إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

توجد صلاة بلا ألفاظ بلا كلمات خفق القلب صلاة دمعة العين صلاة الإحساس بوجود الله صلاة

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 15 جـ2 PDF Print Email
3. انعقاد أول مجمع كنسي

"فاجتمع الرسل والمشايخ لينظروا في هذا الأمر. [6]

اجتمع الرسل مع الكهنة presbyters لبحث الأمر؛ لم يقل ليأخذوا قرارات، لكن بروح الحب المتبادل والتواضع أراد الكل مناقشة الأمر فيما بينهم. لم يرد الرسل أن يأخذوا قرارهم دون الكهنة.

4. خطاب بولس الرسول

"فبعدما حصلت مباحثة كثيرة، قام بطرس وقال لهم: أيها الرجال الإخوة، أنتم تعلمون أنه منذ أيام قديمة اختار اللَّه بيننا، أنه بفمي يسمع الأمم كلمة الإنجيل ويؤمنون". [7]

يُعتبر هذا المجمع مثلاً رائعًا للقرارات الكنسية، إذ لم يُحكر على أحد في الرأي، بل أُعطيت الفرصة للفريقين أن يناقشا الأمر بكل صراحة وانفتاح، في جوٍ من الحب. ولم نؤخذ القرارات بطريقة تعسفية ولا بتسرعٍ. تمت مباحثات ليست بقليلةٍ بين الفريقين، وكان بولس وبرنابا يمثلان قيادة الفكر الذي يراه البعض متحررًا، وبعض المؤمنين الذين من مذهب الفريسيين يمثلون الفريق المتعصب.

وقف القديس بطرس الذي من جانبٍ يمثل كنيسة الختان، وقد عرف بحفظه للناموس حتى حسبه البعض كمن يقف في مقابل القديس بولس رسول الأمم، ومن جانب آخر فهو الذي دعاه الروح القدس للكرازة في بيت قائد المائة الأممي كرنيليوس منذ قرابة عشر سنوات، لذلك يقول: "منذ أيامٍ قديمة". هذه هي آخر إشارة إلى القديس بطرس في سفر الأعمال، وكأن القديس لوقا بعد أن استعرض عمل الله في خدمته ختم ذلك بتهيئة الجو للخدمة بين الأمم، ليكمل السفر الدور الخطير الذي قام به رسول الأمم بالكرازة في العالم حتى بلغ العاصمة ذاتها.

يرى البعض أن الدور الذي قام به الرسول بولس حين انتهر القديس بطرس وقاومه علانية حين انسحب عن الاشتراك مع المسيحيين الذين من أصل أممي في تناول الطعام كان له فاعليته (غل 2: 11). هنا يشير القديس إلى عمل الله معه هذا الذي دعاه لقبول كرنيليوس الأممي في الإيمان، ويعمده هو وأهل بيته. فقد أظهر القديس بطرس نوعًا من التعجب، كيف يناقش أمر قد استقر فعلاً، ومع كونه ليس رسولاً للأمم فإن الله دعاه للخدمة بينهم مبكرًا، "منذ أيام قديمة". ما يبحثونه الآن سبق أن ثار في ذهن القديس بطرس وجاءته الإجابة من السماء حين رأى الملاءة، وصدر له الأمر أن يأكل دون أن يقول عن هذا دنس أو نجس.

كأن الرسول بطرس يتساءل: لقد كرزت لأول أممي بدعوة عن الله نفسه ولم يحتج أحد على قبوله هو ومن معه الإيمان دون أن يُختتنوا، فلماذا تحتجون على أولئك الذين يكرز لهم الرسول بولس؟

يرى كثير من الدارسين أن القديس بطرس اتسم بالغيرة المتقدة نحو الخدمة وخلاص الكل: اليهود كما الأمم، لكنه لم يظهر أنه كان رئيسًا للمجمع، فإنه لم يقم بافتتاحه ولا أيضًا بختامه، بل بدأ المجمع بالمباحثات الكثيرة دون الإشارة إلى أسماء المتكلمين، ولا قدم لنا الإنجيلي تفاصيل الحوار. ربما تحدث القديس بطرس بكونه أكبر الحاضرين سنا، ولأنه اعتاد أن يتكلم (أع 2: 14؛ 3: 6، 12)، هذا بجانب أنه صاحب خبرة إذ وضع في مثل هذا الموقف حين استدعاه كرنيليوس. أخيرًا فإن كثير من المسيحيين من أصل يهودي يتطلعون إليه كرجلٍ محافظٍ على الناموس، لأنه رسول الختان، فكان لديهم استعداد أن يسمعوا له في هذا الشأن. إنه لم يُتهم قط مثل الرسول بولس أنه متحرر من جهة حفظ الناموس حرفيًا.

"واللَّه العارف القلوب شهد لهم معطيًا لهم الروح القدس كما لنا أيضًا". [8]

الله الفاحص القلوب وعارف بأسرارها يعلم تمامًا إن كان هؤلاء الأمم بكل إخلاص قد رجعوا إليه بكل قلوبهم وصاروا له أم لا، وإذ وهبهم روحه القدوس على نفس المستوى كما وهب اليهود، فأي اعتراض يمكن أن يقدمه الإنسان؟

"ولم يميِّز بيننا وبينهم بشيء إذ طهّر بالإيمان قلوبهم". [9]

جاءت هذه العبارة المختصرة جدًا أشبه بثورة داخلية يقوم بها الروح القدس نفسه لتقديم مفهومٍ عميقٍ للخلاص، يسمو فوق الحرف، ويخترق النفس، ويملك على القلب. إنه الإيمان الحي العملي بيسوع المسيح المخلص.

لقد انعقد المجمع بخصوص الأمم المتنصرين وموقفهم من الناموس الموسوي، وهوذا القديس بطرس يكشف عن التحرر من حرف الناموس ليس بالنسبة للأمم فقط بل وبكل مؤمن، حتى إن كان من أصل يهودي.

يصرح القديس بطرس أنه لا يقدم رأيًا شخصيًا، بل شهادة الروح القدس نفسه الذي ناله الأمم بواسطة الآب العارف القلوب، وأن الله لم يميز بين يهودي وأممي في تقديم عطية الروح القدس. "كما لنا أيضًا"، أي بدون أي إجراء طقسي خاص بالناموس. "ولم يميز بيننا وبينهم" [٩].

حلول الروح القدس على الأمم هو إعلان عملي عن حكم الله بخصوص الأمم أنهم قد رجعوا بكل قلوبهم، في إخلاص متمسكين بالإيمان به. حلوله هو ترحيب الله للأمم لكي يشتركوا مع اليهود في ذات الإيمان بلا محاباة أو تمييز بينهم. لماذا إذن يُستبعدون كمن هم بعيدون عن اليهود الذين يظنون أنهم أقدس منهم (إش 56: 5).

لقد صاروا شركاء معنا في ذات الميراث وشركاء الجسد (أف ٣: ٦)، شركاء في العضوية في جسد السيد المسيح حيث ليس ختان ولا غرلة.

إن كانوا لم يختتنوا ولم يتمموا ناموس موسى حرفيًا إلا أن الله أظهر أن حفظ هذه العادات ليس بالأمر الضروري لقبول الإنسان لدى الله، متمتعًا بالشركة معه. لم يعطِ اليهود أية ميزات على الأمم، بل برر الجميع وقدسهم ووهبهم عطايا الرب على وجه المساواة.

"طهر بالإيمان قلوبهم"، فما عجز الناموس عن أن يفعله في حياة اليهود، إذ لم يكن قادرًا على تطهير القلوب والضمائر الخفية حققه الإيمان بالمسيح لدى كلٍ من اليهود والأمم. تطهير قلوبهم هي شهادة عملية عن عدم حاجتهم أو التزامهم بالعادات الخاصة بالشريعة الموسوية.

- تلك المعموديّة أيضًا التي توهب مرّة للجميع تطهّر بالإيمان. يقول الرسول بطرس في رسالته: "أعطانا مثالاً لفلك نوح كيف خلص ثماني أنفس بالماء"، مضيفًا: "لا إزالة وسخ الجسد، بل سؤال ضمير صالح" (راجع 1 بط 3: 20-21)، الذي احتقره الفرّيسيّون وغسلوا ما هو في الخارج، وتركوا الداخل في فساده.

- من لا يهتم ويسهر باحثًا عن الوسائل التي بها ينقّي العيون التي تعاين ذاك الذي يشتاق إليه بحبٍ عميقٍ؟ لقد عبّر الكتاب المقدس عن هذا، قائلاً: "طهّر بالإيمان قلوبهم" [9]. الإيمان باللَّه ينقّي القلب، والقلب النقي يعاين اللََّه... يلزمنا أن نميّز إيماننا غير مكتفين بالاعتقاد، فالاعتقاد لا يكفي ليكون علّة تنقية القلب. لقد قيل: "إذ طهَّر بالإيمان قلوبهم"، ولكن بأي إيمان غير ذاك الإيمان الذي عرفه الرسول، قائلاً: "الإيمان العامل بالمحبّة" (غل 5: 6). هذا الإيمان يميّزنا عن إيمان الشيّاطين وإيمان فاسدي السيرة... ذلك الإيمان الذي يرجو مواعيد اللََّه. لا يوجد تعريف أكثر دقّة أو كمالاً من هذا التعريف، ففي هذا الإيمان توجد الأمور الثلاثة التالية:

ذاك الذي إيمانه عامل بالمحبّة، والذي يترجّى مواعيد اللََّه.

الرجاء أيضًا مشارك للإيمان، إذ بقدر عدم رؤيتنا لما نعتقد به يكون الرجاء ضروريًّا لئلا نفشل بسبب عدم رؤيتنا ويأسنا من أن نراه... فعدم رؤيتنا يحزننا، لكن رجاءنا في الرؤية يعطينا عزاءْ. للرجاء موضع هنا، وهو مشارك للإيمان.

أيضًا المحبّة التي بها نشتاق ونجاهد من أجل الحصول على الشيء ونلتهب شوقًا، ونجوع ونعطش.

القديس أغسطينوس

- يؤمن الأمم أيضًا به لكي يتبرّروا، ولا يوجد فرق بين يهودي وأممي في الإيمان، فإنّه إذ يُنزع الختان والغرلة يصيرا واحدًا في المسيح.

أمبروسياستر

"فالآن لماذا تجرّبون اللَّه بوضع نيرٍ على عُنق التلاميذ، لم يستطع آباؤنا ولا نحن أن نحمله؟" [10]

في حزم يوبخ القديس بطرس المعلمين الذين يتركون الجوهر وهو تطهير القلب بالإيمان ليتمتع بالحضرة الإلهية، وينشغلوا بتنفيذ عادات حرفية عاجزة عن أن تتسلل إلى القلب لغسله. إنه بقوة يوبخ الذين يُلزمون الأمم بناموس موسى. جاء حديثه يحمل خفية تحرر حتى اليهودي من حرف الناموس، لأنه نير لا يستطيع أحد أن يحتمله.

إن كان الله يطهر قلوبهم بالإيمان دون أن يلزمهم بناموس موسى، فلماذا يتعدون الله نفسه ويجربونه بضغطهم على الأمم، وإلزامهم ما لا يطلبه الله نفسه منهم؟ لقد قبلهم الله كما هم خلال الإيمان، فلماذا يُغضبون الله بطلب أمور قد أبطلها، لأنها كانت ظلاً لحقيقةٍ تمت فانتهى الظل.

إذ يقارن الرسول بين التزامات الناموس الحرفية ونعمة الإيمان يحسب الأولى نيرًا ثقيلاً، والثانية حرية مجد أولاد الله. الأولى دعاها الرسول بولس "نير العبودية" (غل 5: 1)، لأن النير هو رمز العبودية (1 تي 6: 1)، والحزن (مرا 3: 27)، والعقوبة (مرا 1: 14)؛ والضيق.

نير الناموس يعطل حرية الإيمان، حرية مجد أولاد الله. لقد جاء السيد المسيح ليعتق الأسرى ويبشر بالحرية (نح 5: 8).

كشف القديس بطرس بكل صراحة عن الأنين الذي في داخله من جهة ثقل حرفية الناموس على عنقه هو ومن معه كما على أعناق آبائه. فقد جاء السيد المسيح ليرفع عنا نير حرفية الناموس غير المحتمل ليهبنا نيره الهين أو الحلو (مت ١١: ٣٠). قدم لنا نير المسيح حتى البرّ الذي في الناموس بلا لوم (في ٣: ٦)، إذ أكمله تمامًا لحسابنا. لقد أظهر الصليب الفارق بين نير الناموس ونير المسيح في شخص اللص اليمين. فقد حكم الناموس عليه بالموت في أبشع صورة، لكنه إذ تطلع بإيمان للسيد، وحوَّله إيمانه إلى عمل بسيط: الشهادة له وسط ضجيج الصالبين (لو ٢٣: ٤٢)، تمتع بنير المسيح: "اليوم تكون معي في الفردوس".

طالب القديس بطرس أن نترفق بالآخرين ولا نكون كالذين "يحزمون أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل، ويضعونها على أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحركوها بإصبعهم" (مت ٢٣: ٤).

- كان الناموس محزنًا للإسرائيليّين كاعترافهم، وكما أدرك الرسل الإلهيّون. فقد وبّخوا الذين كانوا يسعون أن يرجع الذين آمنوا (بالمسيح) إلى ممارسة الطقوس الناموسيّة...

لقد علمنا المخلص نفسه ذلك، صارخًا، قائلاً: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم؛ احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي، فإنيّ وديع ومتواضع القلب، فتجدون راحة لنفوسكم" (مت 9: 28). يقول إن الذين هم تحت الناموس كانوا في تعب وثقيلي القلب. وقد دعا نفسه وديعًا، حيث لم يكن للناموس هذه السمة. إذ يقول بولس: "من يحتقر ناموس موسى، يموت بدون رحمة على فم شاهدين أو ثلاثة شهود" (عب10: 28).

يقول (السيد) ويل لكم أيّها الناموسيّون فإنّكم تأمرون بحزم أحمالٍ مؤلمة لا يمكن احتمالها، تضعونها على من هم تحت الناموس، بينما أنتم أنفسكم لا تلمسوها.

- كان الناموس مرًا، إذ كان يعاقب بالموت، وعن هذا شهد بولس: "من يخالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة" (عب 10: 28). فهو إذن مرّ وغير محتمل للقدماء [10]، وغير مقبول. لهذا السبب، كما كانت المياه مرّة تمامًا (خر 15: 23)، لكنها صارت حلوة بالصليب الكريم... فالآن إذ تغيّر الظل إلى التأمل الروحي، فنحن نرى بعيون العقل سرّ المسيح الذي كان مخفيًا في رموز الناموس، فبالرغم من أن الناموس كان مرًّا، فقد بطل أن يصير هكذا فيما بعد.

القديس كيرلس الكبير


 


15 توت 1737 ش
25 سبتمبر 2020 م

نقل جسد القديس اسطفانوس
استشهاد القديس لونديانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك