إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إذا ضعفت عن أن تكون غنيا لله فإلتصق بمن يكون غنيا به لتسعد بسعادته

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 8 جـ2 PDF Print Email
2. خدمة فيلبس في السامرة

"فالذين تشتّتوا، جالوا مبشرين بالكلمة". [4]

تحقق قول السيّد المسيح: "جئت لأُلقي نارًا، فماذا أريد لو اضطربت؟" (لو12: 49). فقد شعرت القيادات اليهوديّة بأن نار الكرازة بالمسيح المخلّص قد التهبت في أورشليم، وإذ أرادوا إخمادها صبّوا غضبهم وأثاروا الاضطهاد على من التهبت نفوسهم بنار الروح القدس. تشتّت المؤمنون خارج أورشليم، لكن لم يكن ممكنًا لقوّات الظلمة أن تطفئ نار الروح، بل التهبت النيران في المناطق المحيطة.

أرادوا طردهم من مدينة اللَّه أورشليم، فإذا باللَّه يقيم له مدنًا وقلوبًا يسكن فيها في مواضع كثيرة، بلغت إلى السامرة التي يكنّ اليهود لها كل عداوة.

تشتت المٌضطهدون، فجالوا يبشرون بالكلمة. وجاءت الكلمة اليونانية للتشتت تشير إلى نثر البذور. فقد أثمرت دماء الشهداء، وقدم الاضطهاد نموًا في حياة الكنيسة، فلم تحل بالكنيسة حالة من الإحباط والشكوى والتذمر والضيق، بل على العكس جال المُضطهدون ينثرون بذار الإيمان في بلادٍ كثيرةٍ، فلم يعد الإيمان حبيس مدينة أورشليم.

ليس من دليلٍ على أن الذين تشتتوا كانوا مُسامين للعمل الكرازي، بل كانوا من الشعب، فحيث يمتلئ القلب بالحب يفيض الفم بالحديث عن المخلص. ليس شيء أحب لدى المسيحي من الاهتمام بخلاص كل نفس، والعمل لحساب ملكوت الله كي يتمتع كل إنسان بعمل الله الفائق.

الكرازة أو الشهادة لإنجيل الخلاص هي عمل جوهري يمارسه كل مؤمن، سواء كان كاهنًا أو من الشعب، رجلاً أو امرأة، صاحب ثقافة عالية أو أمّيًا. بدون روح الكرازة يفقد المؤمن سمته كإنسانٍ مسيحيٍ. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أي نفع لمصباحٍ بلا نورٍ، وأي نفعٍ للمسيحي بدون المحبة (حبه لخلاص إخوته).]

في مقال عن رسالة المسيحي وجه القديس يوحنا الذهبي الفم حديثه للشعب، قائلاً:

[يا لها من خسارة عظيمة في الإخوة! قليلون هم الذين يهتمون بالأمور الخاصة بالخلاص.

يا له من جزء كبير من جسد الكنيسة يشبه الميت الذي بلا حراك!!

تقولون: وماذا يخصنا نحن في هذا؟

إن لديكم إمكانية عظمى بخصوص إخوتكم. فإنكم مسئولون إن كنتم لا تنصحوهم، وتصدون عنهم الشر، وتجذبونهم إلى هنا بقوة، وتسحبوهم من تراخيهم الشديد. لأنه هل يليق بالإنسان أن يكون نافعًا لنفسه وحده، بل يلزم أن يكون نافعًا لكثيرين أيضًا.

ولقد أوضح السيد المسيح ذلك عندما دعانا "ملحًا" (مت 13:5)، و"خميرة" (مت 33:13)، و"نورًا" (مت 14:5)، لأن هذه الأشياء مفيدة للغير ونافعة لهم.

فالمصباح لا يضيء لذاته، بل للجالسين في الظلمة. وأنت مصباح، لا لتتمتع وحدك بالنور، إنما لترد إنسانًا ضل، لأنه أي نفع لمسيحي لا يفيد غيره؟! ولا يرد أحدًا إلي الفضيلة؟!

مرة أخرى لا يُصلح الملح نفسه، بل يصلح الطعام لئلا يفسد ويهلك... هكذا جعلك الله ملحًا روحيًا، لتربط الأعضاء الفاسدة أي الإخوة المتكاسلين المتراخين، وتشددهم وتنقذهم من الكسل كما من الفساد، وتربطهم مع بقية جسد الكنيسة.

هذا هو السبب الذي لأجله دعانا الرب "خميرة"، لأن الخميرة أيضًا لا تخمر ذاتها، لكن بالرغم من صغرها تخمر العجين كله مهما بلغ حجمه. هكذا افعلوا أنتم أيضًا. فإنكم وإن كنتم قليلين من جهة العدد، لكن كونوا كثيرين وأقوياء في الإيمان والغيرة نحو الله. وكما أن الخميرة ليست ضعيفة بالنسبة لصغرها، إذ لها قوة وإمكانية من جهة طبيعتها... هكذا يمكنكم إن أردتم أن تجتذبوا أعدادًا أكثر منكم، ويكون لهم نفس المستوى من جهة الغيرة.]

"فانحدر فيلبس إلى مدينة من السامرة، وكان يكرز لهم بالمسيح". [5]

إذ كانت اليهوديّة تخشى ظهور استفانوس آخر يحاجج بروح القوّة، غالبًا ما تطلّعت إلى الرجل الثاني بعد استفانوس مباشرة وهو الشمّاس فيلبّس. هنا في طاعة لوصيّة السيّد المسيح ترك المدينة وهرب إلى مدينة أخرى (مت 10: 23). اضطرّ إلى ترك أورشليم والهروب إلى السامرة، لا خوفًا على حياته، وإنّما للكرازة بإنجيل الخلاص. لقد سمح اللَّه له بالضيق لكي ينطلق للعمل خارج أورشليم، فتتحقّق خطّة اللَّه. فقد صار نجاح الخدمة في السامرة جسرًا للعبور بالإنجيل إلى الأمم. لأن السامريّين هم شعب مهجّن من اليهود والأمم.

ليس من الواضح إن كان يتحدث عن مدينة السامرة أم يقصد الإقليم ككل، فكلمة "السامرة" في العهد الجديد غالبًا ما يُقصد بها الإقليم لا المدينة. هنا تحقق لغز شمشون: "يخرج من الآكل أكلاً، ومن الجافي حلاوة"، فقد أخرج الاضطهاد نموًا للكنيسة واتساعًا لها. إذ لم يهرب المُضطهدون خوفًا من الضيق والألم، بل في طاعة لوصية سيدهم أنهم متى اضطهدوهم يهربون إلى مدينة أخرى، لا في رعبٍ وخوفٍ، بل للشهادة في موقعٍ جديدٍ يقبل الكلمة. إنه هروب لأجل انتشار الكرازة ولتنصير العالم.

مدينة السامرة: يظن البعض أنها هي بعينها شكيم أو سوخار، مدينة المرأة السامرية التي التقت مع السيد المسيح (يو4: 25). كانت مدينة السامرة القديمة عاصمة إقليم السامرة، قام بتدميرها هركانوس Hyrcanus تدميرًا كاملاً حتى لم يبقَ لها أثر. وكما يقول المؤرخ يوسيفوس أنه نزع عنها العلامات ذاتها التي تدل على وجود مدينة هناك. قام هيرودس الكبير فيما بعد ببنائها ودعاها سبسطية Sebaste التي تعني أوغسطا Augusta، تكريما للإمبراطور أوغطس Augustus. ولعلها كانت مدينة السامرة، ويرى البعض أن المدينة هي جت Gitta.

انطلق الشماس التالي للقديس استفانوس، وكان مملوءً من الروح القدس للخدمة الإنجيلية لأهل السامرة، الذين وجد بينهم من سبقوا فاعترفوا: "نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم" (يو 4: 42).

"انحدر" وهو تعبير يطلق على كل من نزل من أورشليم بكونها مرتفعة على الجبل.

حُسب ذهاب القديس فيلبس إلى السامرة لتبشيرها خطوة شجاعة وجريئة، حيث يكرز رجل عبراني بين السامريين، بالرغم مما كان يحمله اليهود من عداوة للسامريين. غير أننا نقرأ في قصة المرأة السامرية (يو 4: 25) كيف كان السامريون يترقبون مجيء المسيا بكل شوقٍ وغيرةٍ.

سلك على منوال القديس استفانوس الذي كشف عن جوهر الإيمان المسيحي والتحرر من الطقوس اليهودية الحرفية، وكأنه كان تلميذًا له. وفي نفس الوقت فتح الباب أمام بولس الرسول ليكرز بين الأمم. وكان القديس فيلبس مع القديس استفانوس يمثلان حلقة الوصل بين بطرس الرسول رسول الختان وبولس الرسول رسول الأمم، أو بين كنيسة أورشليم وكنيسة الأمم.

جاءت كلمة "يكرز" تحمل معنى الإعلان عن ظهور ملكٍ. جاء القديس فيلبس يعلن لهم أنه قد جاء المسيا المنتظر لكي يملك. لم يكن الكارزون يبشرون بشيء آخر سوى تحقق النبوات والوعود الإلهية بمجيء يسوع المسيح مخلص العالم ليملك على القلوب.

"وكان الجموع يصغون بنفسٍ واحدةٍ إلى ما يقوله فيلبس، عند استماعهم، ونظرهم الآيات التي صنعها". [6]

دهشت المرأة السامريّة حين تحدّث معها يسوع المسيح طالبًا منها أن يشرب، ولم تصدّق نفسها، قائلة: "كيف تطلب منّي لتشرب، وأنت يهودي، وأنا امرأة سامريّة؟" (يو4: 9). الآن هوذا قادم السيّد المسيح في القدّيس فيلبّس المبّشر ليذبح العداوة، ويهبهم روح الحب حتى فيما بينهم، فكانت الجموع تصغي بنفسٍ واحدةٍ. قدّمت كلمة الإنجيل مصالحة بين النفس والجسد في الرب، ومصالحة بين السامريّين وبعضهم البعض ليحملوا النفس الواحدة، ومصالحة مع اليهود الذين قبلوا الإيمان، وحتى مع أعدائهم... هذا كلّه خلال مصالحتهم مع اللَّه واهب الحب والسلام.

شتان ما بين موقف اليهود وموقف السامريين، فاليهود كجماعة كانوا يقاومون الحق في أيام خدمة السيد المسيح كما في عصر الرسل، فكانوا يتحركون وراء القديس بولس ليفسدوا عمله في كل مدينة، لكن وُجد قلة قليلة قبلت الإيمان، أما السامريون ففي أيام خدمة السيد المسيح جاءت مدينة سوخار بأكملها لمجرد شهادة امرأة سامرية أنها وجدت من قال لها كل ما قد فعلته (يو4: 39-42)، وها هم في عصر الرسل قد أنصتوا للقديس فيلبس بنفسٍ واحدةٍ. تحركوا كجماعةٍ معًا لقبول الإيمان.

"لأن كثيرين من الذين بهم أرواح نجسة، كانت تخرج صارخة بصوتٍ عظيمٍ، وكثيرون من المفلوجين والعُرج شُفوا". [7]

إذ كان السامريون يتلهفون على مجيء المسيا، كانوا يصغون بنفسٍ واحدةٍ إلى ما يقوله فيلبس، وقد أيده الروح القدس بكلمات الحكمة واخراج شياطين وعمل أشفية، فتحولت المدينة إلى فرحٍ عظيمٍ، أو إلى عرسٍ سماويٍ.

كلما انتشرت كلمة الكرازة بالإنجيل انهارت مملكة إبليس، ولم يعد لعدو الخير بجنوده موضع في المؤمنين، ولا أن يجدوا راحة في عقولهم، لأنها صارت في حيازة المخلص، يقيم مملكته فيهم. إذ يدخل القدوس الإنسان الداخلي، ويتجلى داخل النفس، لا يمكن للأرواح النجسة أن تبقى فيها، ولا للظلمة أن تسيطر عليه.

"فكان فرح عظيم في تلك المدينة". [8]

كان القدّيس استفانوس قد صار موضوع سرور السماء، لأنّه تشبّه بمخلّصه حتى في لحظات رجمه، وحمل على ملامح وجهه سمات ملائكيّة، وصار الشهيد الأول والمثل الرائع للمؤمن شريك المسيح في صلبه. الآن زميله أو تلميذه فيلبّس موضوع سرور السامرة، عاصمة السامريّين، يفرحون لأنّهم اكتشفوا أنّهم موضوع حب اللَّه الفائق، وأن أبواب السماء مفتوحة أمامهم، وحضن اللَّه ينتظرهم. صار فيلبّس المبّشر الأول خارج أورشليم.

تهلّلت مدينة السامرة، فقد دخل إليها السيّد المسيح ليسكن في قلوب المؤمنين، محطمًا العداوة القديمة بينهم وبين اللَّه، وبينهم وبين اخوتهم اليهود، فقد جمع السيد اليهود والأمم معًا أعضاء في جسده المقّدس، الذي هو الكنيسة.

قبول الإنجيل أو البشارة المفرحة بالخلاص يرد النفس كما الجماعة إلى بهجة الخلاص. فتسمع هنا عن الفرح العظيم الذي عمّ مدينة السامرة. سرّه حلول السيد المسيح مصدر الفرح في أعماقهم وفي وسطهم. كما تهللوا حين رأوا مملكة إبليس تنهار تحت أقدامهم، ولم يعد للأرواح الشريرة سلطان عليهم. لقد شُفيت نفوسهم، كما رأوا المرضى جسديًا ينالون الصحة. أخيرًا، إذ صار لهم الروح الواحد، عمّ فيهم الفرح المشترك حيث يفرح كل عضو لفرح الأعضاء الأخرى ونموها.

البشارة بالخلاص أو بالإنجيل "الأخبار السارة" تنزع عن البشريَّة روح الكآبة التي ملكت عليهم بالخطيّة، لتقيم ملكوت اللَّه المفرح في أعماق النفس. فالمسيحيَّة دعوة لخبرة الحياة السماويّة المتهلّلة في الداخل.


 


19 توت 1737 ش
29 سبتمبر 2020 م

اليوم الثالث من أيام عيد الصليب المجيد
تذكار إصعاد القديس غريغوريوس البطريرك الأرمني من الجب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك