إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الطموح روحياً ليس معناه التفوق على الآخرين ، إنما تتفق موضوعياً ليس أن تتغلب على غيرك فى العمل إنما أن تتقن العمل أتقاناً مثالياً متمنياً لمنافسيك نفس الشئ فالطموح لا يضيع محبتك للغير

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 9 جـ5 PDF Print Email

4. تهريبه من دمشق

"ولما تمَّت أيام كثيرة تشاور اليهود ليقتلوه". [23]

تضم هذه الأيام الكثيرة الفترة التي قضاها الرسول في العربية ما بين عامين وثلاثة أعوام (غل 1: 18). لقد وضع اليهود خطة مع ممثل الملك أريتاس العربي لقتل الرسول بسب غيرته المتقدة ونجاح خدمته.

"فعلم شاول بمكيدتهم، وكانوا يراقبون الأبواب أيضًا نهارًا وليلاً ليقتلوه". [24]

لا نعرف كيف تعرف الرسول بولس على هذه الخطة التى أشار إليها في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس (2 كو 11: 32-33).

إذ شعروا بأن الخبر قد تسرب إلى القديس بولس حرسوا أبواب المدينة لكي لا يهرب. ربما كان الحاكم يهوديًا، وكان يشارك اليهود فكرهم، ويود الخلاص من القديس بولس. ولعله لم يكن يهوديًا، لكن اليهود في دمشق صوروا له الرسول بأنه مقاوم للسلطات، لذلك طلب الحاكم مراقبة تحركاته، دخوله المدينة وخروجه منها.

هكذا انتقل الرسول بولس بسرعة عجيبة من مضطهدٍ إلى مؤمنٍ، وبسرعة من مؤمنٍ إلى كارزٍ، وأخيرًا من كارز إلى رجل آلام يعرف كيف يتألم لأجل اسم المسيح. لقد أنعم عليه الرب ببركات دخوله في آلام كثيرة.

"فأخذه التلاميذ ليلاً، وأنزلوه من السور، مدلِّين إيّاه في سلَّة". [25]

انقسمت المجامع إلى ثلاثة فرق، فريق جاد في البحث عن خلاصه، اكتشف الحق خلال عمل الله الفائق في شاول الطرسوسي. فاشتهوا أن يروا ما رآه، ويختبروا ما يعيش فيه من فرح الملكوت. وفريق آخر وقف في حيرة بين ما ورثه من أفكارٍ وما يحمله من نظرة حرفية مع احترام وطاعة كاملة للسنهدرين وبين ما يرويه شاول الطرسوسي ويلمسوه فيه. وأما الفريق الثالث فأدرك أن الحل الوحيد هو قتل شاول حتى يصمت هذا الصوت الملتهب بالروح. لقد وضعوا خطة لمراقبة أبواب دمشق حتى لا يفلت من أياديهم. أخفاه المؤمنون في النهار وبالليل دلوه بزنبيل (سلة) من نافذة في سور المدينة، وذلك كما فعلت راحاب بالجاسوسين (يش 2: 15) وكما هرب داود من وجه شاول (1 صم 19: 12).

تصرف هؤلاء المؤمنين وقبول الرسول ذلك فيه تحقيق لوصية السيد المسيح الذي يطالب تلاميذه أن يهربوا من مدينة إلى أخرى متى اضطهدوهم (مت 10: 23).

لقد خدم وسط المجامع ثلاث سنوات كما ذكر في غلاطية ١: ١٨، لكن الدعوة الموجهة إليه هي خدمة أهل الغرلة لا الختان، لهذا كان لزامًا أن يُطرد من دمشق لينطلق للخدمة التي دُعي إليها. يروي لنا الرسول هذا الطرد: "في دمشق والي الحارث (أريتاس) الملك كان يحرس مدينة الدمشقيين يريد أن يمسكني، فتدليت من طاقة في زنبيل من السور، ونجوت من يديه" (٢ كو ١١: ٣٢-٣٣). لم يعرف أحد اسم الوالي الذي عينه الحارث على رعاياه في دمشق.

هذا والي الحارث الملك هو أريتاس الرابع (٤٠-٩ ق.م.) كان يحكم بلاط النبطيين، وعاصمتها بترا التي أمضى فيها بولس عزلته، وهي تُدعى العربية، وتخومها من حول دمشق حتى خليج العقبة. اتفق هذا الوالي مع اليهود الثائرين ضد بولس على حراسة الأبواب للقبض عليه.

تدليه بواسطة سلة من طاقة بالسور نوع من الإذلال لرجل كانت كل أورشليم تهتز لحركاته، وكانت دمشق تترقب دخوله كبطلٍ مدافعٍ عن الحق، في مسرة قبل هذه المذلة من أجل الرب، وقد حسبها الرسول أحد الآلام التي اجتازها (٢ كو ١١: ٣٢).

بدأ شاول الطرسوسي خدمته في الوسط اليهودي، وكان يظن أن معرفتهم له أنه كان يضطهد الكنيسة، وأنه كان أكثر غيرة من غيره على حفظ الناموس وتقليدات آبائه وفريسيته السابقة هذه كلها تكون سندًا له في إقناع اليهود على صدق الإيمان المسيحي وإعلان المسيح له. لكن الله أصر أنه رسول الأمم، إذ يعلم كيف لم يكن ممكنًا لليهود أن يقبلوه. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم في العظة الأولى على الرسالة إلى العبرانيين أن هذه كلها سببت كراهية أكثر من بني جنسه له، لأنه كان منهم وتركهم فجأة، فتطلعوا إليه كعدوٍ لا يُحتمل. لهذا قاومه ليس فقط اليهود بل حتى اليهود المتنصرون، كمن يهدد نظام الناموس والعوائد اليهودية.

- يقول البعض أن هذا التصرّف لم يكن لائقًا ببولس لأنّه لم يُنقذ بعون اللَّه. ولكن ما الحاجة إلى ذلك (تدخل عون اللَّه دون العمل البشري) مادام يُمكن إنقاذه بعون البشر. فإن الوقت لتدخل عون اللَّه ضروري عندما يفشل العون البشري.

أمبروسياستر

5. شاول في أورشليم

"ولما جاء شاول إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ، وكان الجميع يخافونه غير مصدّقين أنه تلميذ كيف لم يسمع التلاميذ عن اهتداء شاول الطرسوسي؟ [26]

1. لم تكن وسائل الاتصال بين البلاد قوية وسريعة كما في عصرنا الحالي.

2. كانت هناك عداوة بين هيرودس وأرتياس ملك العربية، فقد تزوج الأول بابنة الثاني ثم طردها فيما بعد، هذا سبب خلافًا بينهما وقيام حرب، مما جعل الاتصال بين البلدين شبه منقطع.

3. ربما سمع بعض اليهود، خاصة القيادات اليهودية، عن اهتداء شاول، وقد حاولوا كتمان الخبر خاصة عن المسيحيين، حتى لا يستغلوا هذا الحدث لجذب اليهود للإيمان المسيحي.

4. عدم مجيء شاول إلى أورشليم بعد اهتدائه مباشرة، وتأخره لمدة ثلاث سنوات، جعل حتى الذين سمعوا عن خبر اهتدائه ليس لديهم شهادة أكيدة عن الحدث.

لم يذهب إلى أورشليم بعد اهتدائه مباشرة، وإنما ذهب أولاً إلى العربية. لقد جاهد لكي ينضم إلى جماعة المؤمنين، لكنهم لم يستطيعوا أن يصدقوا أنه قد آمن بالسيد المسيح، إنما تشككوا في أمره، وربما ظنوه أنه يخدعهم لكي يدخل في وسطهم ويتقن ضرباته ضدهم. أما علة تشككهم فإن ماضيه يقدم صورة مرة عن مقاومته للإيمان.

عند عودته إلى أورشليم لأول مرة بعد ثلاث سنوات لم يذهب إلى رئيس الكهنة والفريسيين ولم يلتقِ بمجمع السنهدرين، بل أراد أن ينضم إلى المؤمنين، فقد صاروا في عينيه مجتمعًا أشبه بالمجتمع السماوي.

"فأخذه برنابا وأحضره إلى الرسل، وحدّثهم كيف أبصر الرب في الطريق وأنه كلّمه، وكيف جاهر في دمشق باسم يسوع". [27]

قدمه القديس برنابا للقديسين بطرس ويعقوب (غل 1: 18-19)؛ ربما لأن بقية التلاميذ والرسل كانوا غائبين عن أورشليم.

"فكان معهم يدخل ويخرج في أورشليم، ويجاهر باسم الرب يسوع". [28]

إذ اطمأنوا له قبلوه معهم في الشركة، فكان ملازمًا معهم، وقد مكث في أورشليم 15 يومًا فقط (غلا 1: 18).

"وكان يخاطب ويباحث اليونانيين، فحاولوا أن يقتلوه". [29]

كان يلتقي باليهود المتكلمين باللغة اليونانية، وهي الجماعة التي كان القديس استفانوس يشهد أمامهم للسيد المسيح (أع 6: 9). كان يتحدث بكل جرأة عن يسوع أمام اليهود الهيلينيين، شاهدًا أنه هو المسيح، لذا حاولوا قتله، إذ لم يستطيعوا الحوار معه، ومقاومةالروح القدس العامل فيه. دخل شاول في هذه الفترة القصيرة إلى ذات المجامع التي كان استفانوس يحاور فيها، وكان قبلاً شاول واحدًا منهم يقاوم استفانوس. الآن يجتمع بهم ليباحثهم بذات الروح الذي كان به يباحثهم استفانوس. لم يحتملوا ذلك فأرادوا قتله.

"فلما علم الإخوة أحدروه إلى قيصرية، وأرسلوه إلى طرسوس". [30]

إذ سمع الإخوة المؤمنون بذلك، خشوا أن يًرجم كما سبق أن رجموا القديس استفانوس منذ قرابة ثلاث سنوات أو أكثر، فساعدوا شاول على الهروب إلى قيصرية، ومن هناك ذهب إلى طرسوس بلده، وغالبًا ما انشغل هناك بالكرازة بالإنجيل.

كان اسم شاول الطرسوسي مصدرًا للرعب، فلم تمحُ السنوات الثلاث التي قضاها في دمشق وما حولها "العربية" سمعته في أورشليم بسبب ما عاناه المسيحيون من اضطهاد على يديه. حاول الالتصاق بالكنيسة، فظنوه جاسوسًا جاء ليتمم خطته السابقة وينكل بهم. وإذ قدمه برنابا للرسل وتأكدوا من صدق تحوله صارت بهجة في الكنيسة. حقًا لقد سمعوا عن تحوله خلال هذه السنوات لكن لم يكن من السهل تصديقها، حتى رأوه وتلامسوا مع نعمة الله العاملة فيه، فمجدوا الله على قبول صلواتهم من أجله. "ولكني كنت غير معروفٍ بالوجه عند كنائس اليهودية التي في المسيح. غير أنهم كانوا يسمعون أن الذي كان يضطهدنا قبلاً يبشر الآن بالإيمان الذي كان قبلاً يتلفه، فكانوا يمجدون الله فيّ" (غل ١: ٢٢-٢٤).

لم يبقَ في أورشليم سوى أسبوعين، وكان يود أن يبقى فيها يخدم اليهود واليونانيين (كما سبق أن قلنا أنهم إما يهود عاشوا في بلاد يونانية أو من الأمم دخلوا اليهودية).

ظهر له السيد المسيح في رؤيا وهو في الهيكل يصلي يأمره بالخروج عاجلاً من أورشليم، لكنه حاول أن يقنع الرب بأن خدمته في أورشليم أجدى (أع ٢٢: ١٧-٢١). بحسب منطقه البشري أنه إذ كان مضطهدًا للكنيسة في أورشليم والآن صار كارزًا بالسيد المسيح، فتكون لخدمته أثرها الفعّال في حياة اليهود هناك، لكن الرب نفسه، حكمة الله اختاره، لا لخدمة أهل الختان بل أهل الغرلة.

كرر له السيد أن يخرج، فإنه مدعو للعمل في أممٍ كثيرة، وإذ أخبر الإخوة أحضروه إلى قيصرية، ومن هناك ذهب إلى طرسوس موطنه الأصلي، عاصمة إقليم كيليكية.

"وأمّا الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة، فكان لها سلام، وكانت تُبنى وتسير في خوف الرب، وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر". [31]

توقف الاضطهاد على الكنيسة إلى حين، فانتفع القادة بهذا الهدوء للكرازة، فازداد العدد والرعاية، ونمت الكنيسة روحيًا، وتقدمت في المعرفة. هكذا يعمل القادة الروحيون وسط الضيق كما وسط السلام، ويجدون أن كل الأمور تعمل معًا للخير للذين يحبون الله.

يرى البعض أن اليهود في ذلك الحين انشغلوا بأحداث خطيرة تمس وجودهم نفسه في أورشليم مما شغلهم عن مقاومة المسيحيين. يقول د. لاردنر Dr. Lardner أنه بعد أن اعتلى كالجيولا Caligula العرش عاني اليهود من اضطهاد المصرين لهم في الإسكندرية، وقد خربت أماكن عبادتهم هناك بالكامل. وفي السنة الثالثة من تولي كاليجولا العرش (سنة 39 م)، أرسل بترونيوس إلى سوريا ومعه أوامر بوضع تمثال الإمبراطور في الهيكل بأورشليم. جاء هذا الأمر الصادر من كاليجولا كالصاعقة على اليهود. فلم يعد يشغلهم أمر آخر غيره، كما يخبرنا كل من فيلون اليهودي السكندري والمؤرخ يوسابيوس. يقول يوسابيوس أن بترونيوس جاء إلى أورشليم بجيش لإقامةالتمثال في الهيكل، وكانت الأوامر الصادرة إليه هي قتل كل من يقاوم هذا العمل مع أخذ بقية الأمة عبيدًا. لهذا سار برتونيوس من إنطاكية إلى اليهودية بثلاثة فرق لتحقيق ذلك.

وصف فيلون الوضع بأن اليهود قد تركوا مدنهم وقراهم وحقولهم عند مجئ بترونيوس إلى فينيقية (لبنان)، خرجوا رجالاً ونساء، الشيوخ والشباب والصغار، وارتموا على الأرض أمام بترونيوس يبكون وينوحون.

كان حتمًا لا يشغلهم موقفهم من المسيحيين، إنما وضع تماثيل الإمبراطور في الهيكل بالقوة، وأن مقاومة ذلك ثمرته الموت والعبودية. أمام هذه الكارثة كفوا عن اضطهاد المسيحيين، وحلّ السلام داخل الكنيسة، وتوقف أول اضطهاد عام ضد الكنيسة. ونمت الكنائس التي في منطقة فلسطين، أي في اليهودية والجليل والسامرة.

أيضًا بتحول شاول الطرسوسي إلى الإيمان وبقائه في العربية ثلاث سنوات بدأت عاصفة الاضطهاد في أورشليم وكل اليهودية والجليل والسامرة تهدأ، وكانت الكنيسة تنمو في هدوء وسلام.

الآن انطلقت الكنيسة حتى بلغت السامرة حسب وعد ربنا يسوع المسيح لتلاميذه وخطته الإلهية. إذ سمع المؤمنون عن الذين قبلوا الإيمان على يدي فيلبس الرسول، ازدادوا فرحًا في الرب.




 


19 توت 1737 ش
29 سبتمبر 2020 م

اليوم الثالث من أيام عيد الصليب المجيد
تذكار إصعاد القديس غريغوريوس البطريرك الأرمني من الجب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك