إشترك الآن ليصلك جديد الموقع وأخبار الكنيسة

Name

E-mail

العقل السليم القوى يفحص ويدقق فى كل ما يسمعه ، يفحصه ويحلله ويقبل منه ما يقتنع به ويرفض الباقى ولا يكون مثل ببغاء عقله فى أذنيه

البابا الأنبا شنوده الثالث

تفسير سفر أعمال الرسل اصحاح 17 جـ4 PDF Print Email

4. في أريوس باغوس

"فوقف بولس في وسط أريوس باغوس، وقال: أيها الرجال الأثينييون، أراكم من كل وجه كأنكم متديّنون كثيرًا". [22]

الآن نستمع إلى عظة يقدمها الرسول بولس في أثينا تختلف تمامًا عما يقدمه الرسل لليهود أو حتى للأمم الذين لهم معرفة بالعهد القديم ويقدرونه، ويعبدون الله الحي الحقيقي. فبالنسبة لليهود والدخلاء كل ما يقدمه الرسل هو تأكيد أن يسوع هو المسيا، أما هنا فالعظة مقدمة لوثنيين يعبدون آلهة باطلة، وليس لديهم معرفة بالله الحقيقي. الأولون في حاجة إلى الكشف عن تحقيق النبوات والتعرف على المخلص خلال المعجزات ليؤمنوا به، أما هؤلاء ففي حاجة إلى من يعَّرفهم عن عناية الله الخالق للتعبد له.

قدم لنا القديس لوقا ملخصًا لحديث الرسول بولس معهم أو الخطوط العريضة له، لكي يكشف لنا عن فكر الرسول، وكيف كان يتعامل مع كل فئة بما يناسبها ليربح الكثيرين للسيد المسيح. تحدث الرسول بهدوءٍ ووقارٍ، يعلن الحق دون أن يجرح مشاعرهم. ينكر العبادة الوثنية لكنه يبدأ بإبراز ما هو حق في رجال أثينا. وهكذا وضع الأساس للإيمان.

استخدم القديس إكليمنضس السكندري بعض النصوص مثل أع 17: 22- 28؛ 26: 17- 18، لتأكيد أن الفلاسفة قد بلغوا نصيبا من الحق.

- من الواضح أن الرسول بولس استشهد بنماذج من الشعر الوارد بكتاب الظواهر للشاعر أراتوس Aratus، وهو يوافق على ما قال به اليونانيّون ويتّفق معهم، ويربط بين ذلك القول وبين الإله غير الظاهر، غير المعروف، اللََّه الخالق، ذاك الذي كان اليونان القُدامى يعبدونه، ولكن بأسلوبٍ غير مباشر، ذاك الذي كان يلزم أن ندركه ونعرفه معرفة إيجابيّة حقّة بالابن. لذلك قيل: "الأمم الذين أنا أرسلك إليهم تفتح عيونهم كي يرجعوا من ظلمات إلى نور، ومن سلطان الشيطان إلى اللََّه، حتى ينالوا بالإيمان بي غفران الخطايا ونصيبًا مع القدّيسين" (أع 26: 17-18). وهكذا انفتحت أعين الذين كانوا عميانًا عن الحق.

القديس إكليمنضس السكندري

- عندما تحدّث الرسول مع الأثينيّين أظهر بوضوح أن الحكماء من بين الأمم قد اكتشفوا الخالق... لقد أدان أولاً عدم إيمان الأمم لكي يظهر أنهم قادرون أن ينالوا نعمة إن اهتدوا للإيمان. فإنّه ليس من العدالة بالنسبة لهم أن يسقطوا تحت عقوبة لعدم الإيمان ولا ينالوا مكافأة الإيمان.

القديس أغسطينوس

"لأنني بينما كنت اجتاز وأنظر إلى معبوداتكم، وجدت أيضًا مذبحًا مكتوبًا عليه: لإله مجهول. فالذي تتقونه وأنتم تجهلونه، هذا أنا أنادي لكم به". [23]

يقول ديوجنيس لارتيوس Diogenes Laertius بأن وباءً حلّ على أثينا، وإذ لجأوا إلى الآلهة هناك واحد يلو الآخر ولم يُرفع الوباء نصحهم البعض أن يطلقوا قطيع غنم بلا قائد ويروا أين يستقر القطيع ويربض، فيقيموا مذبحًا هناك لإله يجهلون اسمه ويقدمون ذبائح لهذا الإله، وكان ذلك في القرن السادس ق.م.

قيل أيضا أن الاثينيين إذ كانوا يودون إرضاء الآلهة أقاموا مذابح نُقش عليها: إلى آلهة آسيا وأوربا وأفريقيا، وأقاموا مذبحًا خشية أن يكونوا قد نسوا إلهًا لا يعرفونه. وكان المواطنون في البلاد المجاورة متى جاءوا إلى أثينا يقسمون بالإله الذي يجهله الأثينيون. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الأثينيين كانوا يحاولون أن يضموا إليهم كل الآلهة في البلاد الأخرى، وإذ خشوا لئلا يكونوا قد نسوا أحد الآلهة أقاموا مذبحًا للإله المجهول. من هنا دخل الرسول بولس إليهم بأن هذا الإله المجهول هو السيد المسيح إله الكل.

يليق بنا ان نسجل حكمة الرسول بولس في الرب، فإنه لم يعتد أن يبدأ أحاديثه أو رسائله بنقد مستمعيه أو قارئيه، بل يبرز فيهم ما هو حق كي يسحب قلوبهم وأفكارهم لكلمة النقد البناء. فهو يعلم أن الحب واللطف أكثر فاعلية من النقد والهدم، على أن يكون الحب مرتبطًا بالحق مع الحزم في الوقت المناسب.

- انظروا كيف يظهر لهم أنهم بالفعل قبلوه، وأن "ما أخبركم به ليس بالأمر الغريب ولا الأمر الجديد". فإنهم إذ قالوا: "ما هو هذا التعليم الجديد الذي نتكلم به؟ لأنك تأتي إلى مسامعنا بأمور غريبة" [19-20]، للحال أزال عنهم هذا الظن.

القديس يوحنا الذهبي الفم

"الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه، هذا، إذ هو رب السماء والأرض، لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيادي". [24]

بعد أن أكد لهم أنه لا يقدم لهم معرفة عن إله جديد، بل إله هم يعبدونه ولا يعرفونه بدأ يكشف عن سمات هذا الإله بأنه خالق السماء والأرض، فلا يسكن في هياكل مصنوعة بأيدٍ بشرية، وبهذا ينطلق إلى الكشف عن غباوة العبادة للأوثان [29].

"ولا يُخدم بأيادي الناس كأنه محتاج إلى شيء، إذ هو يعطي الجميع حياة ونفسًا وكل شيء". [25]

"لا يخدم (بعد) بأيادي الناس"،
أي لا يحتاج الله إلى الذبائح والاحتفالات التي يقدمها البشر (مز 50: 10-12). هو مصدر الحياة فلا يعتمد على ما وهبه للبشر الذين وهبهم الحياة؛ بل ويهبهم نفسًا، أي يبقى الإنسان مدينًا لله بكل نسمة يتنسمها. هكذا يصحح الرسول بولس مفاهيم بعض الفلاسفة الذين يدعون أن العالم أزلي، أو القائلين بأن الله خامل لا علاقة له بالخليقة.

"وصنع من دم واحد كل أمة من الناس، يسكنون على كل وجه الأرض، وحتم بالأوقات المعيّنة وبحدود مسكنهم". [26]

جاءت كل البشرية عن مصدرٍ واحدٍ؛ مهما اختلفت ملامحهم أو لغاتهم أو عاداتهم، لكن يوجد أب واحد وأم واحدة لكل البشر (تك1؛ 2: 10). فالبشر جميعًا متساوون، ولا يليق باليونانيين خاصة الأثينيين أن يفتخروا على جنس البشر بسبب ثقافتهم الهيلينية وظهور فلاسفة كثيرين من بينهم؛ بل يليق بهم أن يتطلعوا إلى البشر كأسرةٍ واحدةٍ.

التباين بين البشر تحقق بسماح إلهي، محددًا الأوقات لازدهار أمة وسقوط أخرى. فما يحدث من ثورات أو حروب أو انتصارات تتحقق بسماحٍ إلهيٍ بحكمة سماوية فائقة.

"لكي يطلبوا اللَّه لعلهم يتلمسونه، فيجدوه مع أنه عن كل واحد منّا ليس بعيدًا". [27]

مع اختلاف الأمم من جهة اللغات والطباع والعادات ومواقع السكن، فإن الكل يشتركون في اعتمادهم على الله خالقهم ومدبر أمورهم، لهذا يليق بهم أن يعتمدوا على الله، وأن يشعروا بروح الأخوة والمساواة. بهذا فإن عبادة الأوثان وتعدد الآلهة نوع من الغباوة لن تحقق هذا.

أما أين هو الله، فهو ليس ببعيدٍ عن كل أحد، إذ نطلبه نجده في داخلنا قريب إلينا أقرب من التماثيل التي أمامنا. هو حاضر في كل مكان، يملأ السماء والأرض بحضوره الإلهي (مز139: 7-10؛ إر23: 23-14؛ عا 9: 2-4؛ 1 مل 8: 27).

"لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد، كما قال بعض شعرائكم أيضًا، لأننا أيضًا ذُريته". [28]

ليس من كلمات أقوى من هذه يمكن أن تعَّبر عن اعتمادنا على الله، فهو مصدر الحياة والمعين والمدبر لكل حياتنا.

في نقد العلامة أوريجينوس لمرقيون قال بأن مرقيون اقتبس عبارات من الكتاب المقدّس وأساءوا استخدامها، كما فعل الشيطان نفسه. بينما القدّيس بولس اقتبس عبارات من كتب عالميّة secular ومن الأدب الخاص بالأمم وهي غريبة عنّا ليقدّسها.

- مع أن الهرطوقي يستخدم عبارات من الكتاب المقدّس إلاّ أنّه خطير ومنحرف يُسال بكلمات الروح: "ما لك تحدّث بفرائضي، وتحمل عهدي على فمك؟" (مز50: 16) هكذا مع أن الشيطان ينطق بما في الأسفار المقدّسة إلاّ أن المخلّص أبكمه. ومع أن الرسول بولس نطق مقتبسًا من الكُتّاب الدنسين: "الكرّيتيّون دائمًا كذّابون"، "نحن من نسله"، "المعاشرات الشرّيرة تفسد الأخلاق الصالحة" (أع 17: 28؛ 1 كو 15: 33؛ 1 تي 2: 7)، إلاّ أنّه يقدّم معنى روحيًا بكونه قدّيسًا، معلّم الأمم في الإيمان والحق، إذ له "فكر المسيح" (1 كو 2: 16).

القديس أثناسيوس الرسولي




 


15 توت 1737 ش
25 سبتمبر 2020 م

نقل جسد القديس اسطفانوس
استشهاد القديس لونديانوس

+ اقرأ سنكسار اليوم كاملا
+ ابحث فى السنكسار
+ اضف السنكسار لموقعك