إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

كل جلجثة وصليب تعقبها دائماً أفراح القيامة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 14 جـ1 PDF Print Email

تكملة الرحلة التبشيرية الأولى


قدم لنا القديس لوقا في الأصحاح السابق صورة رائعة لعمل الله خلال الرحلة التبشيرية الأولى مع فيض من الضيقات من اليهود حتى اضطر الرسول أن يجاهر أنه يتوجه إلى الأمم. أما أهم البركات فهي: إيمان الوالي سرجيوس بولس في بافوس، وأتباع كثير من اليهود والدخلاء الرسولين بولس وبرنابا، واجتمعت كل المدينة تقريبًا في السبت التالي من حديث الرسول، وانتشار كلمة الرب في بيسيدية، وامتلاء التلاميذ من الفرح والروح القدس. الآن يقدم لنا القديس لوقا تكملة الرحلة، موضحًا عمل الله الفائق حيثما حل الرسولان.

1. إيمان جمهور كثير بأيقونية 1.

2. انشقاق في المدينة 2-5

3. دعوتهما إلهين في لسترة 6-18.

4. تحريض ورجم بولس 19.

5. تلمذة كثيرين في دربة 20.

6. عودة وتثبيت الكنائس 21-25.

7. تقرير مفرح في أنطاكية 26-28.

1. إيمان جمهور كثير بأيقونية

"وحدث في أيقونية أنهما دخلا معًا إلى مجمع اليهود، وتكلّما حتى آمن جمهور كثير من اليهود واليونانيين". [1]

كالعادة بدأ الرسولان كرازتهما في المجمع اليهودي، وقد مكثا مدة طويلة حتى آمن جمهور كثير من اليهود واليونانيين.

وقد جاء الحديث هنا مقتضبًا للغاية، إذ لم يروِ القديس لوقا كيف آمن جمهور كثير من اليهود واليونانيين، ولم يشر إلى أعمال الرسولين، ولا إلى أسماء بعض الشخصيات التي قبلت الإيمان. فإن ما يشغل القديس لوقا ليس تاريخ حياة الرسولين ولا الكنيسة الأولى وتأسيس مراكز الخدمة في كل بلدٍ، وإنما تأكيد عمل الله العجيب في جذب النفوس بالرغم من المقاومة العنيفة التي واجهت الكارزين والكنيسة في كل موضع. لم يهتز الرسولان ولا ارتبكا بسبب المقاومة، إنما كانا يكرزان بكل قوة، ولم يتركا موقعهما إلا عند الضرورة لأجل سلامة الكنيسة المحلية ولاستمرارية العمل. وعند تركهما مدينةٍ ما يهربا إلى أخرى، لا ليختفيا أو يستريحا من المقاومة، وإنما للعمل والكرازة بجرأة وقوة.

ولعل اقتضاب الحديث هنا جاء طبيعيًا لأن ما حدث في أيقونية كان مشابهًا لما حدث في أنطاكية بسيدية:

أ. غالبًا ما كان موضوع الحديث في المجمع في البلدين متشابهًا، فلا حاجة للتكرار.

ب. في البلدين قبل بعض اليهود والدخلاء الإيمان، وأرادوا أن يستمعوا أكثر إلى الرسول.

ج. في البلدين وُجدت مقاومة من اليهود تتزايد مع نمو الكنيسة الناشئة وقبول البعض للإيمان.

أخيرًا فإن خبرة الرسولين السابقة بخصوص مقاومة اليهود لهما لم تمس صدق مشاعرهما نحو خلاصهم ، لهذا أصرا هنا أيضًا أن يدخلا معًا إلى مجمع اليهود ليقدما كلمة الخلاص.

2. انشقاق في المدينة

"ولكن اليهود غير المؤمنين غروا وافسدوا نفوس الأمم على الإخوة". [2]


كان اليهود غير المؤمنين من جانبهم يقاومون ليفسدوا نفوس الأمم الذين قبلوا الإيمان، مما دفع الرسولين للإقامة زمانًا طويلاً حتى يثبتا المؤمنين. فالضيق والمقاومة دفعا الرسولين للعمل بالأكثر.

"غروا وأفسدوا" أي أثاروهم وأفسدوا عقولهم، بتلقينهم مبادئ منحرفة لإفساد إيمانهم، وعدم التجاوب مع نعمة الله. هذا هو عمل عدو الخير عبر كل الأجيال، تضليل الناس وإفساد عقولهم بمبادئ خاطئة وفلسفات محطمة للإيمان بالمخلص. لا يكف عدو الخير عن أن يثبت سموم عدم الإيمان التي للحية القديمة المُقامة، ويشكلهم في حب الله وعمله الخلاصي.

في المدن السابقة كانت المقاومة ضد الرسولين الغريبين لمنعهما من الكرازة، أما هنا فبدأوا بالمقاومة خلال شعب المدينة الذي قبل الإيمان وانجذبوا نحو الإنجيل، لإفساد إيمانهم.

"فأقاما زمانًا طويلاً يجاهران بالرب، الذي كان يشهد لكلمة نعمته، ويعطي أن تُجرى آيات وعجائب على أيديهما". [3]

من جانب الرب، فقد سند رسوليه بعمل آيات وعجائب على أيديهما. كلما اشتدت المقاومة يتجلى الرب بعمل نعمته وإجراء الآيات باسمه. إنه يؤازر إنجيله بنعمته ومواهبه للكنيسة.

الخادم الحي يرى في المقاومة إحدى علامات الطريق السليم، حيث يتلمس أنه يشارك مسيحه صليبه، ويدخل معه طريق الجلجثة، ويسلك الطريق الضيق الحق. المقاومة بالنسبة للشاهد للمسيح لا تسبب إحباطًا ولا ندمًا على قيامه بالعمل، بل تهبه خبرة جديدة لكلمة نعمة الرب، وتذوقًا للقيامة في العمل الكرازي.

هنا يشير القديس لوقا إلى مجاهرة االرسولين بالرب يليها إجراء آيات وعجائب على أيديهما. فإن الله لا يعمل حيث الخوف والرعب، بل يسند القلوب المتكئة عليه بإيمان حي. لهذا يحذر العاملين في كرمه من الخوف. وكما أوصى يشوع عند استلامه القيادة: "أنا أمرتك. تشدد وتشجع. لا ترهب، لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب" (يش 9:1).

قدر ما بث عدو الخير سمومه خلال أتباعه لإفساد فكر المؤمنين وحياتهم جاهر الرسولان ومكثا زمانًا طويلاً، ولم ينسحبا من المعركة. لكنهما لم يعتمدا على خبراتهما البشرية أو قدراتهما البلاغية، إنما على غنى نعمة الله، إذ كان الرب بنفسه "يشهد لكلمة نعمته". كان هو العامل فيهما وبهما ومعهما.

إنجيلنا هو "كلمة نعمة" التي لن يقدر أحد أن يشهد له سوى السيد المسيح نفسه العامل في خدامه.

"فانشق جمهور المدينة، فكان بعضهم مع اليهود، وبعضهم مع الرسولين". [4]

حدث انقسام في المدينة، فقد قبل البعض إنجيل المسيح، ووقف آخرون يقاومون الحق الإنجيلي. وكما يقول السيد المسيح نفسه: "أتظنون أني جئت لأعطي سلامًا على الأرض، كلا أقول لكم، بل انقسامًا، لأنه يكون من الآن خمسة في بيت واحد منقسمين ثلاثة على اثنين واثنان على ثلاثة" (لو 12: 51-52). علة هذا الانقسام ليس مقاومة المؤمنين لغير المؤمنين، وإلزامهم لقبول الإيمان قسرًا، وإنما كراهية غير المؤمنين للحق ومقاومتهم كنيسة المسيح بلا سبب، سوى أن الظلمة لا تطيق النور.

وكما كتب "العلامة ترتليان" للإمبراطور، أن العالم يكره الكنيسة، لكن الكنيسة تحب العالم وتخدمه. فالمؤمنون يفيضون حبًا من طبيعتهم الجديدة، وغير المؤمنين يثبتون كراهية وبغضة مما هو في داخلهم.

"فلما حصل من الأمم واليهود مع رؤسائهم هجوم ليبغوا عيهما ويرجموهما". [5]

إذ لم يفلح اليهود في بث سموم الشكوك في أذهان المؤمنين التجأوا إلى العنف. وكان يلزمهم لتحقيق هذا أن يتحدوا مع الأمم غير المؤمنين ليثيروا الحكام والقيادات على الرسولين كصانعي فتنة.

هذه قصة العالم في كل جيل حيث يتحد الأعداء المقاومين لبعضهم البعض لأجل تدمير كنيسة المسيح. نسي اليهود والأمم العداوة القائمة بينهم، وأثاروا الحكام والرؤساء لرجم الرسولين.

3. دعوتهما إلهين في لسترة

"شعرا به فهربا إلى مدينتي ليكأُونية لِسترة ودِِْربة وإلى الكورة المحيطة". [6]

حدث انشقاق في المدينة، فالبعض انحاز لليهود المقاومين للحق، وآخرون كانوا في صف الرسولين. واستطاع عدو الخير كعادته أن يقيم تحالفًا بين القيادات الدينية المقاومة والشعب الرافض للإيمان وأيضًا القيادات السياسية. فاتفقت القيادات الدينية مع المدنية والسياسية على الانقضاض على الرسولين كفريسة، ورجمهما. يبدو أن القرار قد صدر في المجمع، واستطاعوا أن ينالوا موافقة السلطات. لكن شاء الله فانكشفت الخطة واستطاع الرسولان أن يهربا إلى مدينة ليكأونية لسترة.

لم يهرب الرسولان من الحقل، ولا أعطيا ظهرهما للعمل الإلهي، لكن من أجل سلام الكنيسة في أيقونية، وليس خوفًا من الموت، هربا إلى لسترة ودربة.

"وكانا هناك يبشّران". [7]

جاء في كتاب أبوكريفا "أعمال القديس بولس" "أنه لما خرج أُنسيفورس Onesiphorus من ليكأونية لاستقبال بولس [رأى بولس قادمًا، رجلاً بحجم يميل إلى الصغر، ذا حاجبين متقابلين وأنف يبدو منحنيًا، أما رأسه فتنم عن قوة وشجاعة، ورجلاه مقوستان، نوعًا ما ممتلئ الجسم، وممتلئ نعمة، يظهر أحيانًا كأنه ملاك وأحيانًا كإنسان.]

"فهربا إلى مدينة ليكأونية لسترة ودربة" جاءت في بعض النسخ القديمة "إلى مدينتي ليكأونية لسترة ودربة". يعتقد البعض أن بولس ختن تيموثاوس في لسترة، التي ربما كانت موطنه. أما دربة فهي مدينة غايس المحبوب.

"وكان يجلس في لِسترة رجل عاجز الرجلين، مُقعد من بطن أمّه، ولم يمشِ قط". [8]

يستعرض القديس لوقا إحدى المعجزات التي صُنعت على يدي الرسول بولس، وهي شفاء مقعد من بطن أمه. ولعله اختار هذه المعجزة مقابل ما حدث مع الرسولين بطرس ويوحنا عند باب الجميل في الهيكل (أع 3) ليؤكد أنه رسول ليس بأقل منهما.

قدم تأكيدات من أجل غير المؤمنين وهي ثلاثة أمور: عاجز الرجلين، مقعد من بطن أمه، لم يمشِ قط. أما بالنسبة للبسطاء فالأمر لا يحتاج إلى تأكيدات، فعندما تحدث السيد المسيح مع المرأة السامرية قال لها: "صدقيني يا امرأة" (يو ٤: ٢١)، فصدقته.

إنه لم يمشِ قط، فالشفاء هو عمل معجزي لا شك فيه.


 


17 توت 1737 ش
27 سبتمبر 2020 م

تذكار الاحتفال بالصليب المجيد بكنيسة القيامة سنة 43 ش في عهد الملك قسطنطين البار
استشهاد القديس قسطور القس
نياحة القديسة ثاؤغنسطا
نياحة القديس المعلم جرجس الجوهري

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك