إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لا تيأس مهما كانت حروب الشيطان قوية ، قل لنفسك كل هذه مجرد حروب وأنا سأثبت فى الله

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 10 جـ4 PDF Print Email

"فصار إليه أيضًا صوت ثانية: ما طهره اللَّه، لا تُدنسه أنت". [15]

ماذا يقصد بالقول: ما طهره الله؟ ما أعلن الله عنه أنه طاهر، أو ما يأمرك به الله أن تفعله، فإنه حتمًا لا يكون دنسًا ولا خطأ. ما كان لديك في فكرك من تمييز بين ما هو طاهر وما هو غير طاهر يقوم على التفسير الحرفي كبعض الشرائع في الناموس. الآن لتحمل فكرًا روحيًا، لترى ما هو طاهر وما هو دنس، ليس بمنظار ناموسي حرفي، فترى الأمم دنسين. الآن يدعون لنوال ذات الإحسانات والبركات التي يقدمها لله لليهود. لقد انشق الحجاب الحاجز بين الفريقين، ودُعي العالم كله للشركة معًا والتمتع بإنجيلٍ واحدٍ وإيمانٍ واحدٍ (أف 2: 14؛ غل 3: 28). الآن يلزم إعادة النظر في فهم الشرائع الناموسية بعد انهيار الحجاب الحاجز.

لقد كان بين اليهود والأمم حائط، فيظن اليهود أنهم وحدهم لهم نصيب في هيكل الرب، وأن الآخرين مرذولون. لقد جاء حجر الزاوية الذي يضم بالحق الحائطين معًا في الهيكل الجديد.

في حديث القديس إكليمنضس السكندري عن "الطعام" يعلق على هذه العبارة، قائلاً: [ليس هناك اعتبار لما نستخدمه من هذه الأشياء (الأطعمة)، إذ تتساوى كلها، "لأنه ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان..." أكلة من البقول حيث تكون المحبة خير من ثور معلوف ومعه بغضة" (أم 15: 17)... البقول والأعشاب ليست هي المحبة، بل ما يجب علينا هو أن نتناول وجباتنا بالمحبة، وذلك ما نقصده بالأغابي أو وليمة المحبة. في هذا من الأفضل إتباع الاعتدال في الأمور... فإن الإفراط (في الأكل) فيه خطورة، والمغالاة (في الصوم) مكروه، وأما اختيار الوسط في الأمور فجيد.]

"وكان هذا على ثلاث مرات، ثم ارتفع الإناء أيضًا إلى السماء". [16]

لعل الملاءة التي نزلت من السماء كانت ترتفع وتنزل مع الصوت الذي تكرر ثلاث مرات، وكأن كنيسة المسيح تتمتع بالبنوة لله القدوس، لكي يصير كل مؤمن حقيقي مقدسًا وطاهرًا في الرب خلال مياه المعمودية وعمل الروح القدس، وذلك بالعماد بالتغطيس باسم الثالوث القدوس. يصر الله على إعلان إبداع حبه للأمم، فإنهم إذ يؤمنون يتطهرون بالمعمودية ويصيرون أبناء الله.

ارتفعت الملاءة (الإناء) إلى السماء. فما لم يقبله بطرس ويخشى أن يتنجس ويتدنس إذا بالسماء تقبله. صارت التي ليست بمحبوبة محبوبة لدى الله، والتي ليست شعبه شعبه (رو 9: 25).

- إذن تشير الملاءة إلى الأرض، والوحوش التي فيها هم من الأمم، والأمر "اذبح وكُلْ" يشير إلى الالتزام بالذهاب إليهم أيضًا، وقد تكرر ثلاث مرات إشارة إلى المعمودية.

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. لقاء مع رجال كرنيليوس

"وإذ كان بطرس يرتاب في نفسه، ماذا عسى أن تكون الرؤيا التي رآها؟ إذا الرجال الذين أُرسلوا من قبل كرنيليوس، وكانوا قد سألوا عن بيت سمعان، وقد وقفوا على الباب". [17]

كان شاول بعد خدمته قرابة ثلاث سنوات في العربية وخدمته في دمشق التقى بعد ذلك بالقديسين بطرس ويعقوب ويوحنا في أورشليم، ولعلهم قد أدركوا دعوة شاول للخدمة بين الأمم. لم يكن في مخيلة القديس بطرس أن يخدم الأمم، إذ هو مدعو لخدمة الختان، لكن الله أراد له أن يبدأ بإذابة هذا الثلج الذي يسود على العلاقة بين الأمم والختان، فيقوم هو بحصاد بكر خدمة الأمم، حتى لا يظن أهل الختان وجود تضاد بين الخدمتين.

"ونادوا يستخبرون، هل سمعان الملقّب بطرس نازل هناك". [18]

"وبينما بطرس متفكر في الرؤيا، قال له الروح: هوذا ثلاثة رجال يطلبونك". [19]

يدعوه الروح القدس نفسه قائد الكنيسة أن يكف عن التأمل فيما قد رآه وما سمعه وينزل للعمل، فإن الروح الإلهي الذي قدم له الإعلان الإلهي يقدم له التفسير في حينه.

لعل القديس بطرس كان يترقب من الروح القدس تفسيرًا واضحًا للرؤيا، لكن الروح أصدر أمره بالعمل، ليقدم له التفسير أثناء العمل. ونحن أيضًا كثيرًا ما نجلس في هدوء للتأمل في كلمة الله، ويكشف لنا الروح القدس مفاهيم حية للكتاب المقدس، لكننا نكتشف أعماق جديدة لكلمة الله كلما تحولت الكلمة إلى عمل تحت قيادة الروح القدس. فالعمل ليس نقيضًا للتأمل، بل هو واحد معه، لا ينقسمان!

"لكن قم وانزل، واذهب معهم غير مرتاب في شيء، لأني أنا قد أرسلتهم". [20]

صدر له الأمر بالعمل السريع بلا توانٍ وبغير ريبةٍ. لينطلق إلى الرجل الأممي متهللاً، وإن كان لا يعرف ماذا سيفعل، ولا لماذا اختير هذا دون غيره. كان الرسول بطرس متحيرًا، وفيما هو يفكر ما عسى أن تكون الرؤيا، إذا بالروح يفسرها له عمليًا، معلنًا له أن البعثة القادمة إليه هي من قبله، إذ هو الذي أرسلهم. كان بطرس الرسول مرتبكًا كيف تأمره السماء أن يأكل مما هو دنس أو نجس، وإذا بالروح يحركه كما بغير إرادته لينزل إلى قيصرية، حيث يذهب إلى من يستدعوه. وكأن الروح القدس قد منطق بطرس الرسول، منطق عقله وقلبه وكل كيانه الداخلي ليسير به حيث لا يشاء (يو ٢١: ٢٨).

جاءت الرسالة لكرنيليوس عن طريق ملاك، وأما القديس بطرس فتكلم بالروح، فبقدر ما يمتلئ الإنسان بالروح القدس يتمتع بقيادة الروح وحديثه معه.

- يقول (الروح) "أنا قد أرسلتهم". عظيم هو سلطان الروح، ما يفعله الله يقول الروح أنه يفعله. أما الملاك فبخلاف ذلك بل قال أولاً: "صلواتك وصدقاتك صعدت تذكارًا أمام الله"، مظهرًا أنه قد جاء من هناك، وبعد هذا قال: "الآن أرسل..." لم يفعل الروح هكذا، بل قال: "أنا قد أرسلتهم".

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فنزل بطرس إلى الرجال الذين أُرسلوا إليه من قبل كرنيليوس، وقال: ها أنا الذي تطلبونه، ما هو السبب الذي حضرتم لأجله؟" [21]

لم يسمع أحد طرقات الرجال، ولعلهم لم يطرقوا الباب نهائيًا فقد نزل إليهم القديس بطرس بناء علي أمر الروح القدس. ربما نزل من السلم الخارجي من السطح إلى الباب، وإذ أخبروه بقصدهم انكشف له لغز الرؤيا، وأدرك أن الله يدعوه لرسالة يتممها خارج دائرة اليهود، أسمى من البحث في طعام طاهر أو غير طاهر.

استقبلهم القديس بطرس هم ورسالتهم، واستفسر منهم عن سبب مجيئهم الذي أخفاه عنه الروح القدس لسمعه منهم.

- لم يقل الروح: "لهذا السبب أظهرت لك الرؤيا" بل قال: "أنا قد أرسلتهم، فنزل بطرس". هذه هي الطريقة التي بها يجب أن يُطاع الروح دون طلب المسببات. يكفي أن يتأكد تمامًا بأن الأمر صادر من الروح، وعليه أن يؤمن بهذا، ليس إلاَّ.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فقالوا أن كرنيليوس قائد مئة، رجلاً بارًا وخائف اللَّه، ومشهودًا له من كل أمة اليهود، أُوحى إليه بملاك مقدس أن يستدعيك إلى بيته، ويسمع منك كلامًا". [22]

قدموا له شخصية قائد المئة كرجلٍ بارٍ يخاف الله، ومع كونه ليس يهوديًا تشهد له كل أمة اليهود عن تقواه، بل وتشهد له السماء حيث بعثت إليه ملاكًا مقدسًا لكي يستدعي القديس بطرس، وأنه الآن مستعد أن يسمع للقديس ويتعلم منه.

"فدعاهم إلى داخل وأضافهم، ثم في الغد خرج بطرس معهم، وأناس من الإخوة الذين من يافا رافقوه". [23]

استضافهم القديس بطرس كمن هو صاحب البيت، وقضوا معه اليوم بعد سفر دام حوالي ٦ ساعات، لكي ما يذهب معهم في اليوم التالي. استضافهم مع أنهم أمميون ولم يستنكف من أن يأكل معهم، وكان من بينهم خادمان وكان الثالث جنديًا. لقد بدأ يدرك ما وراء الرؤيا التي شاهدها.

لم نسمع عن معارضة أبداها رب البيت، ولا الجماعة التي كانت تجتمع معًا هناك بكونها كنيسة يافا. لكن بلا شك وقف الكل في دهشةٍ يسمعون ما يقوله الرجال عن كرنيليوس ورؤياه ولا يفهمون ماذا يحدث. كان الله يعد الأذهان مع القلوب لقبول انفتاح باب الإيمان للأمم تدريجيًا.

انطلق في اليوم التالي، بعد أن قضى معهم ليلة، إلى قيصرية وكان في رفقتهم 6 مسيحيين من يافا (أع 11: 12)، فقد كان من عادة الرسل أن يكون معهم رفقاء في رحلاتهم. وإذ كان لهذه الرحلة أهميتها الخاصة أمام التاريخ كان لا بد من أن يشهد هذا الحدث بعض المؤمنين ليعلنوا الأحداث كشهود عيانٍ.

4. لقاء مع كرنيليوس

"وفي الغد دخلوا قيصرية، وأمّا كرنيليوس فكان ينتظرهم، وقد دعا أنسباءه وأصدقاءه الأقربين". [24]

إذ قطع هذه الرحلة غالبًا على قدميه دخل بيت كرنيليوس ليجده هو وأسرته وأقرباءه يترقبون مجيئه. فقد دعاهم كرنيليوس ليتمتعوا معه بالبركات الإلهية التي كان يتوقعها بناء على حديث الملاك معه.

- هذا هو دور الصديق، دور التقي، فإنه حيث توجد البركات، يهتم بأصدقائه المقربين ليكونوا شركاء معه فيها.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولما دخل بطرس استقبله كرنيليوس، وسجد واقعًا على قدميه". [25]

تطلع إليه كرنيليوس كسفير لله، لذلك سجد عند قدميه، فقد اعتادوا في الشرق قديمًا السجود عند أقدام الملوك وأصحاب الكرامة العظيمة. ولعله ظن في بطرس أن اللاهوت قد تجسد أو أنه المسيا الذي يترقبه اليهود.

- فعل هذا ليعلم الآخرين، ويعبر عن شكره لله، ويظهر تواضعه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"فأقامه بطرس قائلاً: قم أنا أيضًا إنسان". [26]

أقصى ما يقدمه قائد الجيش هو انحناء رأسه وإلا يُحسب كمن أهان إمبراطوره الحامل لواء كرامته. لكن كرنيليوس انحنى حتى السجود إلى الأرض، وإن كان قد اختلط في ذهنه، فلم يميز بين الراسل والمرسل. فأسرع القديس، وأقامه ليسجد الكل بالروح والحق لمن له حق السجود والعبادة. رفض القديس بطرس مثل هذه التكريم، لذلك احتضنه بيديه، ورفعه كصديقٍ له. لا يحتمل الإنسان المقدس ولا الملاك أن يتقبل سجودًا للعبادة (رؤ 19: 10؛ 22: 9). لقد أوضح لقائد المئة أنه أيضًا إنسان. إنه إناء خزفي يحمل في داخله الكنز السماوي. كأنه يقول له: أنا في ذاتي لست بشيء، إني مثلك إنسان مجرد، لا يليق بي قبول تكريمٍ كهذا.

- ألا ترون أنه قبل كل شيء يعلمنا الرسل هذا الدرس ألاَّ نظن فيهم أنهم شيء عظيم.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- لا يعبد المخلوق مخلوقًا آخر، بل يعبد العبد الرب، والمخلوق اللََّه.

لذا عندما أراد كرنيليوس أن يسجد لبطرس منعه الرسول بطرس قائلاً: "أنا أيضًا إنسان" [26].

وعندما أراد يوحنا أن يسجد للملك في الرؤيا منعه الملاك، قائلاً: "أنظر لا تفعل فإني عبد معك، ومع إخوتك الأنبياء، ومع الذين يحفظون أقوال هذا الكتاب. اسجد للَّه" (رؤ 22: 9).

لذلك فالسجود يكون للَّه وحده. وقد عرف الملائكة أنفسهم هذا بالرغم من أنهم يفوقون غيرهم في المجد. فهم جميعًا مخلوقات، وليسوا من الذين يُسجدون لهم، بل هم من بين الذين يسجدون للرب.




 


17 توت 1737 ش
27 سبتمبر 2020 م

تذكار الاحتفال بالصليب المجيد بكنيسة القيامة سنة 43 ش في عهد الملك قسطنطين البار
استشهاد القديس قسطور القس
نياحة القديسة ثاؤغنسطا
نياحة القديس المعلم جرجس الجوهري

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك