إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

لا تخل قلبك من ذكر الله أبدا لئلا تغفل قليلا فينتصر عليك الأعداء المترصدون لإصطيادك

الأنبا باخوميوس اب الشركة

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 17 جـ3 PDF Print Email
3. في أثينا

"وبينما بولس ينتظرهما في أثينا، احتدت روحه فيه، إذ رأى المدينة مملوءة أصنامًا". [16]

هذه هي الزيارة الأولى للقديس بولس لأثينا، وربما كان أول كارز أو خادم مسيحي يفتقد أثينا. لم يكن نجاحه فيها عظيمًا، ولكنه كسب أفرادًا قليلين [34].

تتسم أثينا بأنها أشهر مدينة في اليونان، تتميز بقدراتها العسكرية والفلسفية واللغوية مع أدب سكانها. أنشأها كسربس Cecropsعام 1556 ق.م. بُنيت أولاً على صخرة في وسط سهلٍ متسعٍ، لكن مع الزمن تغطى السهل كله بالمباني، ودُعي بالمدينة السفلية. نشأ فيها كثير من مشاهير المحاربين والشعراء ورجال الدولة والفلاسفة، سواء ولدوا فيها أو تربوا فيها. حرقها الفارسيون مرتين، ودمرها فيليب الثاني من مكيدون Macedon ، كما دمرها بعد ذلك سيلا Sylla؛ وسلبها طيباريوسTiberius . خربها الغوصيون في أيام حكم كلوديوس، وخربت كل المنطقة ودمرت بواسطة Alarie. بقيت المدينة في المجهول منذ حكم جوستنيان إلى القرن الثالث عشر، وإن كانت قد بقيت مدينة على رأس دولة صغيرة. استولى عليها عمر قائد محمد الكبير سنة 1455م، ونهبها الفنتانيون Venetiansعام 1464، واستولى عليها الأتراك عام 1688م. هُجرت بسبب الصراعات والهجمات بين الأتراك واليونانيين حتى بقيت أطلالاً خربة. الآن مدينة حرة يحاول المسيحيون أن يردوا لها شهرتها وأهميتها.

كان أي دارس يزور أثينا يُبهر من عظمتها وينشغل بعلمها ومعرفتها واشتياق المقيمين فيها نحو الحوار لسماع كل يوم شيء جديد. أما القديس بولس فإذ دخل المدينة لأول مرة، وهو دارس للفلسفة كان ما يشغل فكره خلاص كل نفس وتمتعها بالحياة المقدسة في الرب. كان يجول فيها، فيرى ما لا يسر نفسه، فقد امتلأت أصنامًا وهياكل أوثان. قيل أن الأصنام التى كانت في أثينا أكثر من كل الأصنام الموجودة في بقية مدن اليونان معًا. فمع انتشار الثقافة الفكرية كانت الوثنية مزدهرة للغاية. وكما يقول الرسول بولس أن العالم بالحكمة لم يعرف الله (1 كو 1: 21).

احتدت نفس بولس فيه لما رأى مدى انهماك الاثينيين في العبادة الوثنية. يقول بوسينياس Pausanias: "فاق الاثينيون غيرهم في غيرتهم على الدين بطريقة فائقة" ويقول لوسيان Lucianعن مدينة أثينا: "على كل جانب توجد مذابح وذبائح وهياكل ومهرجانات دينية" ويقول ليفي Livyأن أثينا: "كانت مملوءة بصور الآلهة والبشر، مزينة بكل أنواع المواد، بصناعة غاية في المهارة". ويقول بترونيوس Petronius بطريقة هزلية عن المدينة: كان من الأسهل أن تجد إلهًا فيها عن أن تجد فيها إنسانًا".

لم يُعجب الرسول بفن العمارة الفخم، ولا انشغل بفن النحت والتصوير، ولا بما انفردت به من علم وفلسفة الخ. إنما كان قلبه ملتهبًا بسبب دمارهم روحيًا، وفقدانهم المجد الداخلي، بسبب جهلهم وعدم معرفتهم لله الحقيقي. لم تشغله فخامة المعابد وجمالها، إنما ما شغله الظلمة التى غطت قلوب المتعبدين فيها، فاحتدت نفسه بالغيرة على مجد الله.

- "أهلكتني غيرتي لأن أعدائي نسوا كلامك" (مز 119: 139). يرثي الكاتب الملهم أولئك الذين يعيشون في انحلال، فإذ يرى واضع الناموس قد أُهين بحق يغضب. قدّس فينحاس هذه الغيرة؛ وهذه الغيرة جعلت إيليا مشهورًا، وإذ التهبت في المنتصر استفانوس اتهم اليهود بعدم الإيمان، وإذ يقدم بولس مثلاً لهذه الغيرة التي في داخله صرخ عاليًا: "من يضعف وأنا لا اضعف؟ من يعثر وأنا لا التهب؟" (1 كو 12: 26). ويقول عنه الطوباوي لوقا أنه في أثينا احتدت نفسه إذ رأى المدينة مملوءة أصنامًا.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

"فكان يكلّم في المجمع اليهود المتعبّدين، والذين يصادفونه في السوق كل يوم". [17]

يذهب إلى مجمع اليهود ليلتقي بالدخلاء من الأمم الذين تركوا الوثنية لكن لم يتمتعوا بعد بكامل الامتيازات التي لليهود، هؤلاء كانوا يحملون نوعًا من التقوى وحب العبادة لله.

كما كان يذهب إلى السوق الخاص بالحوار العام، حيث كان كثير من الفلاسفة يجتمعون للدخول في مناقشات عامة، فكان يتحدث مع من يلتقي بهم عن بشارة الخلاص.

كانت الأسواق مجالاً ليس فقط للشراء والبيع، وأن يُستأجر أحد، وإنّما أيضًا للحوار. وكان الفرّيسيّون يحبّون الذهاب إليها لينالوا كرامات (مت 23: 7؛ مر 12: 38؛ لو 11: 43؛ 20: 46).

"فقابله قوم من الفلاسفة الأبيكوريين والرواقيّين، وقال بعض: ترى ماذا يريد هذا المِهذار أن يقول؟ وبعض أنه يظهر مناديًا بآلهة غريبة، لأنه كان يبشّرهم بيسوع والقيامة". [18]

تعرف الرسول بولس على فريقين من فلاسفة أثينا أو مدرستين: الإبيكوريين والرواقيين Stoics.

الأبيقوريون: نسبة إلى أبيقور الذي عاش حوالي ثلاثة قرون قبل المسيحية. لا يؤمنوا بآلهة، وإن وجد لهم آلهة، فهي لا تنشغل بشيء بخصوص العالم. كانوا يظنون في الله أنه كواحدٍ منهم، كائن خامل، لا يفكر في شيءٍ، ولا يميز بين الخير والشر. لا يقبلون الله خالق العالم أو مدبره، فالعالم هو من صنع نفسه وُجد صدفة أو على أثر حادثة، فهو لا يحتاج إلى قوة أعلى منه تديره. هذا والجسد كما الروح يفنيان بلا عودة (1 كو 15: 32). كل ما يشغل الأبيقوري الحقيقي هو هدوء نفسه، ونموذجه الأعظم هو الحيوان الذي يجد راحته في نفسه كما في غرائزه، يمتع نفسه بلا ضابط. فلا يكون الإنسان في حاجة إلى أي ضمير يبكته على ما يقوله أو يفعله، ليس له أن يخشى عقوبة ما، ولا أن يترجى مكافأة؛ كل هذه المبادئ تقف ضدها المسيحية. هذا ويجد الابيقوريون السعادة أو الفضيلة في انغماسهم في الشهوات والملذات الجسدية بلا ضابط؛ الأمر الذي يطالبنا السيد المسيح أن نجحده. يمكن تلخيص كل مبادئهم في العبارة التالية: "عش بدون إله، وانغمس في الملذات كصلاحٍ عظيمٍ لك".

الرواقيون:
دعوا رواقيين Stoics، وهي مشتقة من الكلمة اليونانية التي تعنى رواقًا، ذلك لأن مؤسس هذه الجماعة زينون Zenoأقام مدرسته وكان يعلم في رواق بمدينة أثينا. ولد زينون في جزيرة قبرص، لكنه قضى أغلب عمره في أثينا يعلم الفلسفة، مات عام 264 ق.م عن 97 عامًا قضى منها 48 عامًا يعلم الفلسفة علانية. يؤمن بأن الله خلق العالم، وأن كل الأمور تسير حسب القدر، حتى الله نفسه تحت سلطة القدر. وأن العالم نفسه هو كيان نفسي عاقل، أوجد كل شيء بنفسه ويجربها لتنتهي بنفسه. فالمادة متحدة بالروح أو الألوهة. فالله لم يخلق العالم لكنه يدبر العالم. الله هو الناموس الطبيعي للمادة. ظهر العالم إلى الوجود كحلقة من حلقات تطور الله، والروح والنفس عندهم مادة تحترق بالموت لتعود، ويمتصها الله في نفسه، لذلك فالقيامة التي بشر بها بولس الرسول بالنسبة لهم منافية للعقل. كل ما لا يتفق مع العقل هو شر، فالحكيم يحكم بعقلٍ كملك ذات عظمة أو كإله. هكذا لا يقبل الرواقي فكرة الخلاص، لأنها مدرسة الكبرياء والتأله. لا يحتاج الحكيم إلى مخلص. ولكي يُخضع الشخص القدر يلزم ضبط الشهوات وكتمانها، فالسعادة تكمن في احتمال النفس للألم. يلزم على الإنسان أن تكون له السيادة المطلقة على شهواته وغرائز طبيعته. نظرتهم للفضيلة متشددة مثل الفريسيين، يفتخرون ببرهم الذاتي. في رأيهم المادة أزلية، وأن الله إما هو نفس soul العالم أو عقله أو أساسه المنعش، وأن كل الأشياء هي جزء من الله. كانوا مترددين بخصوص نظرتهم للمستقبل، فالبعض ينادي بأن النفس تبقى فقط إلى حين دمار المسكونة. آخرون يرون أنها في النهاية تبتلع في الجوهر الإلهي وتصير جزءً من الله. يظن الرواقيون أنهم صالحون مثل الله يطلقون العنان للكبرياء كما أطلق الأبيقوريون العنان لشهوات الجسد وكل الحواس. يرون الإنسان الفاضل ليس بأقل من الله ولا أسمي منه.

لم يكن ممكنًا للفريقين مع تعارضهما لبعضهما البعض أن يقبلا كرازة الرسول بولس خاصة من جهة العفة والطهارة أو من جهة التواضع أمام الله وعمل النعمة الإلهية في حياة المؤمن. تطلعوا إليه باستخفاف كرجلٍ غريبٍ جاء من اليهودية يحمل أفكارا لا يقبلها العقل.

"مهزار" أي يتكلم دون أن يفكر، ما يقوله مجرد تخيلات بلا معنى، كلماته باطلة بلا فاعلية، ما يقوله مع هذا ينفيه مع آخر. كلمة "مهزار" spermologosفي اليونانية تعنى "من يلقط البذور"، تستخدم بالنسبة للفقراء الذين يجمعون البذار المنتثرة من الحقل بعد نهاية الحصاد، أو الذي يسير في الطريق يجمع البقايا الملقاة في الأسواق. فالكلمة تشير إلى فئة المحتقرين في المجتمع بسبب شدة فقرهم، كما تشير إلى الطيور المزعجة بأصواتها المستمرة والتي تلقط الحبوب عن الأرض، أي إلى الأشخاص كثيري الكلام يجمعون من هنا ومن هناك أراء بلا منطق، ليست لهم معرفة حقيقية، لكن يتظاهرون بأنهم يعلمون المثقفين من اليونانيين والفلاسفة.

- كلمة مهزار Seed Picher اسم لطائرٍ لا قيمة له، من عادته أن يلتقط البذور من الطريق. وهم إذ يشَّبهون بولس الإلهي به، يهزأ هؤلاء الأغبياء بكلمة الخلاص المقدّمة لهم.

القديس كيرلس الكبير

- بسبب حسن مع أن الأثينيّين لم يعرفوه إلا أنهم أعطوه اسمه، فإنهم إذ سمعوا الكلمة منه قالوا: من هو هذا الباذر للكلمات (المهزار)؟

القديس أغسطينوس

"آلهة daimonioonغريبة" أي أرواح أسمي من الكائنات البشرية وأقل من الآلهة.

ظنوا أن القيامةAnastasis إلهة تحمل اسم انستاسيس تسيطر على القيامة. هكذا حسبوا أن الرسول بولس يود أن يُدخل إلهين غريبين إلى أثينا هما يسوع وانستاسيس.

"فأخذوه وذهبوا به إلى أريوس باغوس، قائلين: هل يمكننا أن نعرف ما هو هذا التعليم الجديد الذي تتكلم به". [19]

أريوس باغوس: يشير إما إلى تل مارس Marsالقائم ما بين السوق وأكروبوليسAcropolis ، أو إلى المجلس الذي كان في العصور القديمة يجتمع في تل مارس. لم يكن هذا المجلس مجرد محكمة للقضاء، بل يضم مجموعة من الناس تشرف على الأمور الدينية والتعليمية. ظهر أمامه القديس بولس ليعطي حسابًا عن فلسفته، حتى يقرروا إن كان يسمح له بالتعليم في أثينا. إنه أشبه بدار البلدية للمدينة، فيه يمارس الحكام الأعمال العامة. وهو أشبه بمدرج (مسرح) في جامعة، حيث يجتمع المتعلمون ويتناقشون في الأمور. هو دار العدالة له شهرته، يلجأ إليها الكثيرون من مناطق كثيرة، إن أنكر أحد الآلهة أو أضاف إله جديد دون تصديق منهم يتعرض لنقد هذه المحكمة. حكم على دياجوراس Diagorasبالإعدام بكونه يستخف بالآلهة.

"لأنك تأتي إلى مسامعنا بأمورٍ غريبةٍ، فنريد أن نعلم ما عسى أن تكون هذه". [20]

أُستدعى بولس لامتحانه، لا كمجرم، وإنما كمن هو مرشح لمنصب معين. لم يُقدم ضده أي إتهام، ولا جاءوا بشهود ضده، ولم تتشكل له محكمة. قدموه لفحصه لأنه يتحدث عن أمورٍ لم يعتادوا سماعها من قبل من فلاسفتهم، فجاءوا به ليعرفواما عسى هذا الذي يتحدث عنه بخصوص يسوع والقيامة. هل هما إلهان جديدان؟

"أمّا الأثينييون أجمعون والغرباء المستوطنون، فلا يتفرغون لشيء آخر، إلا لأن يتكلّموا أو يسمعوا شيئًا حديثًا". [21]

كان الأثينيون والغرباء القادمون إلى أثينا لا يشغلهم شيء سوى أن يخبروا أو يسمعوا شيئًا جديدًا، أسلوبهم النقاش ليس إلا. لهذا تعجبوا مما يعلم به الرسول ما لم يسمعوا به ويتعلموه (1 تي 4: 13، 15)، فهم لا يطلبون هذا الأسلوب القديم لنوال المعرفة إنما يفضلون الحوار.

- حتى فرعون عرف أنّه لا يليق بالإنسان أن يُطلب اللَّه حين يكون عاطلاً. لهذا وبّخ إسرائيل: "متكاسلون أنتم، متكاسلون، لذلك تقولون: نذهب ونذبح للرب إلهكم" (خر5: 17). فالراحة في ذاتها صالحة ونافعة... إن كانت تنتج سكونًا لطلب تعاليم نافعة. أمّا فراغ الاثينيّين فكان شرّيرّا هؤلاء الذين "لا يتفرّغون لشيء آخر إلاّ لأن يتكلموا ويسمعوا شيئًا حديثًا".

القديس باسيليوس الكبير


 


19 توت 1737 ش
29 سبتمبر 2020 م

اليوم الثالث من أيام عيد الصليب المجيد
تذكار إصعاد القديس غريغوريوس البطريرك الأرمني من الجب

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك