إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

الضمير هو مجرد صوت يوجه الإرادة نحو الخير ويبعدها عنها الشر ولكنه لا يملك أن يرغمها

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 16 جـ4 PDF Print Email

"فقام الجمع معًا عليهما، ومزق الولاة ثيابهما، وأمروا أن يُضربا بالعصي". [22]

واضح أن موالي العرافة استطاعوا أن يثيروا جمهورًا كبيرًا وشغبًا ضد الرسولين وبطريقة غير شرعية، وقد احتج الرسول بولس على ذلك لأنه إجراء غير قانوني [37].

كانت العادة أن يُعرى المجرم قبل جلده أو ضربه بالعصي.

"فوضعوا عليهما ضربات كثيرة، وألقوهما في السجن، وأوصوا حافظ السجن أن يحرسهما بضبطٍ". [23]

كان هذا عمل اللكتور lector أو الجلاد، كعقوبة عامة بين الرومان أن يضرب الشخص بالعصي ثلاث مرات (2 كو 11: 25).

كانت الشريعة اليهودية تمنع العقوبة بأكثر من 40 جلدة، لهذا كانت العقوبة غالبًا لا تتعدي 39 جلدة حتى إن حدث خطأ في جلده لا يكون الشخص منفذ العقوبة قد كسر الشريعة، أما بالنسبة للرومان فالقانون لا يضع حدودًا لعدد الضربات. هذا ما عبَّر عنه الرسول بأنه ضرب فوق الحدود (2 كو 11: 23).

"وهو إذ أخذ وصية مثل هذه، ألقاهما في السجن الداخلي، وضبط أرجلهما في المقطرة". [24]

كان المجرمون الخطيرون يُلقون في السجن الداخلي لضمان عدم هروبهم. هذا السجن غالبًا ما يكون مملوء بالقاذورات وغير صحي ومظلم. وُضعت أرجلهما في مقطرة، بين قطعتين من الخشب حتى لا يقدرا على المشي، وغالبًا ما يربط الشخص بطريقة يضطر بها أن ينام على ظهره الذي يمتلئ بالجراحات بسبب الضرب، فيعاني من آلام أشد. استخدام المقطرة قديم للغاية (أي 13: 27). يرى البعض أنّها قطعة خشبيّة على شكل برواز، حيث يوجد بها فتحتان تُثبت فيهما القدمان ليكونا مبتعدتين عن بعضهما البعض. وُجدت أكثر من مقطرة قديمة بها خمس فتحات تثبّت فيها القدمان والرجلان والرأس.

يوجد حاليًا في سيلان Ceylon أداة تشبه المقطرة تستخدم، لكن تترك الرأس حرّة دون تثبيت.

9. إيمان حافظ السجن

"ونحو نصف الليل كان بولس وسيلا يصلّيان، ويسبحان اللَّه، والمسجونون يسمعونهما". [25]

وسط مثل هذه الآلام لم يكن ممكنًا للذين في السجن الداخلي أن يناموا، فكانت صرخاتهم تدوي من الآلام الشديدة، أما هذان المسجونان فكانا يرتلان ويسبحان الله بروح التهليل والفرح، تسندهما نعمة الله الفائقة للطبيعة. فالمؤمن الحقيقي، شريك ملك الملوك في آلامه وصلبه، يجد لذة وسط الألم أعظم ممن يجدها ملك أو إمبراطور أو رئيس على عرشه.

لم يكن ممكنًا للسجن بظلمته وقذارته وأوحاله، ولا للقيود والمقطرة ولا للجراحات التي ملأت جسمي بولس وسيلا أن تنزع عنهما روح الفرح والتهليل. فتحول السجن إلى أشبه بسماء، والرسولان إلى طغمة ملائكية مسبحة لله، فاهتزت لهما السماء وتزلزلت الأرض وتزعزعت أساسات السجن. تحولت الآلام إلى أغنية مفرحة حيث يترنم الرسول في مجد داخلي: "أهم خدام المسيح، أقول كمختل العقل، فأنا أفضل، في الأتعاب أكثر، في الضربات أوفر، في السجون أكثر، في الميتات مرات كثيرة" (2 كو 11: 23).

- ماذا يمكن أن يعادل هاتين النفسين؟ هذان الرجلان قد جُلدا وتقبلا ضربات كثيرة وأُسيء التعامل معهما، كانا في محنة، ألقيا في السجن الداخلي، موضعين في مقطرة، ومع هذا كله لم يسمحا لنفسيهما أن يناما بل سهرا بالليل. ألا ترون بركات المحن؟ أما نحن ففي أسرة ناعمة، ليس ما يرعبنا، نقضي الليل نيامًا... لم يكن ممكنًا لطاغية النوم أن يتسلط عليهما، ولا الشعور بالألم أن يحنيهما، ولا الخوف من الشرور أن يطردهم إلى حالة اكتئاب يائسة. لا بل هذه كلها هي بعينها جعلتهما يقظين، ومملوئين بهجة فائقة.

القديس يوحنا الذهبي الفم

هكذا أعلن الرسولان عمليًا أن سعادة الإنسان مصدرها قلبه، حيث يسكن الله ويقيم ملكوته فيه. كما أعلنا أنه لن يقدر إنسان ما أو قوة ما معادية ان تحطم سلام المؤمن الحقيقي؛ قد يمارس الأشرار ضغوطًا شديدة على جسده، أما نفسه فما تقدر قوة ما أن تحنيها.

اهتمت الكنيسة بممارسة السهرات الروحية، إلا أن فيجيلانتيوس Vigilantius هاجم حياة السهر، وقضاء ليالٍ للسهر يكرمون فيها رفات الشهداء والقديسين في الرب، مع أن اسمه معناه "الساهر".

- تخبرني بأن فيجيلانتيوس يشجب السهر. وهو في هذا بالتأكيد يأخذ موقفًا مضادًا لاسمه. الساهر يود أن ينام، ولا يريد أن يسمع كلمات المخلص: "ماذا، أما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة. حقا الروح قوي والجسد ضعيف" (مت 26: 40-41). وفي موضع آخر يسبح النبي: "في نصف الليل أقوم وأشكرك على أحكام عدلك" (مز 119: 62) نقرأ أيضًا في الإنجيل كيف قضى الرب ليالٍ كاملة في الصلاة (لو6: 12)، وكيف أن الرسولين عندما وُضعا في السجن حفظا السهر الليل كله، مرنمين مزاميرهما، حتى تزلزلت الأرض، وآمن حافظ السجن، والولاة والمواطنون امتلأوا رعبًا (أع 16: 25-38). يقول بولس: "ثابروا على الصلاة واسهروا" (كو 4: 2). وفي موضع آخر يتحدث عن نفسه أنه "في أسهار كثيرة" (2 كو 11: 27). لينم فيجيلانتيوس إن كان في ذلك مسرته ويغط نومًا، فيهلكه مهلك مصر والمصريين. لكننا لنقل نحن مع داود: "هوذا حافظ إسرائيل لا ينعس ولا ينام". (مز 121: 4) " ليأت إلينا القدوس الحارس" (راجع دا 3: 13). وإن كان بسبب خطايانا ينام، فلنقل له: "قم يا رب لماذا تنام؟" (مز 44: 23) وعندما تُلطم سفينتنا بالأمواج لنيقظه قائلين: "يا سيد، خلصنا، فإننا نهلك" (مت 8: 25 ؛ لو 8: 24).

القديس جيروم

من ينجذب بنار المسيح يصير كشخصٍ يسكن وحده على الأرض. لا يبالي قط لا بالمجد ولا بالهوان. لن تحركه التجارب والجلدات والسجون، بل يكون كمن يتعذب في جسم ليس له، أو كمن له جسم بلا إحساس (للآلام). إنه يسخر تمامًا بملذات هذه الحياة، ولا يشعر باللذة، كأنه جثة بلا إحساس. وكما لا تذهب الهوام إلى اللهيب بل تهرب منها، هكذا فإن أهواء الروح لا تتجاسر أن تقاومه.

- بولس مواطن السماء، عمود الكنيسة، ملاك أرضي، كائن سماوي. مثل حديد محمي بالنار صار كله متوهجًا هكذا التهب بولس بالحب، فصار الحب نفسه.

القديس يوحنا الذهبي الفم

- يلزمنا أن نصلي في نصف الليل كما كتب لتعليمنا عن بولس وسيلا... قال المرتل: "في نصف الليل كنت استيقظ وأسبحك على أحكام عدلك".

القديس باسيليوس الكبير

- كيف نصلي في كل حين (أف 6: 18، 1 تس 5: 17؛ 1 تي 2: 8)، بينما نحن ممنوعون من الصلاة في مكان عام (مت 6: 5، 6)؟ نصلي في أي موضع يعني كلما أتيحت لنا فرصة أو وُجدت ضرورة نحسبها مناسبة. هذا ما فعله الرسولان اللذان كانا في موضع يسمعه المساجين، إذ كانا يصليان ويسبحان الله، ولم يُحسب هذا مخالفًا للوصية، ولا ما فعله بولس وهو في السفينة في حضور الكل إذ قدم شكرًا لله (أع 27: 35).

العلامة ترتليان

"فحدث بغتة زلزلة عظيمة حتى تزعزعت أساسات السجن، فانفتحت في الحال الأبواب كلها، وانفكّت قيود الجميع". [26]

بينما ارتفع قلبا الرسولين إلى السماء ليتمتعا بالسيد المسيح الممجد، يشاركان ملائكته تسابيحهم له، إذا بالأرض تتزلزل تحت قدميهما كما في رعب مما يفعله الأشرار بأولاد الله. لم يجد الرسولان من يدافع عنهما، فانطلقت الطبيعة تشهد لهما.

كان حدوث الزلزلة العظيمة إشارة إلى حضرة الله الذي تتزلزل أمامه الجبال، فإن كان الرسولان قد سُجنا في الحبس الداخلي وقيدت أرجلهما، فإن إله السماء والأرض يعلن حضوره ومعيته لهما.

لم يكن ممكنًا للأبواب أن تُغلق أمام العناية الإلهية، ولا للقيود أن تمسك برجال الله الأتقياء. تم هذا كله لكي يُنجح الله طريق الرسولين فيشهدا له أمام السجان والمساجين.

- ليتنا نحن أيضًا نفعل هذا (الصلاة الليلية). فإننا نفتح لأنفسنا لا سجنًا بل السماء. إن كنا نصلي يمكننا أن نفتح السماء. إيليا أغلق السماء وفتحها بالصلاة (يو 5: 17). يوجد أيضا سجن في السماء. يقول: "ما ربطتموه على الأرض يكون مربوطًا في السماء" (مت 16: 19). لنصلي بالليل، فنحل هذه القيود. فإن هذه الصلوات تحل الخطايا. ليت الأرملة تقنعنا، ليت ذاك الصديق يقنعنا، هذا الذي يأتي في ساعة غير متوقعة بالليل ويصمم قارعًا (لو 11: 5). ليقنعنا كرنيليوس إذ قيل: "صلواتك وصدقاتك صعدت أمام الله" (أع 10: 4). ليقنعنا بولس القائل: "ولكن التي هي بالحقيقة أرملة ووحيدة فقد ألقت رجاءها على الله، وهي تواظب الطلبات والصلوات ليلا ونهارا" (1 تي5: 5).إن كان يتحدث هكذا عن الأرملة، المرأة الضعيفة، كم بالأكثر يليق بالرجال (أن يسهروا في الصلاة)... لنقم في الليل، وإن كنت لا تقيم صلوات كثيرة، فلتقم صلاة واحدة بيقظة. هذا يكفي، لست أطلب أكثر من هذا. وإن كانت ليست في منتصف الليل، فلتكن في بدء الفجر، لتظهر أن الليل ليس فقط للجسد وإنما للنفس أيضًا. لا تسمح له أن يعبر في خمول، بل رده لسيدك، بل بالأحرى سيرتد النفع إليك.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"ولما استيقظ حافظ السجن، ورأى أبواب السجن مفتوحة، استل سيفه وكان مزمعًا أن يقتل نفسه، ظانًا أن المسجونين قد هربوا". [27]

لم يتطلع الرسولان إلى هذا الحدث كأمرٍ إلهيٍ بالهروب من السجن، بل كفرصة رائعة يقدمها الله للعمل الكرازي. لم يكن يتخيل السجان أن سجينًا ما يبقي في زنزانته وقد تزلزلت الأرض وانفتحت كل الأبواب وانفكت قيود الجميع. لا مفر له من الهروب من المسئولية، فالحل الوحيد هو الانتحار! والعجيب أن فيلبي كأرض لمعارك كثيرة شهدت انتحار كثير من القادة عندما حل بهم الخطر، مثل بروتس Brutus وكاسيوس Cassius وكثير من أصدقائهما، إذ سقط كل منهم على سيفه، وأنهوا حياتهم بالانتحار. هذا التصرف الذي كان منتشرًا نزعته المسيحية عن قلوب المؤمنين، إذ لا يجوز للإنسان أن ينتحر مهما كانت الظروف.

كان من تقليد الشرف الروماني أن السجان الذي يخفق في ضبط سجنه لا ينتظر التحقيق والسقوط تحت العقوبة بل يقضي على نفسه بيده.

حسب القانون الروماني إذا هرب سجين ينفّذ الحكم الصادر ضدّه على الحارس، وإذ ظن الحارس أن بعض المساجين قد هربوا، فهذا معناه أنّه سيقع تحت عذابات كثيرة. فيحسب موته بيديه أفضل من موته مع تعذيبات.




 


19 توت 1737 ش
29 سبتمبر 2020 م

اليوم الثالث من أيام عيد الصليب المجيد
تذكار إصعاد القديس غريغوريوس البطريرك الأرمني من الجب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك