ليس بعريس الكنيسة، وهكذا الأسقف أو الكاهن أو الشماس يخلعون أحذيتهم عند دخولهم الهيكل ليؤكدوا أن المسيح وحده هو عريس الكنيسة.

- لم تُذكر كلمة "هيكل"، ومع ذلك فالموضع مقدس بظهور المسيح وعمله. فإن الموضع أكثر دهشة من قدس الأقداس، إذ لم يُذكر في موضع آخر أن الله ظهر هكذا، ولا قيل أن موسى ارتعد إلاَّ في هذا الموضع.

لقد ظهرت عظمة حنو رعايته...

انظروا كيف يُظهر أن الله بحنوه كما بتأديباته وبمعجزاته قد يقرّبهم إليه، لكنهم بقوا كما هم. الله حاضر في كل موضع، هذا ما يجب أن يتعلموه! إذ نسمع هذه الأمور ليتنا نهرب إليه في ضيقاتنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يعلّمنا النور ما ينبغي علينا أن نفعله حتى نقف داخل أشعّة النور الحقيقي. فإنّه لا يمكن للأقدام المنتعلة (بنعلين جلديين) أن تصعد إلى ذلك العلوّ الذي فيه يُرى نور الحق. لهذا وجب خلع أغطية الجلد الميّتة والأرضيّة عن النفس، هذه التي التحفت بها طبيعتنا في البداية عندما وُجدنا عراة بسبب عصياننا للإرادة الإلهيَّة. عندما نفعل هذا تثمر معرفة الحق وتعلن عن ذاتها.

القدّيس غريغوريوس النيسي

"إني لقد رأيت مشقّة شعبي الذين في مصر، وسمعت أنينهم، ونزلت لأنقذهم، فهلُم الآن أرسلك إلى مصر". [34]

يعتزّ اليهود بموسى النبي جدًا، بكونه القائد العظيم الذي خلّص آباءهم من عبوديّة فرعون لينطلق بهم إلى البرّيّة حتى يرثوا أرض الموعد. الآن يكشف ما وراء حب موسى لشعبه ورعايته وقوّته، إنّها حب اللَّه نفسه الذي نزل بنفسه إليهم إذ رأى وسمع، رأى مشقّتهم، وسمع أنينهم، أمّا موسى فهو مُرسل كأداة في يد اللَّه: "فهلمّ الآن أرسلك إلى مصر" [34]. الذي أرسله وهبه نصرت متوالية ونجاحًا في تحقيق رسالته.

يقدم القديس استفانوس ملخصًا لما سجله موسى النبي بالتفصيل في خروج 3: 7-10. أرسله الله إلى مصر، ليصارع فرعون، لا بقدراته وقوته، وإنما بعمل الله فيه. أرسله بعد أن عانى الشعب المشقة، وارتفع أنينهم إلى السماء، حتى يخرج بهم إلى البرية ليعيشوا قرابة أربعين سنة، فيفنى الجيل الذي حمل أوثان مصر في قلبه، ويدخل بجيلٍ جديدٍ إلى ارض الموعد.

ينسى الإنسان الله ويتجاهله، لكن الله لا ينسى الإنسان أينما وجد. لقد نزل إليهم ليسمع أنينهم وينقذهم، منفذًا وعوده ومخلصًا إياهم.

- من البداية قال لآدم: "بعرق جبينك تأكل خبزك" (تك ٣: ١٩). أيضًا لكي يخرجوا من الألم الشديد إلى الراحة، كان يلزمهم أن يشكروا الله. اسمعوا ما يقوله النبي: "خير لي أنك أذللتني" (مز ١١٩: ٧١). فإن كان الضيق نافع جدًا للعظماء المشهورين، فكم بالأكثر بالنسبة لنا.

- لنخضع نحن أنفسنا للصلاة. إنها سلاح قدير إن قُدمت بغيرةٍ، إن كانت بدون عجبٍ، إن كانت بذهنٍ مُخلصٍ. إنها تصد حروبًا، وتفيد الأمة كلها مع عدم استحقاقها. يقول: "سمعت أنينهم ونزلت لأنقذهم" [34]. إنها هي عينها دواء منقذ، له قوة لمنع الخطايا وشفاء الأفعال الشريرة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"هذا موسى الذي أنكروه قائلين: من أقامك رئيسًا وقاضيًا؟ هذا أرسله اللَّه رئيسًا وفاديًا، بيد الملاك الذي ظهر له في العليقة". [35]

كان الاتّهام الموجّه ضد القدّيس استفانوس أنّه يجدّف على موسى، الآن يعلن لهم القدّيس بأن اللَّه كرّم موسى إذ أرسله، وقد جاءت المقاومة المستمرّة والخطيرة من جانب آبائهم، الذين رفضوا رئاسته وحكمه كقاضٍ عليهم. في قسوة قلب وغلاظة رقبة كانوا دائمي التذمّر عليه، بل وحاولوا قتله أكثر من مرّة. فالقدّيس استفانوس لا يجدّف على موسى، بل يكرمه ويعجب منه كيف احتمل مقاومة شعبه له، دون أن يتخلّى عنهم أو يقاومهم.

حين قدم موسى نفسه لشعبه، ومد يده للعمل، انكشف حال الشعب، إذ رفض موسى كقائدٍ أو رئيسٍ أو قاضٍ، لكن حين أعلن الله عن حضوره الناري وهب موسى عمل الرئاسة والخلاص بكونه رمزًا للمخلص الحقيقي، ملك الملوك. فقد كان الشعب غليظ الرقبة ومتمردًا منذ عصر موسى؛ فما يفعله اليهود في أيام الرسل ليس بالأمر الغريب عن طبيعتهم. كان موسى رمزًا للسيد المسيح الذي رفضه البناءون فصار حجر الزاوية (أع 4: 21).

ما فعله آباؤهم بموسى النبي فعله الرؤساء بيسوع المسيح. لقد أنكروا العليقة المتقدة نارًا، ورفضوا قيادة موسى وعمله كقاضٍ وفادٍ من عبودية فرعون. الآن يرفض أبناؤهم الصليب المشرق بنوره، ويجحدون تجسد الكلمة الإلهي، ولا يقبلون يسوع ملكًا وفاديًا لنفوسهم. إنهم مقاومون أبناء مقاومين.

- إنه لأمر معتاد لدى اليهود أن يخطئوا للمحسنين إليهم، حتى وهم يقدمون لهم الإحسان.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"هذا أخرجهم، صانعًا عجائب وآيات في أرض مصر، وفي البحر الأحمر، وفي البرية أربعين سنة". [36]

نزل الله لإنقاذ شعبه وهم في مصر، ورافقتهم العناية الإلهية أثناء عبورهم بحر سوف وفي داخل البرية، ولم ينتظر ولا سألهم أن يذهبوا أولاً إلى أورشليم ويقيموا الهيكل وعندئذ يحل في وسطهم ويعمل فيهم.

لقد رافقتهم الآيات والعجائب الإلهية، ففي مصر أرسل الضربات العشرة ليخلصهم بيدٍ قويةٍ، وذراعٍ رفيعة (خر4- 12)، وفي البحر الأحمر شقه لكي يعبر الشعب بسلامٍ، بينما هلك فيه فرعون وكل جنوده (خر14، 15). وفي البرية خلال الأربعين عامًا كان يقدم لهم المن من السماء والماء من الصخرة (خر 16، 17 الخ).

لم يستخدم موسى خبراته العسكرية القديمة، لكن وهبه الله العجائب والآيات حتى يًرعب قلب فرعون وقلوب المصريين (خر 3: 19-21). وبقي هذا السلاح الإلهي في يد موسى ليعبر بالشعب بحر سوف، ويسير بهم في وسط البرية أربعين عامًا.


 


12 توت 1737 ش
22 سبتمبر 2020 م

انعقاد المجمع المسكوني الثالث بأفسس (431م - 147 ش) لمحاكمة نسطور
نقل أعضاء القديس الشهيد اقليمس وأصحابه
استشهاد القديس بفنوتيوس المتوحد بالصعيد
التذكار الشهري لرئيس الملائكة الجليل ميخائيل

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك