إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

إذا كان القلب غير كامل فى محبته لله فإن إرادته تكون متزعزعة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 10 جـ1 PDF Print Email

انفتاح عينيّ بطرس الرسول
على خدمة الأمم


الآن إذ انتهى الأصحاح السابق بإقامة طابيثا من الموت باسم يسوع المسيح، هذه التي قدّمت أعمال محبّة في سخاء للأرامل والمحتاجين، فما الموقف بالنسبة للأمم، خاصة المشتاقين لخلاص نفوسهم؟ هل يُتركون في قبورهم موتى لمجرّد أنّهم من الأمم؟

لقد أعلن السيد بكل وضوح عن الكرازة بين الأمم (مت28: 19)، وفي عيد العنصرة تحدث القدّيس بطرس عن تحقيق نبوّة يؤئيل وأن "كل من يدعو باسم الرب يخلص" (أع 2: 21). لكن حتى بعد سنوات من العنصرة كان الرسل أنفسهم يظنّون أنّه لا دخول للأمم إلى الإيمان بيسوع المسيح إن لم يتهوّدوا أولاً.

يقدم لنا هذا الأصحاح بدء حقبة جديدة في تاريخ خدمة الرسل، إذ لم تعد رسالة الإنجيل قاصرة على اليهود، بل تمتد نحو الأمم لتُعلن لكل البشرية.

يقدم لنا القديس لوقا خلال الأصحاحات السابقة الكرازة في أورشليم ثم اليهودية فالسامرة، وفي نفس الوقت كان روح الرب يهيء الجو لانفتاح باب الإيمان للأمم. كانت الخدمة محصورة في دائرة أهل الختان، الآن يصدر الأمر واضحًا لرسول أهل الختان، بطرس، مؤكدًا بدء انفتاح الباب، وقد اختار القديس بطرس حتى لا يحدث شق في كنيسة المسيح، فتصير كنيستين منفصلتين ومتعارضتين، واحدة تضم الذين من أصل يهودي أو من المتهودين والأخرى تضم أهل الغرلة. كان يلزم أن يُعلن لرسول أهل الختان رفع نير حرف الناموس حتى لا يُتهم الكارزون بين أهل الغرلة أنهم مقاومون للناموس، ومستهينون ببركات العهد القديم.

انفتاح الباب للأمم كان سرًا حتى بالنسبة للرسل، وموضوع دهشتهم بالرغم من تهيئة الرب لأذهانهم لقبوله (مر16: 15)؛ وبالرغم من وجود نبوات متعددة في العهد القديم عن ذلك. فلا نعجب إن كان الله قد دفع القديس بطرس دفعًا للكرازة لبكر الأمم وتعميده. الآن قد رُفع الحجاب الذي يفصل أهل الختان عن أهل الغرلة، حتى يجلس الاثنان معًا على مائدة الرب الواحدة بلا تمييز، ويشتركان معًا في العبادة والتمتع بمواهب الروح الواحد، ويصير الكل أعضاء في جسد المسيح الواحد، وينتسبون للآب الواحد.

1. رؤيا كرنيليوس 1-8.

2. رؤيا بطرس الرسول 9-16.

3. لقاء مع رجال كرنيليوس 17-23.

4. لقاء مع كرنيليوس 24-33.

5. حديث للقدّيس بطرس 34-43.

6. عماد كرنيليوس ومن معه 44-48.

1. رؤيا كرنيليوس

"وكان في قيصرية رجل اسمه كرنيليوس، قائد مائة من الكتيبة التي تدعى الإيطالية". [1]


في الأصحاح السابق يقدم لنا القديس لوقا صورة ممتعة لرجلٍ دخل تحت الناموس مع عظمة مركزه يتمتع بعظمة تقواه وشوقه العجيب لدراسة الكتاب المقدس، وغيرته المتقدة نحو خلاص نفسه (خصي كنداكة). وفي هذا الأصحاح يقدم لنا إنسانًا عظيمًا في رتبته، ومع كونه لم يكن يهوديًا، ولا تحت الناموس، لكنه كان عظيمًا في تقواه. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه يظهر عظمة تقواهما، فإنه من المدهش أن نجد شخصًا ما هكذا وهو في غنى وسلطان مثل هذين الشخصين].

- ما يسبب مدحًا للأول أنه قام برحلة طويلة بينما لم يكن في وقت عيد يستلزم هذا، وقراءته في الطريق، وهو في المركبة، وتوسله لفيلبس، وأمور أخرى عديدة. وأما عظمة مديح الأخير (كرنيليوس) أنه يقدم صدقات وصلوات، وكان تقيًا ويتمسك بوصية كهذه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

اختار السيد المسيح بكور مؤمنيه من اليهود من صيادي السمك البسطاء ليخزي بهم الحكماء؛ أما بالنسبة للأمم فاختار قائدًا رومانيًا. لم يختر فيلسوفًا يونانيًا ولا كاهن أوثان، بل قائدًا، كل ما يشغله حفظ الأمن وتنفيذ القوانين وتمتع البشر بالحرية، خاصة أصحاب الجنسية الرومانية. إنه صاحب فكر حر، ليس من يضغط عليه، ولا من يقدر أن يخدعه.

كان كرنيليوس قائدًا في الجيش الروماني تحت قيادته مئة جندي. سبق فسمعنا عن قائد المئة الذي سبق بإيمانه كل من في إسرائيل ليتكىء في ملكوت السماوات مع إبراهيم وإسحق ويعقوب (مت ٨: ١١ - ١٢). أما القائد الثاني فهو الذي شهد للسيد المسيح ومن معه أثناء الزلزلة، قائلين: "حقًا كان هذا ابن الله" (مت ٢٧: ٥٤). والآن نحن أمام قائد مئة ثالث الذي اشتاق إلى الحق الإلهي، فاستخدمه الله درسًا للقديس بطرس لفتح باب الإيمان للأمم. انضم إلى هذه الفئة قائد مئة رابع كان مكلفًا بحراسة الرسول بولس في الأسر ليذهب به إلى روما، هذا رفض قتل الأسرى حين انكسرت السفينة حتى يخلص بولس (أع ٢٧: ٤٢-٤٣).

يقول المؤرخ بوليبييوس Poliybius أن قواد المائة في الجيش الروماني كانوا معتبرين ملح الجيش الروماني، ممتدحًا أخلاقهم، إذ يُشترط أن يكونوا متعقلين، مستقيمين، ذوي حكمة ورزانة، قادرين على ضبط نفوسهم.

"من الكتيبة الإيطالية": كان قوامها ما بين ٦٠٠ و ١٠٠٠ جندي، لكن لم تكن مثل هذه القوات الكبيرة موجودة في فلسطين حتى سنة ٤١م، ولكن في أيام أغريباس الأول (أع ١٢: ١) وُجدت عدة قوات مثل هذه.

دًعيت الكتيبة الإيطالية، ربما لأن كل جنودها كانوا رومانيين قادمين من الجيش الروماني في إيطاليا، وهم متميزون عن بقية الجنود في الجيش المختارين من ولايات أخرى. هؤلاء كانوا موضع ثقة الإمبراطور، حتمًا يعملون لحساب السلطة الرومانية، لن يقوم من بينهم خائن للإمبراطورية.

"وهو تقي وخائف اللَّه مع جميع بيته، يصنع حسنات كثيرة للشعب، ويصلّي إلى اللَّه في كل حين". [2]

بلا شك أن بعض اليونانيين والرومانيين، حتى الذين كانوا يعملون في الجيش تأثروا ببعض اليهود الأتقياء، فصاروا يعبدون الله الواحد (المجهول) بروح التقوى ومخافة الرب، فكانوا لا يميلون إلى عبادة التماثيل، ولا ينغمسون في الملذات والشهوات الجسدية، مثل هؤلاء فتح الروح القدس قلوبهم ليقبلوا الإيمان المسيحي.

- يقول: "وهو تقي خائف الله، مع جميع بيته"، فلا تظن أن ما حدث كان بسبب رتبته العظمى.

عندما أُجتذب شاول لم يظهر ملاك بل الرب نفسه، لم يرسله إلى شخصٍ عظيمٍ، بل إلى رجل عادي جدًا.

هنا على العكس جلب رسولاً عظيمًا لهؤلاء الأمم ولم يرسلهم إليه، لقد نزل إلى ضعفهم، فهو يعرف كيف يتعامل معهم.

في حالات كثيرة نجد المسيح نفسه مسرعًا إليهم بسبب أنهم أكثر ضعفًا. أو لأن كرنيليوس لم يكن قادرًا أن يترك بيته. هنا أيضًا نجد المديح العلوي للصدقات كما قُدم في حالة طابيثا.

- "خائف الله مع جميع بيته". ليسمع هذا من كان منا مهملاً لأهل بيته، بينما كان هذا الرجل يعتني بجنوده أيضًا.

القديس يوحنا الذهبي الفم

كان كرنيليوس رجلاً متدينًا، لا يعبد الأصنام، ولا آلهة باطلة، ولا يسمح لنفسه أن ينغمس في الرجاسات التي اتسم بها العالم الوثني. كل ما يعرفه ويؤمن به هو وجود إله خالق السماء والأرض، إله واحد حقيقي حي، لكنه مجهول بالنسبة له.

مع كونه صاحب سلطان كقائد مئة، لكنه يحمل مخافة وخشية لله المجهول اتسم بثلاث سمات هامة:

- قاد بيته إلى الحياة التقوية التعبدية، لم يضم تحت سقفه أي عابد للأوثان، ولا من يسلك بالشر، بل كان جميع أهل بيته وكل العاملين في البيت يخشون الله.

- اتسم بالحنو العملي وتقديم الصدقات؛ غالبًا وهو روماني يعمل في الكتيبة الإيطالية في قيصرية كعاصمة الولاية مدنيًا، يقدم صدقاته للفقراء والمحتاجين من اليهود. مع كونه أمميًا كان يعطي بسخاء للمحتاجين من اليهود.

- كان رجل عبادة وصلاة، يمارس الصلاة الدائمة في كل حين، يمزج العمل الصالح بحياة الصلاة.

ظن البعض أن كلمات القديس بطرس وأيضًا غيره من التلاميذ أنه كان أمميًا غريب الجنس، لم يختتن ولم يقبل الناموس (أع 11: 1-3؛ 10: 28). ربما أعجب بالديانة اليهودية من جهة الإيمان بالله الواحد، كما أُعجب بالمبادئ الأخلاقية والسلوكية وبالإلتجاء إلى الله والصلاة إليه، لكنه لم ينضم إليهم كعضوٍ في الأمة اليهودية أو كأحد أفراد الشعب، ولا حُسب دخيلاً. يدعوه البعض شبه دخيل.


"فرأى ظاهرًا في رؤيا نحو الساعة التاسعة من النهار، ملاكًا من اللَّه، داخلاً إليه، وقائلاً له: يا كرنيليوس". [3]

إذ كان اليهود يعتزون أنهم تسلموا الناموس بخدمة ملائكة، فهوذا رجل أممي تقي محب للصلاة يتمتع بخدمة الملائكة.

في الساعة التاسعة، أي الثالثة بعد الظهر، حيث كان ذلك موعد الصلاة عند اليهود ظهر ملاك مرسل من الله، لا في الهيكل وسط المتعبدين، بل لرجلٍ أمميٍ يتعبد مع أسرته في بيته، ظهر له لا في حلم بل علانية.

لعله تعلم من اليهود ممارسة الصلاة في ساعات معينة، إذ كانوا يصلون ثلاث مرات: الصباح الباكر، والتاسعة من النهار، والغروب.

قدم كرنيليوس صلاته فصعدت كبخورٍ طيبٍ، كتقدمةٍ أو تذكارٍ أمام الله، مع أنه كان أمميًا. لقد قبل الله صلواته وصدقاته ذبائح سرور أمام الله، وإن كان محتاجًا إلى التمتع بالدم الثمين الذي بدونه لا تحصل مغفرة.

وضعت الكنيسة تدبيرًا للمؤمن أن يصلّي في ساعات معيّنة، حتى لا يهمل الصلوات، وإن كان هذا التدبير لا يمنع رفع الصلوات في كل حين، وانشغال الفكر باللَّه. في هذه الصلوات نتذكّر أعمال اللَّه الخلاصيّة، حتى لا يفارق الصليب فكرنا، ولا تُنزع صورة المخلّص عن قلوبنا.


 


18 طوبه 1737 ش
27 يناير 2021 م

نياحة القديس يعقوب أسقف نصين
تذكار مريم ومرثا أختي لعازر حبيب يسوع
نياحة القديس انبا اندراوس ابو الليف بنقادة

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك